8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" يخرج من الوضع المسيحي والإغلاق الشيعي "ينكسر"

طائفتان شهدتا تحوّلات أساسية على صعيد تمثيلهما السياسي، قياساً الى مرحلة ما قبل 12 تموز الماضي: الطائفة المارونية والطائفة الشيعية.
انهيار الاستقطاب العوني
لا تردّد في القول ان الاستقطاب العونيّ لمعظم التمثيل المسيحي الماروني في الانتخابات الأخيرة، كان بدأ قبل حرب تمّوز يشهد انحساراً بفعل الانكشاف المتدرّج للجنرال أمام قواعده وجمهوره، غير انّ هذا الاستقطاب شهد خلال الحرب وبعدَها انهياراً كبيراً. فقد "اكتشفت" البيئة المسيحية المارونية تدريجاً انّها كانت عرضة لاختراق كبير من جانب النظام السوريّ و"حزب الله" من خلال العلاقة السياسية بين الجنرال ودمشق ـ أي مشروعها لإعادة الهيمنة على لبنان ـ ومن خلال التحالف بين الجنرال و"حزب الله" الذي شكّل ـ أي التحالف ـ غطاءً لحرب تمّوز من ضفّتها اللبنانية. واكتشفت البيئة المسيحية المارونية انها والحالةُ هذه كانت عرضةً لما هو أكبر من الاختراق، حيث كانت الكلمة "العليا" داخل الوضع المسيحي سياسياً لحزب الله وسوريا من خلال عون الذي رهن موقع رئاسة الجمهورية مستبقياً إميل لحود لصالح تحالفاته، معطّلاً الموقع الماروني ضمن الشراكة الوطنية.
النداء السابع "يفكّك" سياسة الجنرال وتحالفاته
لا داعي للحديث عن "الهجرة" السياسية لقسم مهمّ من جمهور عون باتجاه التشكيلات المسيحية الأخرى، كما قالَ رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع في مقابلته مع "المستقبل" أول من أمس. ذلك انّ "المفصل" الأساس الذي له ما بعدَه يتمثّل في "النداء السابع" لمجلس المطارنة الموارنة أوّل من أمس، الموصول بما انتهى اليه المجمع الماروني من خلاصات حول دور المسيحيين الموارنة في اطار العيش المشترك والطائف والدولة.
فـ"النداء السابع" في مضمونه "العميق" يفكّك الأسس التي نهضت عليها سياسة الجنرال وخطّة عمله منذ أيّار 2005. يؤكّد أولوية استكمال معركة التحرّر من الوصاية السورية في إشارته الواضحة الى نيّة النظام السوري العودة الى الهيمنة وبسط النفوذ والى وجود جهات في لبنان "تحنّ" الى الوصاية السورية. ويشدّد "النداء" على "الخلل" في الشراكة الوطنية والى الاعتلال في موقع السلطة الرئيسية أي الرئاسة الأولى. ويلفت الى حقيقة أن تعطّل موقع الرئاسة الأولى أدّى الى تعطيل الشراكة المسيحية في قرار البلد. ويدعو الى "معالجة" هذا الوضع مدخلاً الى تصحيح الشراكة الوطنية، ويدعو أيضاً الى تحرير موقع الرئاسة مستقبلاً من أي ارتهان لجهات أو بلدان أو مصالح لا تمتّ بصلة الى المصلحة اللبنانية. ويحدّد مواصفات الرئيس المقبل بعيداً عن الأنانية الفردية والأنانية الفئوية. واستكمالاً لمعركة التحرّر من الوصاية السورية، يؤكّد "النداء" على مشروع الدولة بمرجعية اتفاق الطائف.
وفي جانب آخر مهم منه، يعلنُ "النداء" موقفاً حاسماً من "سلاح حزب الله" اذ ينتقد بشدّة استمرار حمل الحزب لسلاحه بعد العام 2000 واعتبر ان هذه الحالة ساهمت في "انتاج" حرب تموز. لكنه دعا "الشريك الشيعي" الى اعتماد خيار الدولة "لا الدويلات".
عملياً اذاً، فكّك "النداء" سياسة عون وتحالفاته: الموقف من الرئاسة الحالية للجمهورية، والموقف من "سلاح حزب الله"، والموقف من مشروع تجديد الهيمنة السورية. وذلك كلّه بإعادة الاعتبار لمعركتَي استكمال السيادة والاستقلال، وبناء الدولة.
.. ويخرج العامل السوري و"حزب الله"
من الوضع الماروني
بكلام آخر، انّ القيمة السياسية لـ"النداء السابع"، هي انّه يعلنُ "اخراج" العامل السوري و"حزب الله" من الوضع السياسي المسيحي الماروني، مقدّمة لاستعادة الدور المسيحي في الشراكة الوطنية. يعلنُ "اخراج" الوضع السياسي المسيحي الماروني من دائرة الثنائية السياسية المارونية ـ الشيعية الى رحاب الشراكة المتكاملة ودولتها، دولة الطائف.
هذا على الصعيد المسيحي الماروني، حيثُ عون أمام حائط مسدود يدافعُ عن نفسه كما في خطابه أمام الكوادر أول من أمس بمزيد من الصراخ، وحيثُ يخسر "حزب الله" اختراقه للوضع المسيحيّ.
الإغلاق الشيعي قبل 12 تموز
ماذا عن الوضع السياسي الشيعي؟.
إذا كان صحيحاً القول ان الكلمة "العليا" في الوضع المسيحي قبل 12 تموز كانت لـ"حزب الله" من خلال عون من جهة ومن خلال استبقاء لحود في موقع الرئاسة تعطيلاً للشراكة من جهة ثانية، فالصحيحُ في الوقت نفسه ان الوضع السياسي الشيعي كان مغلقاً لحساب "حزب الله" بالمطلق.
ما يسمّى "الثنائية الشيعية" قبل 12 تموز، لم يكن كذلك بالفعل. صحيح ان تحالفاً "استراتيجياً" ربط بين "حزب الله" و"حركة أمل". وصحيح ان ثمة كيانين تنظيميين "تعاقدا" بينهما على مواقف سياسية. بيد ان الأصحّ هو ان "الثنائية" الظاهرة كانت تغطي في واقع الأمر "أحادية" من جانب "حزب الله" الذي سعى خلال السنوات الماضية إلى استتباع "أمل" وإلى "توظيفها" في دور يحدّده هو من خلال الاستفادة من موقع الرئيس نبيه بري في "النظام السياسي".
برّي و"التقليم السوري" لأظافره والزاوية الضيقة
بات معروفاً ان النظام السوري خلال السنوات الأخيرة من وصايته على لبنان عمد إلى محاولة "تقليم أظافر" الرئيس بري. تجلّى ذلك في رعاية الأمن السوري لعدد من حالات التمرّد على بري والانشقاق عنه. وتجلّى الأمر كذلك في الانتخابات البلدية ربيع العام 2004. وتجلّى ايضاً في الضغوط التي تعرّض لها. واستمر هذا الوضع بعد الانسحاب السوري "الرسمي" من لبنان. وُضع رئيس المجلس في زاوية ضيّقة جداً لصالح "حزب الله". حتى إيران ضيّقت عليه، قبل أن "يتوسّط" الحزب من أجل استئناف علاقة رئيس "أمل" بدمشق وطهران في ظلّ "الحاجة" إلى موقعه الرسمي.
استمر هذا الوضع حتى 12 تموز، ولم يكن خافياً على "اللبيب"ان بري المتضايق من المعادلة الصعبة، يسعى إلى قدرٍ من التمايز ولو في حدود الأداء العملي.
نهج برّي جديد: التميّز
بيد ان حرب تموز، أطلقت الرئيس بري من "عقاله" نسبياً. تمايز بدرجة أعلى عن "حزب الله". وهو بأسلوبه الخاص لم يلجأ إلى "انقلابات" لكنه اعتمد أسلوب "تصعيد" الوضوح في مواقفه. وصحيح ان بري ذكّر ـ كما في مهرجان صور الأخير ـ بدوره ودور الحركة في المقاومة، وذكّر بـ"أصلها" في تراث الإمام موسى الصدر حول لبنانية الشيعة وعروبتهم، وحول نهائية الكيان اللبناني من وجهة نظر مرجعياتهم. لكن الأهم من كل ذلك تجلّى في أمرين رئيسيين.
الأول، كان التعاطي الايجابي من جانبه مع المجتمع الدولي لا سيما ان المجتمع الدولي تعاطى معه بايجابية أيضاً. تصرّف بريّ كرجل دولة مسؤول عن بلد ومصيره. ونسّق مع الرئيس فؤاد السنيورة في "ثنائي" لا يزال يتلقى الإشادة. والتعاطي الايجابي من جانبه مع المجتمع الدولي لا بدّ انه يعكس تطوراً في استيعاب المعادلات الدولية حول لبنان.
أما الأمر الثاني، فكان موقفه الايجابي من حكومة الرئيس السنيورة. وهو موقف يعكس إلى حدّ كبير رفضاً من جانبه لأي انقلاب سياسي يعرف انّ من شأنه أن يقود البلد إلى "اضطرابات" يدفع ثمنها باهظاً. وهو بذلك "يحيّد" جزءاً مهماً من الشيعة عن التوترات الأهلية، ويفتح في المقابل على الآخرين تأكيداً لموقع الشيعة في الشراكة، وتأكيداً لانتمائهم إلى فكرة الدولة ومشروعها من منطلق انه يعرف تماماً ان "دولة الطائفة" ليس فقط هي نقيض "دولة الطائف" بل هي "دولة المشكلة ضمن الطائفة نفسها".
حراك سياسي شيعي
في موازاة هذا الجديد في مواقف برّي وأدائه مما يعيد إلى "الثنائية" بعضاً من "فعليّتها"، برز في الآونة الأخيرة، حراك سياسي ضمن الطائفة الشيعية تجلّى في الحالة الاعتراضية على المستوى "النخبوي" وفي تململات أولية على مستوى الناس.
وإذا كان لا بدّ من ملاحظة القدر من الجرأة في الحراك السياسي الشيعي، فإن ما تجدر ملاحظته أيضاً هو ان "دوائر" ذلك الحراك لا تزال أولية ولا ناظم عاماً بينها باستثناء "المبادئ العامة" في رؤية هذه "الدوائر" إلى موقع الشيعة من لبنان الكيان ولبنان الدولة، والاعتراض على أي تجاوز لهما.
العلاقة المأزومة بين "النخب" وبرّي
على ان الأمر الذي يتوجّب التوقّف عنده يتعلّق بجانبين مهمّين.
الجانب الأول، هو أن ثمّة علاقة "متأزمة" بين أعداد من "النخب الشيعية" والرئيس برّي.
ثمّة اجماعٌ في هذا المجال على الاعتراف بأن ليس ثمّة "تناقض رئيسي" بين نظرة الشيعة المستقلّين ـ بصرف النظر عن أعدادهم ـ وبين ولاء برّي للبنان الكيان ولبنان الدولة. وثمّة اجماع على الاعتراف بأنّ مواقف برّي في الآونة الأخيرة تشكّل تطوراً في مواقف "الشيعية السياسية"، وبأنها اذ تتمايز عن سياسة "حزب الله" تفتح هامشاً من الحرية والديموقراطية في الوضع الشيعيّ.
في المقابل ثمّة ما هو متراكم على صعيد نظرة بعض "النخب" الى تجربة برّي و"أمل" في النظام السياسي والدولة، كما انّ ابتعاد برّي عن النخب في فترات سابقة لاعتبارات يُنظر اليها على انّها "فئوية"، لا يزال حاضراً في الأذهان.
وهناك في هذه الأوساط النخبوية من لا يرى أفقاً لـ"انفراج" في الوضع الشيعي ما استمرت "الثنائية"، لا بل يحمّل مسؤولية ما آل إليه الوضع الشيعي الى طرفَي تلك "الثنائية" سواء بسواء، وهناك من يعتبر ان برّي "تراخى" أكثر مما يجب حيالَ قيادة "حزب الله" للوضع الشيعي على النحو الذي كان.
"إشكالية نخبوية".. ومبادرة مطلوبة من برّي
أما الجانب الثاني المهم، فهو ان عدداً من الأوساط النخبوية في البيئة الشيعية، ترفضُ التعرّف على نفسها ودورها في اطار شيعي، وذلك من زاويةٍ "علمانية" أو "مدنية"، وتعتبر ان التعاطي مع "صعيد شيعي" نوعٌ من "التلوّث". وثمّة آخرون يعتبرون في المقابل ان التعاطي شيعياً مع "المسألة الشيعية" ليس "غطساً" في مستنقع مذهبي انما هو مدخل الى "لبننة" الشراكة الطائفية.
الجانبان الآنفان يشيران الى اشكاليتين اذا جاز التعبير. غير ان مبادرة شيعية يطلقها الرئيس برّي سيكون لها صدى ايجابي. مبادرة الى حوار شيعي بأفق لبنانيّ وإلى تصويب موقع "المؤسّسة الشيعيّة" مجسّدة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يمكن معها التأسيس للمستقبل. وفي هذا المستقبل لا بدّ من تعدّد سياسي ديموقراطي.
اذاً، ان التحولات الأساسية الجارية مارونياً وشيعياً جديرة بالاهتمام، لكن الأساسي فيها انّ ما بعد 12 تموز غير ما قَبله، وان الأفق يتّسع أكثر وأكثر أمام مشروع الدولة، الدولة المدنية.. دولة الطائف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00