8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مسائل الدولة والاستقلال بين صمود "حزب الله" عسكرياً وخسارته لاستراتيجيته

من نتائج حرب تموز على لبنان وفيه، والتي ربما لا ينتبه الكثير من اللبنانيين اليها، ما يحصل في فلسطين.
فبحسب أوساط فلسطينية مطّلعة، إنّ مبادرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) ومعه حركة "فتح" الى طرح تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية انما تستند الى عدد من المعطيات الرئيسية أهمّها إثنان. أوّل هذه المعطيات ان اسرائيل فشلت في عدوانها على لبنان، وهو فشلٌ نوعيّ يثبت في جملة ما يثبته ان سياسة القوة لا تحقّق لإسرائيل مكسباً، وانّ بديلها هو العودة الى العملية السلمية الاقليمية.
وثاني المعطيات انّ إحدى أبرز نتائج الحرب لبنانياً، وإذا أخذ القرار 1701 في الحساب الدقيق، تتمثل في فكّ المسار اللبناني عن المسار السوري، واخراج لبنان سياسياً مما يسمّى المحور السوريّ ـ الايرانيّ. وبهذا المعنى، ومن وجهة نظر قيادة السلطة الفلسطينية وحركة "فتح"، فإذا كانت اسرائيل حصدت فشلاً في لبنان بالمعنيين السياسي والعسكري، فإن الطرفين الاقليميين الآخرين اللذين لم يربحا في الحرب الأخيرة هما سوريا وايران، اذا أخذ في الاعتبار ان مصلحتهما كانت تقتضي باحكام ربط المسارات جميعها.
مبادرة أبو مازن تأسيساً
على انفكاك المسارات الثلاثة
انطلقت مبادرة أبو مازن ـ وقيادة "فتح" ـ اذاً من ظرف "موضوعيّ" يفيد انّ المسارات الثلاثة اللبناني والسوريّ والفلسطيني باتت مسارات منفصلة عملياً بصرف النظر عن التنسيق الممكن في ما بينها. وعلى هذه القراءة، بنى أبو مازن ـ على ما يبدو ـ نظرية تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تجسّد الاستعداد الفلسطيني لمرحلة جديدة من النضال الوطني "السياسي".. أي ان في الذهن القيادي الفلسطيني نوعاً من "التخطيط" لكيفية الانتقال الى "تحرير" المسار الفلسطيني من الضغوط السورية والايرانية عليه ليتمكن من التعبير عن نفسه على نحو مستقل.
ولمزيد من الايضاح، يمكن القول انه فيما يؤدي قيام ما يسمى حكومة وحدة وطنية في لبنان الى تجديد ربط لبنان بسوريا إعاقةً لحركة الاستقلال اللبناني، يؤدي قيام حكومة من هذا النوع في فلسطين الى تأكيد الاستقلالية الفلسطينية.
منصّتا اعتراض سوريّة وأميركية
وبعدَ أيام من طرح هذه المبادرة، تبيّن انها تتعرّض لاطلاق النار من منصّتَين: الأولى سورية والثانية أميركية. فالنظام في سوريا اذ يعتبر قيام حكومة وحدة فلسطينية معاكساً لـ"مصلحته" في أن يكون له "مسمار جحا" في الساحة الفلسطينية، يمارس ضغوطاً تتركّز على حركة "حماس" بشكل خاص أي على قيادييها في دمشق في محاولة منه للتأثير على الداخل الفلسطيني. أما الولايات المتحدة، فإنها تستبق تشكيل هكذا حكومة فلسطينية برفض شديد، وبموقف تصعيدي ضد "حماس" بدعوى "الارهاب". ولذلك، يبدو حتى الآن ان تشكيل حكومة الوحدة في فلسطين يتعثّر.
على انّ المبادرة، وبالرغم من إخفاقها حتى الآن في التوصل الى هدفها المعلن، أي تشكيل حكومة وحدة وطنية، تبقى قائمة.
فالبرنامج المطروح للحكومة، معروف، وهو ما كانت الفصائل توصلت اليه في وقت سابق على قاعدة "وثيقة الأسرى" المتضمنة الثوابت الوطنية الفلسطينية، أي ان هذا البرنامج لا يتضمن تنازلات ويسمح في الوقت نفسه للفلسطينيين باطلاق العملية السياسية المفضية الى دولة فلسطينية مستقلة.
"تكيّف" حماس وخسارتها لاستراتجيتها
وإذا كان من الضروري ملاحظة انّ البحث الفلسطيني في قيام حكومة وحدة وطنية يتزامن مع نوع من "التكيّف" تقوم به حركة "حماس" في سياستها وأدائها، واذا كان من الضروري أيضاً الذهاب الى نقاش معمّق لموقع "حماس" ودورها منذ أن تسلّمت زمام الحكم أو المشاركة في الحكم، لمعرفة ما اذا كان هذا المنعطف التاريخي بالنسبة اليها قد أدّى الى خسارتها "استراتيجيتها" بعد نتائج الانتخابات.. فإنّ من الضروري في المقابل لفت النظر الى "حقيقتين" متّصلتين.
الأولى، هي انّ ضعف اسرائيل كما تجلّى في حرب تموز وتراجع التأثير السوري ـ الايراني موضوعياً بحكم "انفصال المسارات" عملياً، انما يشكّلان ـ الضعف والتراجع ـ أساساً لـ"فرصة" مؤاتية أمام القضية الفلسطينية.
التقدّم الأوروبي
أما الثانية فهي ان ثمّة تحولاً أولياً ونسبياً على مستوى الموازين الدولية، يتمثّل في التقدم الأولي والنسبي هو أيضاً على صعيد الدور الأوروبي في المنطقة. وهذه مناسبة للقول ان القرار الدولي رقم 1701 المتعلّق بلبنان يعكس هذا التوازن الجديد الأولي والنسبي لصالح أوروبا، في نصوصه كما في آلياته، الأمر الذي يعني ان ثمّة امكانية لدور أوروبي ضاغط على الولايات المتحدة التي تواجه مشكلات كثيرة وكبيرة في المنطقة. وكذلك فإن القرار 1701 مثالاً يفيد نصاً وآليات ان المنتصر فيه هو الدولة اللبنانية، اذ لا يمكن الحديث عن مكاسب اسرائيلية في هذا القرار عندما يتم تطبيقه كاملاً، ولا عن مكاسب لفريق لبناني خارج الدولة. وبهذا المعنى فإن التدويل الحاصل في لبنان، هو تدويل أوروبي في وجه أوّل، وهو "تعريب دولي" في وجه آخر اذا أخذ في الاعتبار واقع ان القرار 1701 هو محصّلة عربية ـ دولية بالدرجة الأولى.
بكلام آخر، وتأسيساً على الانفصال الموضوعي للمسار الفلسطيني ـ كما المسار اللبناني ـ عن بعضهما وعن المسار السوري، فإنّ ثمة امكانية لـ "الرهان" لدى أصحاب القضية الفلسطينية على دينامية وحدة وطنية فلسطينية تفرضها الظروف في فلسطين حيث كلّ الفلسطينيين في الداخل يواجهون معاً مأزقاً سياسياً وانسانياً وحياتياً، وعلى دور أوروبي "متقدم" قياساً الى الفترات السابقة، وعلى موقف عربي رسمي لا بديل أمامه من السعي الى معالجة القضية الأساس في الصراع العربي ـ الاسرائيلي.
انتصار "عسكري" وخسارة "سياسية"
والآن، ماذا عن لبنان؟.
قد يفسّر البعض القراءة السابقة في مرآة الوضع الفلسطيني على انها مناقضة لقراءة نتائج الحرب لبنانياً، اذ فيما تنطلق القراءة فلسطينياً من الاعتراف بـ"الفشل" الاسرائيلي، ترفض لبنانياً الاعتراف لـ"حزب الله" بالانتصار.
فإذا كانت النفوس قد هدأت بالفعل، يمكن القول ان الفشل الاسرائيلي ـ بفعل الحرب على لبنان وفيه ـ يساوي نصراً لحزب الله في وجه أوّل، لكنه لا يعني انتصاراً في وجه ثان.
لا حاجة هنا الى استعادة مادة السجال الذي كان قائماً قبل حرب تموز والذي اندلع بعد هذه الحرب، سواء ما يتعلق باستراتيجية "الردع" أو بكلفة المواجهة والصمود. فالمسألة الرئيسية التي ينبغي تسليط الضوء عليها بعيداً عن أي مزايدات أو مناقصات، هي ان الانتصار العسكري ـ القتالي الحقيقي والفعلي، تزامن مع خسارة "حزب الله" لاستراتيجيته. ماذا يعني ذلك؟
موافقة "حزب الله"
على النقاط السبع موافقة على استراتيجية أخرى
قبل القرار 1701 الذي وافق "حزب الله" على وضعه موضع التطبيق بالرغم من تحفظات قال انها لديه، كان الحزب وافق في الأيام الأولى من الحرب على خطة النقاط السبع التي أقرتها الحكومة بناء على اقتراح الرئيس فؤاد السنيورة منسِّقاً مع الرئيس نبيه برّي. النقاط السبع هي في الحقيقة برنامج استراتجية دولة، وفيها تمارس الدولة كل السلطات وتضطلع بالمسؤوليات باسم لبنان كله. وتطبيقاً لهذه النقاط السبع، وافق الحزب على انتشار الجيش حتى الحدود الدولية، وذلك قبل صدور القرار الدولي. والمعنى هنا، هو أن "حزب الله" وفي اطار لبناني بحت سابق للتدويل، وافق على السير خلف الدولة وليس الى جانبها وليس في أي ثنائية معها. ثم كان الـ1701 الذي فيه آليات ومقتضيات.
لذلك فإن الحديث من جانب "حزب الله" عن انتصار "تاريخي واستراتيجي" بصرف النظر عن رأي فريق 14 آذار فيه، هو حديثٌ "حمّال أوجه". فإذا كان المقصود به هو الصمود والكلفة التي دفعها العدو وإدخال اسرائيل في "أزمة"، فهو صحيح. واذا كان المقصود به انه يمكن أن تكون لأزمة اسرائيل تداعيات ايجابية فهو صحيح أيضاً. أما اذا كان المقصود ان الحرب أسفرت عن تأكيد صحة استراتيجية "حزب الله" قبل الحرب، فإن الحديث عن انتصار استراتيجي يجانب الدقة والحقيقة. ذلك ان هذا الحديث لا تناقضه الوقائع السياسية والميدانية فقط، بل تناقضه موافقة "حزب الله" على النقاط السبع ثمّ الـ1701 أساساً.
النقاش في العمق ليس حول السلاح
بل حول الاستراتيجية
من هنا، وبعيداً من أي ضجيج، ومع الحرص على عدم "استفزاز المعنويات"، فإن النقاش الذي دار بعد الحرب، أو في أيامها الأخيرة بالتزامن مع المعركةالديبلوماسية في مجلس الأمن، حول "سلاح حزب الله"، انما هو في العمق نقاش حول المعطى الجديد "الاستراتيجي" أي خسارة "حزب الله" لاستراتيجيته وليس خسارة "حزب الله" بالمطلق، وهذا ما يجب ان يكون واضحاً، علماً ان "حزب الله" قد يرى في هذا "التوضيح" لأبعاد النقاش أمراً أشدّ "ايلاماً".
وكذلك، بعيداً من كل المضامين التي صاغها فريق 14 آذار تحت عنوان الدولة، ليس لأن هذه المضامين غير صحيحة، بل لأن ثمة حاجة الى عزل الفكرة التالية عن مجمل الصورة، يُطرح سؤالٌ مهم: في ضوء معطيات ما بعد الحرب، ومنها خسارة "حزب الله" لاستراتيجيته، هل يمكن وبالتأسيس على فشل اسرائيل وتقدّم الموقع الأوروبي نسبياً في المعادلة الدولية، أن يتم الاتفاق بين الجميع ومعهم "حزب الله" على توطيد استقلال المسار اللبناني تحقيقاً لاستكمال استقلال لبنان وسيادته؟.
ومن أجل تقريب الفكرة الكامنة في السؤال، يمكن قول الآتي: اذا كان ثمة داخل فلسطين بحثٌ ينطلق من نتائج حرب تموز ليؤسس على الوقائع الموضوعية سياسةً فلسطينية مستقلة يقوم النضال الوطني على أساسها باتجاه دولة فلسطينية مستقلة، واذا كان في فلسطين ثمّة خسارة لاستراتيجية "حماس" في ظروف بالغة التعقيد، هل يمكن لحزب الله أن يقرّ ولو بعدَ حين بأنّ استراتيجيته فقدت أرضيتها الموضوعية في مقابل مطالبته الآخرين بالإقرار بنتائج الحرب في ما يتجاوز الدمار والكلفة، من أجل انتزاع دولة لبنانية مستقلة، بالاستفادة من فشل اسرائيل اي ضعفها ومن التقدم الأوروبي؟.
النظام السوريّ
هذا سؤال أساسي ينقل البحث الى مكان آخر. بيدَ انّ المسألة المباشرة التي يطرحها هذا السؤال تتصل بالنظام السوريّ. فإذا كانت نتائج حرب تموز مقروءة من الزوايا السالفة، أو مقروءة من وجهة نظر 14 آذار القائمة على اعتبار ان هذه الحرب كانت حرباً استباقية ايرانية عبر "حزب الله"، تفيد ـ أي النتائج ـ ان الحدود الايرانية ـ الاسرائيلية قد انتهت، فهل يمكن إنهاء الحدود السورية ـ الاسرائيلية داخل لبنان وانهاء تلاعب النظام السوري بالوضع اللبناني ليسلك هذا الوضع طريق العودة الى سياقات طبيعية؟.
أجوبة النظام السوري معروفة، خاصة في ظرف عزلة عربية ودولية خانقة. والجواب الايراني "الأولي" ما بعد حرب تموز معروف وهو العودة الى محاولة العلاقة بالمجتمع الدولي. يبقى جواب "حزب الله" الفعليّ، أي الجواب البعيد عن الانفعال والتوتر والتخوين.. والتفتيش عن تحالفات خارج الدائرة الفعلية، الجواب الذي يسمح بالانتقال الجماعي الى بناء دولة الاستقلال، دولة الطائف. ولعلّ في الجمع في تحليل واحد بين فلسطين ولبنان تأكيداً ليس فقط لعلاقة لبنان بالقضية الفلسطينية، بل لـ"حقيقة" ان دولتَي الاستقلال اللبناني والفلسطيني تشكل إحداهما ضمانة للأخرى، تماماً كما ولدت "الوطنية اللبنانية" ولادتها الحديثة بالتزامن مع "الوطنية الفلسطينية".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00