ما هو الدور "الجديد" الذي يتهيأ الجنرال ميشال عون للعبه في المرحلة المباشرة المقبلة، والذي تأتي زيارته "الجيمس بوندية" الخاطفة إلى بلجيكا في سياقه؟
تفيد معلومات، بعض مصادرها "أجواء" غير بعيدة عن "التيار الوطني الحر" ان الجنرال ومنذ أيام، في صدد إعادة تقويم الموقف لتحديد موقعه بعد التطورات التي شهدها لبنان خلال الحرب الأخيرة وفي أعقابها، وان إعادة التقويم استندت إلى عدد من المعطيات الرئيسية.
"اكتشافات" الجنرال
فبحسب هذه المعلومات، "اكتشف" عون ان إطاحة الحكومة الحالية لاستبدالها بأخرى يشارك فيها، مشروع سياسي آيل إلى الفشل في وقت من الواضح انه لا يملك قدرةَ إحداث هذا التغيير الذي لا وظيفة له سوى "تعويمه" بعد سلسلة النكسات السياسية التي مُني بها. ذلك ان "حزب الله" الذي سانده في مطلب تشكيل ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" لا بل تقدّم عليه في هذه المطالبة في أحيان كثيرة، اكتشف هو الآخر أنه يضع نفسه في مواجهة كل الآخرين فيما هو بحاجة إلى التقاط أنفاسه. وفي الوقت نفسه بدا واضحاً أن "حزب الله" ليس الآن على الأقل، في وارد الاستقالة من الحكومة كأحد "الأسلحة" لإسقاطها، مفضلاً في الظرف الراهن الاحتفاظ بهذا الموقع الدستوري ضمن الدولة. كذلك، تأكد عون من ان لجوءه إلى الشارع تحقيقاً لهذا الهدف، أي وضع نفسه وتياره في "المقدّمة"، ليس أمراً متيسّراً ولا في متناوله في ظل الانهيارات الكبرى التي تواجهها "شعبيته" في البيئة المسيحية، والتي من شأن هدف إسقاط الحكومة أن يفاقمها، لما لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة من احترام في البيئة المسيحية تحديداً.
محاولة "حزب الله" تعويمه: النتيجة العكسيّة
وفي جانب آخر من المعلومات، أن إحاطة "حزب الله" بعون وإغراقه بالمدائح السياسية، قد أديّا ـ الإحاطة والإغراق ـ إلى نتيجة معاكسة للتعويم الذي أراده الحزب للجنرال وتياره. فإذا كان صحيحاً ان "حزب الله" وضع بتصرّف عون إمكانات كبيرة آخرها الإمكانات المادية كما تجلّى ذلك في توزيع التعويضات في مراكز "التيار"، فإن الصحيح في المقابل، هو أن التصعيد الذي مارسه "حزب الله" في الأيام الأخيرة حيال فريق 14 آذار، شكّل مصدر تخوّف في كل البيئات لا سيما في البيئة المسيحية. ذلك ان الحزب لم ينجح، ولم يكن ممكناً أن ينجح ـ في خطاب واحد ـ في الجمع بين رغبته في مساندة حليفه المسيحي وتعويمه وبين هجومه على الآخرين، لأنه كانت للهجوم على الآخرين ارتدادات سلبية في "الشارع المسيحي" بالدرجة الأولى.
العزلة الدولية
وفي مجال آخر، ودائماً بحسب المعلومات، فإن الجنرال "انتبه" متأخراً إلى ان لبنان دخل بعد الحرب الأخيرة وبموجب القرار 1701 طوراً متقدماً من التدويل، وذلك في مرحلة من العزلة الدولية الخانقة التي يعاني منها. وبالنسبة إلى عون، فإن هذه "العزلة" انعكست مباشرة عليه وعلى تياره، حيث تشير المعلومات إلى استقالة الهيئة القيادية لـ"التيار" في الولايات المتحدة وإلى تأزم علاقات الهيئات القيادية في دول أخرى به.
وطأة أدوات النظام السوري
وأخيراً، ومن ضمن المعلومات نفسها، فإن عون بات "يشعر" اليوم أكثر من أي يوم مضى بـ"وطأة" الحلفاء المباشرين للنظام السوري عليه، لا سيما مع اقتراب تشكيل المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فبالتزامن مع اقتراب تشكيل المحكمة الدولية، حيث يزداد هجوم النظام السوري وأدواته في لبنان عليها، "يشعر" الجنرال بأن اتهامات "ربّما" توجّه إلى النظام السوري وأتباعه، وبأن سياسته التي قامت ومنذ عودته إلى لبنان في أيار 2005 على احتضان هؤلاء والتحالف معهم، قد كلّفته الكثير وأنها ستكلّفه أكثر في المرحلة المقبلة.
الدور "الجديد": وساطة لترميم الموقع
بناء على ما تقدّم وتأسيساً عليه، "تروي" المعلومات المتوافرة أن الجنرال في صدد البحث اليوم في "ترميم" موقعه و"إعادة إعمار" دوره.
وعليه، فإن السياسة "الجديدة" التي "يفكّر" عون في اعتمادها، تقوم على شقّين متلازمين متزامنين. الشقّ الأول يقضي بـ"الاستفادة" مما توفّره له علاقته بـ"حزب الله" من امكانات، لا سيما ما يمكن للحزب أن يضعه بين يديه من "ملفات"، مع مراعاة من جانبه لعدم "الاندماج" كلياً في سياسة الحزب بالاتفاق معه. أما الشق الثاني فيقضي بأخذ "مسافة" معينة، مرحلياً على الأقل، من أتباع النظام السوري وأدواته الذين "يمكن" أن "تحرقهم" التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
واذا كان "الشق الثاني" مفهوماً بمعنى أن القصد منه واضح، فإن "الشقّ الأول" يعني محاولة الجنرال تقديم نفسه بوصفه "وسيطاً" بين "حزب الله" والعالم. وفي هذا المجال، تتحدث المعلومات نفسها عن "وساطة" يمكن أن يقوم عون بها بينَ الحزب ودول نافذة في المجتمع الدولي. وتُدرج المعلومات "الوساطة" هذه ليس فقط في خانة تقريب وجهات النظر بين الحزب والمجتمع الدوليّ، بل في خانة تمكين عون نفسه من استعادة العلاقة المفقودة بينه وبين مراكز القرار الدولي، من هذا المدخل.
ماذا في بلجيكا؟
في هذا الإطار، يمكن فهم المهمة التي قام بها الجنرال عون في بلجيكا، بما هي وساطة في ملف الأسرى بين "حزب الله" واسرائيل، خاصة ان الجنرال كان أبدى وخلال الحرب رغبته في الدخول على خطّ هذا الملف، كما كان "حزب الله" أبدى استعداده لوضع المسألة بين يديه.
بيد أنّ الغموض الذي أحاط عون به تحركّه البلجيكي، فسّره عديدون يملكون معلومات ومعطيات بالقول إن لمهمة الجنرال في بلجيكا جوانب وأبعاداً أخرى، فأشاروا الى أنّ ثمّة جانباً رئيسياً منها يتّصل بموضوع القوات الدولية التي سيكتمل انتشارها في لبنان في وقت لاحق من ناحية وبعلاقة "حزب الله" بهذه القوات من ناحية ثانية وبمجمل دورها انطلاقاً من وجودها في لبنان من ناحية ثالثة.
وفي انتظار أن يمتلك الجنرال جرأة توضيح ما يقوم به خارجياً، بما في ذلك "سر" الصداقة التي تربطه برجل الدين الذي أقام في اسرائيل بضع سنوات في السبعينات من القرن الماضي، يتوقف المراقبون امام مشروع "الدور الجديد" الذي يتصدّى عون له والذي يتطلع ـ بطبيعة الحال ـ الى استثماره داخلياً.
خطوط ثلاثة في الدور "الجديد"
يعربُ العديد من المراقبين عن اعتقادهم أن هذا الدور "الجديد" لا يمثل في أي حال من الأحوال محطة انتقالية بين مرحلة ومرحلة، بين دور ودور، أي أنه ليس مشروعاً انتقالياً نحو تصحيح المسار السياسي العوني خلال العامين الماضيين وبالتدريج. إن مشروع الدور "الجديد" هنا ينتمي الى السياسة نفسها في خطوطها العريضة، لا سيما لجهة تعويق معركة استكمال الاستقلال.
والملاحظ في هذا المجال ان الدور العوني الجديد يقوم على ثلاثة خطوط رئيسية. الخط الأول يتمثل في محاولة القيام بديبلوماسية موازية لديبلوماسية الدولة وخارجَ الدولة وبدون تنسيق معها، لا بل بدبلوماسية حزبية. وبصرف النظر عن حقيقة أنه ليس متوقعاً لهذه الديبلوماسية ان تسفر عن شيء ملموس في ظل انعدام صدقية عون أمام المجتمع الدولي، فإن هذه الممارسة تعبر عن نهج رافض لفكرة الدولة ومشروعها.
والخط الثاني يتمثل في مواصلة سياسة "الثنائية الطائفية" بديلاً من سياسة الأفق الوطني الأرحب، وفي اعتبار "الثنائية" بديلاً من الحوار الوطنيّ، في وقت يؤكد عون أنه لن يعود الى الطاولة التي سماها أحد معاونية "طاولة التكاذب".
أما الخط الثالث الذي يشكّل امتداداً لسياسة "الثنائية"، فيتمثل في الهجوم الذي يستمر الجنرال فيه ضدّ التمثيل السني، وهذا ما عبّر عنه في مقابلته التلفزيونية الأخيرة في مقولة ان المشكلة الحالية سببها السنّي الذي يريد الاستئثار بالسلطة، وبكلام آخر، تتزامن سياسة "الثنائية" مع تحريض طائفي ومذهبي لا يخدم الا مصلحة من يناصبون لبنان العداء.
ضد الطائف
والحال إن ما ينتظم الخطوط الثلاثة الآنفة، هو موقف رفض الاعتراف من جانب عون بمرجعية اتفاق الطائف. ففي المقابلة التلفزيونية نفسها أول من أمس، رفض عون بإصرار الجواب عن سؤال يتعلّق بنظرته الى الطائف ومدى صلاحيته في المرحلة الراهنة ـ المقبلة، مكتفياً باتهام فريق 14 آذار بعدم تطبيق الاتفاق، زارعاً الشكوك حول دور الأكثرية في تدويل البلد. ويحصل هذا في وقت ينبري أكثر من عضو في كتلته النيابية للدعوة الى إعادة النظر في الطائف. فأحد أعضاء الكتلة النيابية العونية أكد قبل مدة أن الطائف أقرّ في مرحلة معينة من ضمن معادلات لبنانية وإقليمية ودولية مختلفة، وأن تغيّر المعادلات يؤدي إلى هزّ أركان الطائف، في إشارة لا تُخفى إلى أن هذا النائب العوني يعتبر أن الطائف يجب ان يذهب بعدَ الانسحاب السوريّ، أي أنه يعتبر اتفاق الطائف مرتبطاً بالنظام السوري من جهة ويعتبره اتفاقاً لترجيح المسلمين في الصيغة اللبنانية من جهة أخرى، من دون أن يوجّه أي انتقاد لـ"التطبيق السوري" لهذا الاتفاق. وفي الوقت نفسه، كان نائب آخر يذهب إلى مكان أبعد في قوله إن المشكلة ليست في الرئيس (!) انما هي في صلاحيات الرئاسة، في تحريض لا يُخفى على الطائف وفي تحوير مقصود لمضمون الطائف.
الكنيسة المارونية : السدّ
وإذا كان التحريض على الطائف هو الخط الناظم للخطوط الثلاثة في السياسة العونية المواكبة للبحث عن دور "جديد"، واذا كانت "المسافة" التي يُحكى أنّ الجنرال ينوي أخذها حيال أتباع النظام السوري وأدواته لا ترقى الى مستوى الاستقلال عن سياسة هذا النظام، فإنّ سياسة "الثنائية الطائفية" والمقترنة بالتحريض على السنّة في محاولة لاستعادة بعض الجمهور مواجهةٌ بموقف مسيحي عام عبّرت عنه الكنيسة المارونية في مقررات المجمع البطريركي كما في النداء السابع لمجلس المطارنة، وعبّرت عنه التيارات والشخصيات المسيحية التي تضع نفسها تحت سقف الكنيسة، في التأكيد على الشراكة الوطنية ضد الثنائيات والثلاثيات، وعلى قيام الدولة المدنية، ومرجعية الشراكة والدولة المدنية مجسّدة في الطائف.
لا يزال الجنرال يتخبّط في الأزمة. ومشروع الدور "الجديد" ليس سوى محطة ضمن هذه الأزمة. ولن تجدي محاولة "تجميل" سياسة "بشعة" نفعاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.