على افتراض ان الرئيس نبيه بري وبعد دراسته للوقائع والمعطيات اقتنع بأن ثمة فرصة لاستئناف الحوار وقرّر العودة إليه بصيغة ما، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: ما هي "طبيعة" الحوار العتيد وما هي مادته؟
بداية، وبالاستناد إلى الحوار "السابق" في جولاته بين مطلع آذار ومطلع تموز، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات حول تعاطي بعض الأطراف مع طاولة الحوار. فإذا كان مما لا شك فيه ان دعوة الرئيس بري إلى المؤتمر الوطني انطلقت من الحرص على تطويق أجواء الاحتقان ومحاصرة نتائجه، في الشارع بشكل خاص، فإن تحالف "حزب الله" والعماد ميشال عون، و"عبره" الموالون للنظام السوري بنوا مشاركتهم في هذا الحوار على أساس هدف لم يكن خافياً، وهو لم يعد خافياً على كل حال، هو تطويق فريق 14 آذار والأكثرية و"تكبيلهما". وبمعنى آخر، بدت طاولة الحوار بالنسبة إلى هؤلاء وكأنها محطة من محطات مشروع سياسي هادف إلى إغراق الأكثرية لإسقاطها، أي بدت بوصفها بديلاً مؤقتاً مرحلياً عن المؤسسات الدستورية المتشكلة بعد الانسحاب السوري من لبنان، وقد لاحظوا انه كان في وسعهم قبل 2 آذار تاريخ الجولة الأولى من الحوار، تعطيل مسيرة الدولة بفعل الفيتو الذي مارسه "حزب الله" داخل مجلس الوزراء أكثر من مرة، والذي تجلّى أكثر ما تجلّى في الاعتكاف الشهير أواسط كانون الأول من العام الماضي.
تحالف "حزب الله" ـ عون في الحوار السابق: مشروع سلطة
بالاستناد إلى تجربة الحوار "السابق"، يمكن القول إذاً ان تحالف "حزب الله" ـ عون (و"عبره" سائر الموالين للنظام السوري) كان ينفّذ مشروعاً سياسياً. وقد ارتكز في تنفيذ المشروع السياسي الذي أشارت المقدّمات إلى ملامحه، إلى وسائل وأدوات. ومن هذه الوسائل والأدوات، ان التحالف المذكور عندما كان يوافق على بنود معينة، كما بالنسبة إلى العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا وتحديد حدود مزارع شبعا وترسيمها وإنهاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، كان في الوقت نفسه "يراهن" على أن يأتي الاعتراض من دمشق بما لا يحمّله المسؤولية. لكنه ـ أي التحالف ـ في البنود التي تعنيه مباشرة، مثل رئاسة الجمهورية وسلاح "حزب الله" كان يمارس الفيتو، لينتهي من ذلك إلى مطالبة الفريق الآخر بالالتزام بعدم متابعة معركة رئاسة الجمهورية مثلاً بما أن ليس ثمة اتفاق على التغيير الرئاسي. وأكثر من ذلك، لجأ التحالف المذكور، لا سيما عون، إلى حملة على الأكثرية والحكومة ناسباً السلبية السورية حيال مقرّرات الحوار إلى أداء الحكومة والأكثرية، محاولاً من خلال ذلك إظهار نفسه بصفته قادراً على إعادة تأسيس العلاقة اللبنانية ـ السورية، بما يعزّز حظوظه السلطوية.
يمكنُ الاسترسال طويلاً في الأمثلة. بيد ان ما تقدّم يشير إلى حقيقة ان تحالف "حزب الله" ـ عون و"عبره" حلفاء النظام السوري، تعاملوا مع مؤتمر الحوار بوصفه محطة في الصراع على السلطة، أي محطة للانقضاض على السلطة، الأمر الذي يعني ان ما كان غائباً عنهم جميعاً هو مسألة بناء الدولة، ذلك ان بين "السلطة" و"الدولة" فارقاً كبيراً. فإذا كانت "السلطة" تتعلق بموازين قوى، فإن بناء الدولة يجب أن يُعزل عن موازين القوى مبدئياً، لأن عملية البناء تستند إلى نصوص تسوية تتجسّد في اتفاق الطائف.
الحوار لا يمكن أن يكون "تأسيسياً":
الطائف هو المرجعية
وفي سياق الملاحظات على كيفية تعاطي هذه الأطراف مع طاولة الحوار "السابق"، وإذا كانت الملاحظة الرئيسية الأولى تتعلق بتعامل هذه الأطراف مع الحوار بوصفه محطة في الصراع على السلطة، فإن الملاحظة الرئيسية الثانية تتعلق بتغييب هذه الأطراف أي مرجعية للحوار.
من المعروف ان الرئيس نبيه بري جعل من بنود القرار الدولي رقم 1559 بنوداً تفصيلية لجدول أعمال مؤتمر الحوار، وأعلن بوضوح ان الحوار يلتزم سقف اتفاق الطائف. ومن غير تحميل موقف بري ما لا يقوله هو بنفسه، فمن الواضح ان الغاية من المؤتمر كانت البحث في تنفيذ القرار 1559 من ضمن الطائف، ولم تكن الغاية إعادة البحث في الطائف.
لقد أوحى الطرفان، كل على طريقته، بأن الحوار "السابق" يمكن أن يكون حواراً "تأسيسياً" جديداً، طالما انهما لا يعترفان باتفاق الطائف في العمق، وعبّرا في مناسبات عدة عن "ملاحظات" عليه، وطالما ان "ورقة التفاهم" بينهما تطمس هذه المرجعية الميثاقية التي يؤكد سائر اللبنانيين التفافهم حولها.
14 آذار: خطأ "تعليق" الحكم في موازاة الحوار
في المقابل، وإذا كان لا يمكن توجيه اللوم إلى فريق 14 آذار على تجاوبه مع دعوة بري إلى الحوار، بالرغم من معرفة معظم أركان هذا الفريق آنذاك ان ثمة نوايا تطويقية من جانب الفريق الآخر لـ "الاندفاعة" التي تمثّلت في التظاهرة المليونية في الذكرى السنوية الأولى لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإن اللوم يتركّز على نقطة أساسية هي أن الأكثرية قامت في موازاة مشاركتها في الحوار، بنوع من "تعليق" الحكم، لا بل بدا في أحيان كثيرة ان خطوط الحكم معلّقة على ما يسفر عنه مؤتمر الحوار.
صحيح ان فريق 14 آذار دافع عن أدائه، أي عن "منطق" الحوار، إذ لا يعقل أن يأتي اقتراح بالحوار ويتم رفضه. وصحيح أيضاً ان أداء فريق 14 آذار داخل المؤتمر كان أداء حوارياً بامتياز، ومحدّدة مرجعياته بوثيقة الطائف من ناحية وبـ"المصالحة" بين الوثيقة والقرارات الدولية من ناحية اخرى. بيد ان "تعليق" ممارسة الحكم بشكل ما لا يمكن الدفاع عنه لانه خسارة للوقت ومادة للحملة المضادة.
عدم التمييز بين الأكثرية كفريق سياسي وبين الحكومة
وبمعنى من المعاني، لم تنجح الأكثرية في الفصل بين كونها فريقاً سياسياً من جهة وبين كونها الحكومة أو أكثرية الحكومة من جهة ثانية. فالمؤتمر كان يجب التعاطي معه بوصفه مؤتمراً لقوى سياسية وليس مؤسسة موازية للحكم، فيدخل فريق 14 آذار الى الحوار فيما تواصل الحكومة الحكم.
والحال هنا ان الحكومة عندما حكمت بالفعل، انتجت أهم إنجاز لبناني هو النقاط السبع خلال حرب تموز. والنقاط السبع لا تكتسب أهميتها فقط من كونها المبادرة التي تأسس عليها القرار الدولي رقم 1701 الذي أوقف الحرب، بل من كونها حصيلة دينامية لبنانية استحضرت مرجعية اتفاق الطائف وقامت بـ"لبننة" بنود القرارات الدولية، وأسست لتجديد حضور الدولة في المعادلة اللبنانية كما في المعادلات الخارجية.
لا بديل من أن تمارس الحكومة الحكم
إذاً، في الجواب عن سؤال، ماذا لو قرّر الرئيس بري ان استئناف الحوار ممكن؟، يتضح ان الأخذ بالملاحظات حول تجربة الحوار "السابق"، أمر ضروري. قوى سياسية تتحاور ثنائياً أو ثلاثياً أو رباعياً.. وحكومة تحكم. قوى سياسية تتحاور مثلاً حول ما يرتّبه التزام لبنان بتطبيق القرار 1701,. والقرار 1559 و"تقترح" على الحكومة. قوى سياسية إذا اختلفت، لا يكون من حقّ فريق لوحده ممارسة الصراع السياسي بل يكون ذلك من حقّ فريقي الصراع، ومثلما يخوض فريق 8 آذار صراعاً لتغيير السلطة بما يعطّل اتفاق الطائف عملياً، على فريق 14 آذار أن يتمسّك بنتائج العملية السياسية التي تلت الانسحاب السوري، وهي عملية سلمية ديموقراطية، وذلك من أجل استكمال بناء دولة الاستقلال، أي دولة الطائف. قوى سياسية تتحاور على موضوع فعلي أو موضوعات فعلية، ومنها رئاسة الجمهورية التي يطالب "أصحابها" بإعادة النظر فيها، وتبقى الحكومة تحكم ولديها التزامات معلنة تجاه المجتمع الدولي لا سيما على صعيد القرار 1701. والأهم، ان المجلس النيابي يجب أن يكون مكاناً أساسياً للحوار، ومن ضمن الحوار المسائل التي تعود إلى المجلس صلاحية إقرارها. وإذا كان من ملاحظة إضافية حول الحوار "السابق" فهي ان تشكيل الطاولة بـ"عزلها" عن التوازنات السياسية في مجلسي النواب والوزراء شجّع الفريق "المناهض" لـ14 آذار على محاولة تغيير هذه التوازنات.
حرب تموز.. وتقدّم "الدولة" وحاضنة "التدويل"
كذلك، ثمة نقطة بالغة الأهمية يجدر أخذها في الاعتبار.
فما قاله الرئيس فؤاد السنيورة في مقابلته مع قناة "العربية" أول من أمس، لجهة ان نتائج الحرب "قرّبتنا أكثر من مشروع الدولة"، صحيح.
لا مبالغة في القول ان المنتصر الوحيد في الحرب هو الدولة اللبنانية أو فكرتها. وإذ لا داعي إلى الإطالة كثيراً في تحديد العوامل التي تفسّر هذا "الحكم"، كما لا داعي إلى تجديد القول ان انتصاراً يصنعه طرف معيّن في ظروف معينة "قد" لا يستطيع هو نفسه استثماره، فإن من الضروري التذكير في هذا المجال بأن الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية أسقطها التدويل، أو بالأحرى أسقطتها موجات من التدويل والتعريب أو التدويل المعرّب أو التعريب المدوّل، وفي لحظات نقص حاد في المناعة اللبنانية.. وان الدولة "تعود" اليوم بواسطة "جرعة" عالية من التدويل أو التدويل المعرب أو التعريب المدول، وفي لحظة التفاف لبناني استثنائية حول مشروع الدولة. ولذلك، فان ملاحظة الطور الراهن من التدويل الذي دخله لبنان، تقود الى عكس ما يذهب اليه البعض تبريراً لسياساته الخاطئة. فليس في التدويل الراهن أي ملمح من ملامح "استعمار" لبنان. ذلك أن تصعيد الدعم الدولي للبنان وإخضاعه دولياً، وأوروبياً بشكل خاص، لرعاية استثنائية، في مقابل ترك لبنان لـ "رعاية" سورية مدولة خلال عقود، لا يعمي ـ أي التصعيد ـ النظر عن حقيقة أن ثمة ولادة جديدة للدولة في لبنان، وذلك في إطار حاضنتين، لبنانية وأخرى دولية ـ عربية.
إنجازان خارج البحث: الدولة.. والطائف
إن هذا الإنجاز في حد ذاته ينبغي أن يكون خارج أي حوار، لأن تعريضه الى أي بحث يعني فتح باب "المبارزة" عليه، ويعني العودة الى الوراء. كذلك ينبغي أن يكون اتفاق الطائف خارج أي إعادة نظر، وحق الحكومة في الحكم أيضاً تماماً لأن ممارسة الحكومة للحكم يوازي اليوم فعلاً استقلالياً و"دولتياً" وديموقراطياً، وذلك في إطار نظام ديموقراطي يتيح في مواقيت دستورية معروفة لعبة تداول السلطة. ويجب أن تبنى الدولة أولاً، كي يحصل الصراع على السلطة بشكل سلمي وديموقراطي تحت سقفها.
لا اعتقاد أن للرئيس بري قناعات مغايرة. بيد أنه وفيما يحث لبنان الخطى باتجاه أن تصبح له دولة "طبيعية" لا بد من تأكيد أن للحوار "ضوابط" و"سقوفاً". صحيح أنه يجب الاتفاق عليها، لكن الصحيح أيضاً أنه بدونها يصبح الحوار مضيعة للوقت، أو كسباً للوقت من جانب البعض.. والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، فكيف إذا كان قد لدغ عشرات المرات.. واليوم لناظره قريب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.