8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

موسمٌ جديد من "جنون" النظام السوري.. في لبنان

مرّتين خلال شهرين، "ظهر" الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري متّخذاً مواقف من قضايا تعني لبنان واللبنانيين. المرة الأولى أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان حيث أعلن "التضامن" مع المقاومة في لبنان وتوعّد بعمليات تساهم في تغيير مجرى الحرب لصالح إنهاك إسرائيل والولايات المتحدة. والثانية أول من أمس حين دعا اللبنانيين الى رفض القرار 1701 "المذلّ" والمانع لـ"الجهاد" ضد إسرائيل، واصفاً القوات الدولية بأنها عدوّة للإسلام، مطلاً على الوضع في فلسطين محذراً من الانزلاق نحو ما يؤدي الى وقف "الجهاد"، مهدداً بعمليات في دول الخليج.
تحليل أول: "القاعدة" تنتقل
الى ساحة الصراع الرئيسي
ثمة تحليل لـ"ظهور" الظواهري متحدثاً في المسألتين اللبنانية والفلسطينية، يعتقد أصحابه أن "القاعدة" التي لم يعُد لها حضور ودور فعلياً في أفغانستان، والتي لم تستطع استيعاب الخسارة الكبيرة التي مُنيت بها في العراق بمقتل أبو مصعب الزرقاوي، تحاول الآن "الانتقال" الى "ساحة" جديدة في لبنان وفلسطين لأنها من جهة تجدّد دورها ومن جهة أخرى "تصحّح" صورتها بالنسبة الى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، حيث كانت "متهمة" باستمرار بأنها تتعمّد الابتعاد عن الصراع الرئيسي.
تحليل ثان: "القاعدة" في سياق سوري
يمكن بكل تأكيد أخذ هذا التحليل في الاعتبار. بيدَ أن تحليلاً آخر إذ يلاحظ أصحابه هذه "اللفتة" الجديدة من جانب "القاعدة" والظواهري نحو لبنان وفلسطين، يقوم على معطيات إضافية أساسية.
إن من شأن التطبيق الدقيق والكامل للقرار 1701 المتعلق بلبنان والمتضمن تحريكاً سياسياً جدياً لمسألة مزارع شبعا، أن يفكّ المسار اللبناني عن المسار السوري، عبر تحكيم اتفاقية الهدنة للعام 1949 في انتظار إحدى نهايتَين: إما تسوية إقليمية تدخلها سوريا وينضم إليها لبنان، وإما مواجهة في إطار مشروع عربي متجدّد.
1701 يفصل المسارَين ويوتّر الأسد
لقد تعامل لبنان الدولة ومعظم الاجتماع السياسي اللبناني مع القرار 1701 على نحو إيجابي مِن منظار أن هذا القرار الدولي يوفّر قدراً من الضمانات لسلطة "الدولة" من ناحية ولأمن البلد واستقراره من ناحية ثانية. كذلك بذلت الحركة الديبلوماسية اللبنانية النشطة التي قادها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ولعب رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري دوراً بارزاً فيها، جهوداً كبيرة بالتعاون والتنسيق مع الرئيس نبيه بري، من أجل "تحسين" القرار الدولي، ومن أجل عدم إدراج القوات الدولية الآتية الى لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومن أجل أن تتشكّل الطوارئ الجديدة المعزّزة من دول صديقة للبنان.
وحده النظام السوري أبدى انزعاجه من القرار 1701 علناً. فبعدَ أن ظلّ رئيس هذا النظام ومعاونوه يعلنون أنهم يؤيّدون ما يوافق عليه اللبنانيون، وبعد أن تمّت الموافقة بالإجماع في الحكومة على هذا القرار، أي بمشاركة "حزب الله"، أعلن الرئيس السوري بشار الأسد في "خطاب النصر"(!) في 15 آب الماضي أن هذا القرار يؤسّس لـ17 أيار جديد، بالضبط لأن من شأن تطبيقه فصل المسارَين اللبناني والسوري اللذين لا يرتبطان إلاّ في موضوع واحد هو التسوية الإقليمية إذا حصلت.
حكومة الوحدة الفلسطينية
والمسار الفلسطيني "المستقل"
في البداية إذاً، إن القرار 1701 يمثّل معطى أساسياً في مجرى الأحداث الإقليمية. فما هو المعطى الأساسي الثاني؟
لا شك أن ثمة تطوّراً أولياً يدور في فلسطين يتمثّل أساساً في اتفاق الجناحَين الرئيسيين للحركة الفلسطينية "فتح" و"حماس" على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تستعيد زمام الأمور. وكانت الحركتان ومعهما الفصائل الأخرى، قد اتفقت جميعاً في وقت سابق قبل نحو ثلاثة أشهر على ما يعرف بـ"وثيقة الأسرى" المتضمّنة الموقف الوطني الفلسطيني الموحّد، الذي يشكّل عماد برنامج حكومة الوحدة، والأساس في أي مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية لاحقة. هذا في وقت، تشير المعطيات والتقارير الديبلوماسية الى "إمكان" إحياء العملية السلمية مجدداً انطلاقاً من المسألة الفلسطينية.
والتفاوض الإيراني ـ الدولي
أما المعطى الثالث فهو مستجدّ وهشّ وغير ثابت، يتعلّق بإعلان إيران بعدَ اللقاء الذي جمع علي لاريجاني وخافيير سولانا أن ثمّة أفقاً لمفاوضات ايجابية بين طهران والمجتمع الدولي بشأن الملف النووي الايراني.
في ظل هذه المعطيات كافة، من الواضح انّ النظام في سوريا في مأزق كبير، وهو في لحظة عزل دوليّ ورفع غطاء عربيّ.
وعلى هذا الأساس، يركّب النظام السوري "ملفّه": الـ1701 مشروع 17 أيار جديد، انفصال المسارَين اللبناني والفلسطيني كلّ على حدة عنه، وعلاقته بإيران التي تفتح مساراً خاصاً هي أيضاً، مرحلياً على الأقل. وفي هذه "الصورة" يبدو ان أمامه "مسرباً" وحيداً هو التهديد بالفوضى في لبنان والسعي الى اسقاط نظامه السياسي، والتهديد بـ"تعميم" الفوضى بما في ذلك التخريب على المسار الفلسطيني. ولا يخفى أن النظام السوري يحاول "الدفاع" عن نفسه، في وقت يواجه تحدي التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمحكمة الدولية في هذه الجريمة الارهابية.
خطاب الظواهري:
عناوين خطاب الأسد بمفردات "قاعدية"
اذاً، انّ التحليل الأشمل الذي لا يستبعد "الظروف الذاتية" لتنظيم "القاعدة" يُدرج اطلالَتي الظواهري، لا سيما الأخيرة منهما، ضمن أجندة النظام السوري. فالأسد اعتبر القرار 1701 أميركياً ـ اسرائيلياً والظواهري كرّر الأمر نفسه بمفردات خاصة. والأسد اتّخذ موقفاً من القوات الدولية والظواهري أيضاً. والأسد هاجم الدول العربية وأنظمتها.. والظواهري هدّد بنقل ميدان العمليات الارهابية اليها. واذا سأل سائل عن العلاقة بين نظام دمشق و"القاعدة"، فإن الجواب موجود في خُطب الأسد ومقابلاته الاعلامية، حيث هدّد لبنان بـ"القاعدة" مراراً. واذا كانَ هذا الجواب لا يكفي، فإن التذكير برعاية المخابرات السورية في الفترة السابقة لمجموعات "قاعدية" تحت مسمّيات مختلفة في لبنان، ضروري، لا سيما على صعيد "الأواني المستطرقة" بين "عصبة الأنصار" وأبو محجن وبين الزرقاوي أثناء وجوده في لبنان في فترة الوصاية السورية.
الأفق: اغتيالات وعمليات لإطاحة المحكمة الدولية
يبدو الظواهري اذاً على صلة بدمشق، وهناك من يقول انّ ثمّة قنوات اتصال يؤمنها أشخاص معيّنون بين الجانبين. ويستطيع الظواهري أن يخدم النظام السوري بالتخريب على تنفيذ الـ1701، لكنه يستطيع أن يخدم بجرائم الاغتيالات. ومَن ينسى في هذا المجال محاولة النظام السوري إلصاق جريمة اغتيال الرئيس الحريري بأحد فروع "القاعدة" وقد تجلّى ذلك في "فيلم" أحمد أبو عدس؟. بمعنى آخر، فإن لم يكن في وسع "القاعدة" تنفيذ عمليات أمنية تخريبية في لبنان، فإن في وسعها تغطية ذلك اي تمكين النظام السوري من إلصاق جرائمه بها. لذلك، فإن الظهور الأخير لأيمن الظواهري أوّل من أمس يجب أن يؤخذ على محمل الجدّ من كلّ الجوانب لا سيما الجانب الأمني، وهو برسم لجنة التحقيق الدولية. ولا يغيّر من الاستنتاج القائل انّ الظواهري داخلٌ في الأجندة السورية، ما حصل من محاولة تفجير السفارة الأميركية في دمشق أمس على أيدي "تكفيريين". فهؤلاء "التكفيريون" المفترضون إما انهم ساروا في مناخ الخطاب السياسي السوري، وإما انهم "رُتّبوا" بطريقة مخابراتية أو بأخرى.. او انهم نتاج لعب النظام بالنار.
ماذا وراء "هِياج" حزب الله: الأمثلة
في هذا "الخضمّ"، أي في موسم "الجنون السوري" الموصوف، ثمّة أسئلة كثيرة عن أسباب "هياج" حزب الله المتزامن خلال الأيام الماضية.
اذا كان من الواجب الاعتراف لحزب الله بحقه "الديموقراطي" في الرد على مواقف قوى 14 آذار، لا سيما بيانها الأخير بعد "لقاء البريستول"، فإن ما صدر عنه من ردود ومواقف يدلّ على هياج كبير وخطير.
فقد استمع اللبنانيون خلال الأيام الأخيرة الى لغة تخوينية تهديدية. مسؤول العلاقات الدولية في الحزب افتتح "الردة" أثناء مقابلة تلفزيونية بتحديد من يحق له الكلام ومن لا يحق له، ثم خاطب قوى 14 آذار بالقول لها "أسيادكم الأميركيون وحلفاؤكم الاسرائيليون"، الى غير ذلك. تلاه النائب حسين الحاج حسن قائلاً إن ثمة جهداً استثنائياً يبذله الحزب للحؤول دون تعبير الشيعة عن عواطفهم ولولا هذا الجهد لكان الوضع تغيّر كثيراً. لكن أين تهديد الحاج حسن من تهديدات النائب علي عمار أول من أمس؟
قال عمار ما معناه أن "حزب الله ينتهي عندما ينتهي الإنجيل والقرآن". استغفر الله. ثم قال ـ استغفر الله أيضاً ـ ان "حزب الله هو كذلك بالغطاء أي أنه حزب الله على الأرض.. أي بما أن الله سبحانه وتعالى لا يخطئ فإن "حزبه" لا يخطئ، وهو الحقيقة المطلقة.. وتحدث عن "النعال" وغيرها. وأمس، في مقابلته مع قناة "الجزيرة"، قال الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله كلاماً تهديدياً وتخوينياً أيضاً وتحدث عن "إعلامهم" الذي قال خلال الحرب ما لم يقله الإسرائيلي. وتناول "هيدا رئيس الحكومة اللي عنّا"..
أين الحرص على منع الفتنة؟
الى أين بعد هذا كله؟. إذا كان هذا هو الجهد المبذول لمنع الفتنة فكيف يكون اللا جهد إذاً؟ أين الحرص على منع الفتنة المذهبية، الشيعية ـ السنية عندما يكون كل هذا التجييش ضد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في المباشر وضد الحريري ضمناً؟
وإذا كان هذا "الهياج" لا يقصد منه الذهاب الى ما هو "أبعد" منه، فهل يكفي أن يكون الآخرون عقلاء في بيئاتهم؟ أليس في التخوين تحليل لدم الآخرين في لحظة جنون سوري وفي لحظة إدخال "القاعدة" على الخط؟
"انتحارية" حيال الداخل؟
من المؤسف حقاً أن يبدو "حزب الله" في خطابه "إنتحارياً" حيال الداخل. وواقع الأمر ان أحداً لا يمكن أن يقتنع بأن هذا "الانفعال" مرده المواقف السياسية لـ14 آذار. صحيح أن في البلد مشروعين وصحيح انهما يتعارضان الى حد التناقض في الخيارات. لكن ليس صحيحاً أبداً أن يركّب "حزب الله" للآخرين ما يشاء من أبعاد. هو يبدو "انتحارياً" لأن لا مصلحة له في استعداء فرقاء لبنانيين. حتى حليفه المسيحي يحترق إذ يواصل هذا "الخطاب". ويبدو "انتحارياً" لأنه لا يكسب بل يخسر. ولا تفسير تالياً سوى واحد من أمرين: إما أن لحزب الله مشكلة مع نفسه يحاول "تبليع" الناس قصّة "الانتصار الاستراتيجي" بنوع من "التعبئة"، وإما أنه محشور حيال الجنون السوري. والحال انه يجب أن يُبقي لـ"الصلح" مطرحاً.
طبعاً لا مصلحة لأي فريق في لبنان بأن يلاقي "حزب الله" في "موجته" الراهنة، لأن لا مصلحة لأي فريق في أن تقاد البلاد الى "صدامات". غير أن على "حزب الله" الا يرفع نفسه الى مرتبة "الهية" والعياذ بالله. فمعظم من يخاطبهم بمواقفه التهديدية الأخيرة لهم أياد بيضاء على البلد، كاليد البيضاء التي كانت له في إنجاز التحرير عام 2000 مثلاً. صحيح أن في وسع الحزب أن يخيف قسماً من اللبنانيين منه، بيد أن الأصح هو أن لا يخيف الناس على مصير البلد منه، وهو أيضاً ألا يضع نفسه في موقع توزيع "الشهادات" في الوطنية على الآخرين.
"الانفعال" لا يلغي الحقائق
إن "الانفعال" لا يلغي الحقائق. وفي هذه الحقائق أن قوى 14 آذار تحدثت علناً وعلى طاولة الحوار عن جدوى سلاح "حزب الله" ومصيره ولم تدوّر الزوايا الا قليلاً. لكنها وقد سعت منذ سنوات بما في ذلك بعد 14 شباط 2005 الى تشكيل شبكة أمان حول الحزب، ليست في وارد "اغتياله" حتى لو قال السيد نصرالله او الحاج علي عمار ان هذه القوى "شريكة للعدوان الاسرائيلي في دماء قانا وتهجير الناس" في محاولة لدفع هذه القوى الى موقع دفاعيّ أو لـ "التخفيف" من الوطأة الثقيلة لارتباطاته السوريّة والايرانيّة. ذلك ان هذه القوى تنطلق من احترام التاريخ إذ قالت 14 آذار ان الاستقلال اللبناني قام على إنجازَي التحرير من اسرائيل عام 2000 والتحرر من الوصاية السورية عام 2005، ومن منطلق احترام وحدة النسيج اللبناني المعبّر عنها في ميثاق العيش المشترك.
وبعد، هل يهدأ "حزب الله" ويعقلن مفرداته وسياساته... فيما الظواهري على الأبواب؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00