غني عن القول ان حركة 14 آذار، الحركة الاستقلالية اللبنانية، حظيت على امتداد العامين الماضيين 2005 و2006 بدعم استثنائي من المجتمع الدولي تجلى في سلسلة القرارات الدولية المشدّدة على سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحر. ولا شك في الوقت نفسه ان تعاطفاً عربياً حصل مع الحركة الاستقلالية اللبنانية تجلى في مواقف الاحتضان الصادرة عن غير عاصمة عربية رئيسية خلال الفترة نفسها.
2005 ـ 2006: بطء الموقف العربي
بيد أن متابعة دقيقة للموقفين الدولي والعربي خلال العامين المنصرمين تظهر أن ايقاع الموقف العربي التضامني مع لبنان الجديد المستقل من الوصاية السورية، كان "متخلّفاً" عن الموقف الدولي، وبطيئاً الى حد كبير. وبدا واضحاً أن للوضع العربي بعواصمه الرئيسية حساباته. وفي طليعة هذه الحسابات، ان الوضع العربي بعواصمه الرئيسية، كان يخشى تحول مواجهة المجتمع الدولي للنظام في سوريا حول العناوين في لبنان وفلسطين والعراق الى مشروع لإسقاط النظام السوري يقود الى فراغ وفوضى اقليميين. وعلى هذه الخلفية سعى النظام العربي الى انقاذ النظام السوري، عبر محاولة مصالحته مع الشرعية الدولية وقراراتها، وعبر محاولة ضمّه الى المصالح العربية المشتركة.. الى أن اتضح أن النظام في دمشق ماض في خيار الالتحاق بالنظام الايراني وفي الابتعاد عن النظام العربي.
عند هذا الحد بدأ الفراق العربي ـ السوري يتسارع. دخل النظام الايراني بقوة على خط القضية الفلسطينية محدثاً اختراقاً هو الأول من نوعه للوضع الفلسطيني. ودخل بقوة على الوضع اللبناني عبر "حزب الله" وعبر النظام السوري... وعبر الدعم المادي لحركات شتى. وحصل ذلك في موازاة فتحه على نطاق واسع للملف النووي، وفي موازاة "الحركة" في غير مكان من المنطقة بهدف استتباع عدد من الدول، وفي حد أدنى امتلاك التأثير داخلها.
العامل الايراني
شكل "التقدم" الايراني باتجاه المنطقة العربية عبر محاولة الاستيلاء على العنوان الفلسطيني، عاملاً رئيسياً في دفع عواصم القرار العربي الى الابتعاد تدريجياً عن النظام السوري الملتحق بـ"المشروع الايراني".. حتى كان خطاب الرئيس السوري بشار الأسد في 15 آب الماضي، الذي هاجم فيه الدول العربية والنظام العربي، وأعلن انفكاكه عن المنظومة العربية.. ما دعا هذه الدول وأنظمتها الى رفع الغطاء عن نظام دمشق.
الموقف العربي من الحرب الأخيرة
محطة رئيسية برزت في سياق الانتقال العربي الى "القطع" مع النظام السوري، تمثلت في الحرب الأخيرة على لبنان.
لا يزال الجميع يذكر أن الموقف الصادر من الرياض والقاهرة وعمان مع الساعات الأولى للحرب، تحدثت عن مغامرات غير محسوبة تستدرج الحرب وتضع الشرعيات الوطنية في عدد من الأقطار العربية أمام تحديات عالية. وأرفق الحديث عن مغامرات غير محسوبة في إشارة لا تخفى الى أسر "حزب الله" جنديين اسرائيليين خلف الخط الأزرق، بحديث عن خطف جندي اسرائيلي في قطاع غزة كانت المحاولات العربية ـ المصرية بشكل خاص ـ لتنجح في حلحلة الأزمة الناجمة عنه لولا الموقف المتخذ من جانب نظام الأسد في دمشق.
أسبابه: رفض تسليم الراية الى ايران
ثمة أسباب كثيرة لهذا الموقف العربي
السبب الأول، هو اعتبار الدول العربية صاحبة هذا الموقف أن لا علاقة للحرب بـ"المشروع العربي"، وأن لا علاقة له بالصراع العربي مع اسرائيل.
والسبب الثاني، هو رفض الدول العربية صاحبة هذا الموقف، تسليم راية الصراع العربي ـ الاسرائيلي وراية فلسطين الى عنوان اقليمي غير عربي هو ايران.
والسبب الثالث، هو رفضها وضع المسألة الفلسطينية ومجمل موضوع الصراع العربي ـ الاسرائيلي تحت يافطة مذهبية شيعية.
هذه الأسباب وغيرها، دفعت الدول العربية المعنية باتجاه النظر الى الحرب على لبنان وفي لبنان على انها "نموذج" للتدخل الايراني في المنطقة ونتائجه، وعلى انها الصيغة الايرانية لاستدراج حرب اقليمية "تحمي" المشروع الايراني لتحويل الجمهورية الاسلامية قوة اقليمية "كبرى" بامكانات نووية.
تحوّلان عربي ودولي:
14 آذار في المدارين العربي والأوروبي
في ضوء ما تقدم وعلى خلفيته، يمكن القول أن تطوراً كبيراً في الموقف العربي حصل، وبات يعتبر أن حركة 14 آذار اللبنانية تصارع ضد محور سوري ـ إيراني ذي حسابات منفصلة عن الوضع العربي، وان حركة 14 آذار اللبنانية تعبر الى حد كبير عن "المشروع العربي" وانها جزء لا يتجزأ منه.
إذاً، حملت الحرب الأخيرة مقدماتٍ ونتائج تطوراً مهماً بالنسبة الى الحركة الاستقلالية اللبنانية، هو تطور الموقف العربي منها من ناحية واكتسابها ابعاداً عربية من ناحية ثانية. وبكلام آخر، صارت حركة 14 آذار تحظى بدعم دولي في وقت هي جزء من حركة ومشروع عربيين.
غير أن اكتساب حركة 14 آذار أبعاداً عربية، ليس الجديد الوحيد في سياق الحرب الأخيرة. فالجديد الآخر الموازي يتمثل في التحوّل لصالح أوروبا على صعيد توازن الدعم الدولي للبنان.
لقد أدى الوقوف الأميركي "الحازم" بجانب اسرائيل خلال الحرب الأخيرة الى تعزيز الحضور الأوروبي في لبنان والى جانبه. بطبيعة الحال، لم يكن الوقوف الأميركي بجانب اسرائيل مفاجئاً، وإن كان ما بدا انه تخلّ أميركي عن لبنان المستقل ومشروع الدولة فيه، مثّل "صدمة" بالنسبة الى كثير من اللبنانيين. وبكلام آخر، أن وقوف الولايات المتحدة بجانب اسرائيل، إضافة الى كونها القطب الآخر في المواجهة مع ايران، مع واقع ان واشنطن لم تقدم شيئاً على مستوى القضية الفلسطينية.. ان ذلك كله أدى الى ترجيح الموقف والدور الأوروبيين ضمن المجتمع الدولي الداعم لاستقلال لبنان.
الدور المنتظر عربياً لحركة 14 آذار
ثمة تطوران جديدان بالغا الأهمية إذاً: اكتسبت حركة 14 آذار ابعاداً عربية واضحة تجعل منها رافداً من روافد المشروع العربي، وأتى رجحان الكفّة الأوروبية على الكفّة الأميركية لمصلحتها بالنتيجة. وهكذا صارت حركة الاستقلال اللبناني مظللة عربياً ودولياً. وبلا تردد، يمكن القول أن التعاطي العربي والدولي مع ما يحصل في لبنان، يقوم على اعتبار أن إحباط "التمدد" الايراني ومحاولة تحويل مسار القضايا العربية، يتم في لبنان أولاً. ولذلك، لا مبالغة في القول أن لبنان يمر حالياً بلحظة اهتمام عربي ودولي استثنائية، وبحضور عربي ودولي مؤازر له لم يكن له مثيل في أي فترة من الفترات.
من هنا، وعطفاً على الاجتماع الذي عقدته حركة 14 آذار في "البريستول" الخميس الماضي، لا مفر من لفت الحركة الى أن في مقدم المهام التي تقع على عاتقها في الفترة المقبلة تحصيناً لموقعها، مهمةً أساسية هي تأكيد انتمائها العربي، أي الانتماء الى مشروع عربي له وزنه في المنطقة متحالف مع أوروبا، ويمكنه أن يفعل الكثير للقضية الفلسطينية، بدءاً من استعادة هذه القضية الى سياقها العربي الطبيعي، تماماً لأن البديل يدخل الفلسطينيين في متاهات صراعات على السلطة هي صراعات أهلية بالتعريف.وعلى حركة 14 آذار أن تمارس دوراً عربياً من أجل القضية الفلسطينية، على قاعدة أن الاستقلالَين اللبناني والفلسطيني عنوانان عربيان بامتياز.
فضح لا عروبة فريق محور دمشق ـ طهران
لا غبار على "لبنانية" حركة 14 آذار. بيد أن التشديد على البعد العربي بالغ الأهمية. لماذا؟
صحيح أن الحركة الاستقلالية كانت دائمة التأكيد على لبنانيتها وهي كذلك فعلاً. بيد أن تصعيد الوضوح العربي للحركة هو الذي "يفضح" لا عروبة الفرقاء الذين يواجهون حركة الاستقلال اللبناني، بين النظام السوري المنسحب من النظام العربي والنظام الايراني الساعي الى الاستيلاء على القضايا العربية، وبينهما قوى محلية مستتبعة. وبهذا المعنى، ليس الصراع قائماً بين "عربَين" كما كانت الحال في مراحل سابقة، بل هناك عرب وغير عرب.
كذلك، وإذا كان صحيحاً أن الاتهامات الموجهة من فرقاء المحور السوري ـ الايراني وآخرها من "حزب الله" أول من أمس، بان حركة 14 آذار "تابعة للسفراء الأجانب"، هي اتهامات باطلة، فان الصحيح في الوقت نفسه هو أن على حركة 14 آذار أن تكون مبادرة باستمرار في مجال تأكيد الانتساب الى العروبة وقضيتها المركزية فلسطين في مقابل "الأيرنة" و"السورنة".
مصالح الموارنة مع المسألة العربية
ومن نافل القول أن تأكيد حركة 14 آذار على عروبتها، انما يأتي هذه المرة على قاعدة "تصالح" كل مكونات الحركة مع العروبة. فموقف الكنيسة المارونية كما جسّده النداء السابع لمجلس المطارنة الموارنة الأربعاء الماضي، أعاد الاعتبار الى الانتماء العربي للموارنة، ليس فقط من باب تجديد الالتزام باتفاق الطائف الذي يؤكد على عروبة لبنان، بل أيضاً من باب "النقد الذاتي" لتعاطي الموارنة مع الوضع العربي، وتحديداً في العام 1958. وأهمية موقف الكنيسة انه "يعيد" الموارنة الى عروبتهم في وقت يحاول الجنرال ميشال عون أن "يأخذهم" رغماً عنهم الى دمشق وطهران.
في عجالة إذاً، يمكن القول ان ثمة ما هو ثمين جداً بين أيدي حركة 14 آذار هو الانتماء العربي المعزز بالمعطيات السياسية والعملية ولا بد من التشديد على أهمية تطوير هذا البعد وتحصينه، من أجل أن يكون هذا المعطى في قلب معركة استكمال الاستقلال، ومن أجل تأكيد البعد العربي للاستقلال، وأن لبنان بلد مستقل وعربي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.