لم يكد يمر يومان فقط من شهر رمضان المبارك، حتى ظهرت مفاعيل الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، على غير صعيد مسيحي ولبناني، وهي مفاعيل تسجّل في خانة الخسائر السياسية الصافية للحزب.
خطاب نصرالله يُقرأ مسيحياً
على أنه خطاب "غلَبة"
قرأ المسيحيون، أي الرأي العام المسيحي، في خطاب نصرالله في "مهرجان الانتصار" مشروعَ غَلَبة على الداخل اللبناني يصيب الطوائف اللبنانية كافة، لكنه يصيب المسيحيين في المقدمة، فكان من الطبيعي أن "يجفلوا" من هذا المشروع وأن يخافوا منه على مستقبل الصيغة. وإذا كان صحيحاً أن "حزب الله" في مشروع الغلبة الذي يحمل، حتى من دون إعلانه وكشفه، يتحالف مع طرف سياسي مسيحي هو الجنرال ميشال عون، فالصحيح أكثر أن المسيحيين يدركون بحسهم أن عون طرف مستَتبَعٌ في هذا التحالف. كذلك، فإن المسيحيين يدركون من خلال تجربة السنوات الماضية أن ثمة مواقع رئيسية في الدولة يتصدّرها مسيحيون، لكن الكلمة العليا في هذه المواقع هي لغير المسيحيين الذين يتصدرونها، سواء تعلق الأمر بالعديد من الأجهزة الأمنية أو تعلّق برئاسة الجمهورية الحالية، حيث الرئيس الحالي مستتبَع محلياً لحزب الله.
الثنائيتان الشيعية ـ المارونية والشيعية ـ العلوية
وإذا كان "حزب الله"، بما في ذلك في الخطاب الأخير لنصرالله قد عزف على الوتر الماروني مرتين على الأقل، الأولى عبر الايحاء بإعادة النظر في اتفاق الطائف والثانية عبر "اللعب" على الثنائية الشيعية ـ المارونية، فإن المسيحيين يعرفون جيداً أن الثنائية الشيعية ـ المارونية "توازي" عملياً الثنائية العلوية ـ المارونية.
فالمسيحيون، كما غيرهم من اللبنانيين باتوا على معرفة بأن ثمة تطورات كبيرة طرأت على العلاقات الشيعية ـ العلوية في العقود الماضية. فبالإضافة إلى ما هو معروف تاريخياً من دور للشيعة وأئمتهم ومرجعياتهم في "تشييع" العلويين في سوريا برضى بل بطلب من نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد، فقد كشف النقاب في الآونة الأخيرة عن دور إيراني مجاز من قبل نظام الرئيس بشار الأسد في "تشييع" السنّة في سوريا، وقد تحدث عن ذلك بإسهاب، المرشد العام للأخوان في سوريا علي صدر الدين البيانوني في مقابلة تلفزيونية أخيراً.
لا شك في أن لهذا "التشييع" التاريخي والحديث في سوريا حسابات لدى النظام السوري، داخلية وإقليمية، ولا شك في أنه كانت لهذا "التشييع" تداعيات لبنانية خلال مرحلة الوصاية السورية على لبنان، حيث كان نظام الوصاية يطلب من الشيعة اللبنانيين "ولاء" بنسبة مئة في المئة. بيد أن اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، ينظرون إلى العلاقة الشيعية ـ العلوية وأي علاقة شيعية سياسية بطائفة أخرى، بوصفها علاقة يرتبها النظام السوري، ويراد منها أن تكون استتباعاً لهذا النظام. ويزداد الأمر خطورة من وجهة نظر العديد من اللبنانيين، لا سيما على المستوى المسيحي، متى "التبست" علاقة فريق شيعي في لبنان بإيران بين الديني والسياسي، ومتى كان فريق شيعي ما يجاهر بتحالفه مع النظامين السوري والإيراني.
بكلام آخر، لا يمكن النظر إلى رد الفعل المسيحي على الخطاب السياسي لحزب الله كما تجلّى في الخطاب الأخير للسيد نصرالله، بمعزل عن هذين العاملين الرئيسيين، مشروع الغلبة في الداخل الذي يقدمه من ناحية وبنية العلاقة الشيعية ـ العلوية ـ السورية من ناحية ثانية، الأمر الذي يعني بالنسبة إلى المسيحيين بشكل خاص تصعيب الخيارات أمامهم: إما تخويفهم وإما تهجيرهم وإما إلحاقهم.
احتفال حريصا يعكس استنفاراً مسيحياً
من هذه الزاوية بالدرجة الأولى، يمكن النظر إلى الاحتشاد المسيحي الكبير في المهرجان الذي نظمته "القوات اللبنانية" أول من أمس في سيدة حريصا وتحدث فيه رئيس الهيئة التنفيذية سمير جعجع.
كان هذا المهرجان الذي يلي القداس عن راحة أنفس شهداء "القوات" مقرّراً قبل أن يدعو السيد نصرالله إلى مهرجان "النصر الإلهي" يوم الجمعة الفائت. وكان مقدّراً لهذا المهرجان أن يحشد بطبيعة الحال. فـ"القوات" ومنذ أن خرج الدكتور جعجع إلى الحرية تعمل على نفسها بصبر وتأنٍّ، وتكابد العواصف على أنواعها و"تستقبل" أعداداً من المسيحيين الملتصقين بمعركة السيادة والاستقلال والحرية والدولة. لذلك، لم يكن المهرجان "القواتي" في أصله رداً على مهرجان الضاحية، ولم يكن مقدّراً له أن يأتي بهذا الحشد الشعبي الضخم الذي فاق كل التوقعات. لكن ردّ الفعل على خطاب السيد نصرالله حرّك حشوداً "استثنائية" إضافية.
احتجاج مسيحي على "الخيانة العونية"
لمعركة السيادة والاستقلال
وإلى رد الفعل على خطاب نصرالله الذي "استنفر" المسيحيين بدلاً من أن يخيفهم، يضاف اعتبار أساسي آخر. فقد عنت المشاركة المسيحية الجماهيرية الواسعة في احتفال "القوات"، احتجاجاً مسيحياً شعبياً على "خيانة" الجنرال لتطلّعات البيئة المسيحية، وظهّرت هذه المشاركة الانهيار المريع للجنرال في البيئة المسيحية، وعكست التراجع الذي لم يكن الجنرال قد اعترف به حتى أول من أمس.
بهذا المعنى، فإن خسارة "حزب الله" تكمن في خسارته الرهان على شريك مسيحي في مشروع للغلبة داخلياً وللتحالف مع سوريا وإيران إقليمياً. أما عون فهو هنا ضحية نفسه وخياراته وسياساته، مثلما هو "ضحية حزب الله" الذي كشفه و"حرقه".
الجمهور "فوق القواتي":
فكرة "الرأي العام المسيحي"
قد يقول قائل إن هكذا استنتاجات تبدو متسرعة. بيدَ أن الحقيقة غير ذلك تماماً.
وهنا من المفيد جداً تسليط الضوء على أمرين رئيسيين. الأول هو أن الانهيار العوني شعبياً كان "تراكمياً"، بمعنى أنه لم يحصل دفعة واحدة، بل على مراحل. وإذا كان صحيحاً تماماً القول أن "الشارع" أو "الجمهور" المسيحي وجدَ في احتفال "القوات" أول من أمس فرصةً للتعبير عن نفسه "ضدّ" عون، فالصحيح أيضاً أن الجمهور كان "فوق قوّاتي"، أي أنه يتجاوز الى حدّ معيّن الطاقة التعبويّة لـ"القوات" على أهميّتها وأهمية كونها "قطباً آخر". وهنا أهمية تسجيل حقيقة أن "الشارع المسيحي" هو "رأي عام" بكل ما لهذا المصطلح من معنى. ولذلك، فإن احتفال أول من أمس يترجم انتقال الشطر الأعظم من "الرأي العام المسيحي" الى مكان آخر، إلى "القوات" وإلى 14 آذار مجدداً، في ما يتجاوز الحزبيّات داخل 14 آذار.
لا شك في أن "القوات" تمثّل أكثر الأطر التنظيمية "المسيحية" القائمة قابليّة لاستقطاب الموجة المسيحية المتجدّدة. ولا شك في أن سمير جعجع يملك الكثير من مقوّمات القيادة والزعامة. بيدَ أن النظر الى حشود حريصا على أنها حشود قوّاتية وحسب، ليس فقط "شرفاً" لا تدّعيه "القوات" بل هو مناقضٌ للنظرة الى حقيقة أن في البيئة المسيحية رأياً عاماً. ذلك أن الجماهير التي غطّت ساحة حريصا والطرق المؤدية إليها ليست انشقاقاً حزبياً عن "التيار الوطني الحر"، بل هي انسلاخ للرأي العام عن عون، وهو الرأي العام نفسه ـ أو معظمه ـ الذي أعطى الجنرال ما أعطاه في الانتخابات النيابية الماضية.
الطائف في الوجدان المسيحي
أما الأمر الثاني الذي يستكمل الأول، فهو أن ليس صحيحاً أن "الشارع المسيحي" يستهويه العزف على وتر إعادة النظر باتفاق الطائف. ولا يستدلّ على ذلك فقط من خطاب الدكتور جعجع المركّز على الطائف وهو أحد أركانه في الأصل، بل من أن مجمل الوضع المسيحي، من رأس الكنيسة المارونية إلى مختلف الشخصيات والتيارات المسيحية المنضوية في 14 آذار، يعي حقيقة أن إعادة النظر باتفاق الطائف تعني تعريض المسيحيين الى المجهول، ويعي أن الموضوع يمكن أن يُفتح تحت عنوان إعادة النظر في "صلاحيات رئيس الجمهورية" لكنه لن يقفل هنا. ويعي تالياً أن في الطائف ضمانات "وجودية" للمسيحيين، طالما أنه اتفاق "الشراكة". وبهذا المعنى، فإن الجمهور المحتشد في ساحة حريصا أول من أمس هو جمهور "القوات" وجمهور الكنيسة وجمهور 14 آذار... والجمهور المسيحي لاتفاق الطائف.
إذاً، في تقويم مفاعيل خطاب نصرالله، من منطلق اعتبار أن مهرجان حريصا كان ـ بمعنى معيّن ـ مِن هذه المفاعيل، يتبيّن أن "حزب الله" خسر خسارة صافية، إذ قاد خطابه الى استنفار مسيحي أعاد "تشكيل" الرافد المسيحي لـ14 آذار، وأسقط من يد الحزب ـ وعون ـ الادّعاء بأن 14 آذار لم يُعد كذلك كون عون قد خرج منه، وأعاد الاستنفارُ المسيحي استحضار زعامة جعجع من جهة، وتعددية "الرأي العام" المسيحي من جهة أخرى.
جنبلاط يعيد تحديد أصل الخلاف:
الطائف.. والنظام السوري
بيدَ أن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ.
ذلك أن ردّ رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط على كلام نصرالله، كان حازماً. لم يؤدّ خطاب نصرالله الى استنفار درزي، ولم يكن جنبلاط بحاجة الى هذا الاستنفار في طائفة يملك معظم تأييدها، وقد تجلّى ذلك أيضاً في انتخابات أول من أمس للمجلس المذهبي الدرزي.
غير أن تركيز جنبلاط في ردّه على ما سمّاه "التصاق" نصرالله والحزب بالنظام السوري، أعاد الاعتبار الى "حقيقة" أن أصل الخلاف يتعلّق بالخيار السوري لدى "حزب الله". وإذ سأل جنبلاط نصرالله عن "معنى" الدولة "القوية القادرة" التي يطرحها، إنما ذكّره بأن الأصل الآخر للخلاف هو الموقف من اتفاق الطائف، في وقت لم يعد خافياً ان مشروع "الدولة القوية" ينهض على صيغة أخرى غير اتفاق الطائف، وفي وقت لم يعد خافياً أيضاً أن الانقلاب على اتفاق الطائف يضمر مشروع غلبة يرتدي في جوانب عدة طابع "مشروع جمهورية إسلامية" مغلّفة.
"المستقبل" وكلام عون عن "الاستئثار السنّي"
من جهة اخرى، وإذا كان "تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري لم يردّا حتى الآن على خطاب نصرالله ولم يقوما بـ"تفنيده"، فإن ذلك ربما يندرج في خانة حرص التيار وزعيمه على وحدة الساحة الإسلامية السنّية ـ الشيعية. بيد أن ذلك لا يعني أن ليس ثمة امتعاض داخل التيار والبيئة الإسلامية السنية ككل من الاستقواء بما اعتُبر انتصاراً على إسرائيل باتجاه الداخل، خاصة في وقت لا يتردّد حليف "حزب الله" الجنرال عون في توجيه "المعركة" ضدّ ما يسمّيه الاستئثار السني"، وفي وقت لا يقوم "حزب الله" بتصويب "إحداثيات" الجنرال. هذا مع العلم أن ثمة محاولة من جانب عون ومن جانب أدوات النظام السوري لـ"تحوير" ما ورد في النداء السابع لمجلس المطارنة الموارنة حول "التهميش" الذي يعاني منه المسيحيون. فالنداء السابع أشار بوضوح إلى أزمة رئاسة الجمهورية، واعتبر أن واقعها الحالي يشكّل مصدر الخلل في موقع المسيحيين ضمن الشراكة الوطنية.
ذريعة "حكومة الوحدة" تسقط
خسر "حزب الله" الاختراق المسيحي ممثلاً بعون. وخسر باستنفاره سائر البيئات الطائفية. وعندما يخسر "حزب الله" يكون الخاسر المشروع المحمول على "رافعة" حزب الله و"انتصاره". فهل ثمة "قيامة" بعد ذلك لما يسمّيه "حكومة الوحدة الوطنية"؟
غنيّ عن القول تكراراً أن "حكومة الوحدة الوطنية" ليست سوى "الاسم الحركي" للانقلاب على السلطة السياسية، وعلى النظام السياسي كما هو محدد في اتفاق الطائف. غير أن "الذريعة" التي استخدمها "حزب الله" للمطالبة بحكومة "الوحدة الوطنية"، كانت ملاحظته ضرورة إشراك الممثل "الأكبر" للمسيحيين في السلطة. والحال أن "من الحب ما قتل"، وها هي ساحة حريصا تشهد على عكس ذلك..
لا شكّ في أن ثمة "فضلاً" لحزب الله في ما جرى ويجري: إعادة تشكّل الأكثرية وتبلورها.. إعادة مشهد 14 آذار. غير أن المطلوب هو أن يعيد "حزب الله" حساباته، وليتذكر "الحقيقة" الآتية: إن "الانتصار" على العدو الإسرائيلي، مع ان هذا الانتصار موضع "جدل"، غير قابل لـ"الصرف السياسي" الداخلي، ولا بديل من "السعي" إلى الوفاق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.