ليس مستغرباً انّ من يطرحون تشكيل ما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" تحت عنوان تطبيق اتفاق الطائف، هم أنفسهم من يجهلون الطائف ولم يعترفوا به بالعمق يوماً في حياتهم السياسية: "حزب الله" والجنرال ميشال عون.
ليس في اتفاق الطائف أيّ نص على "حكومة الوحدة الوطنية"، ولا يقول الاتفاق انّ الحكومات في لبنان يجب ان تكون "حكومات وحدة وطنية".
في اتفاق الطائف، يرِد في المقابل ذكر "حكومة الوفاق الوطني" نحو ثلاث مرات في النص، في معرض الاشارة إلى طبيعة الحكومة الأولى بعد الحرب التي أنهاها اتفاق الطائف، والتي تقع على عاتقها مهمّات إنهاء سلاح الميليشيات وبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وتنظيم العلاقات اللبنانية ـ السورية بعد أن تعيد القوات السورية انتشارها نحو البقاع. وعليه فإن حكومة الوفاق الوطني التي نصّ الطائف عليها، هي حكومة وضع الطائف موضع التنفيذ مباشرة بعد الحرب، ولا يشارُ إلى هذه الطبيعة للحكومة بعد ذلك. ولهذا السبب لا يأتي الدستور، المؤسَسّ على الطائف، على ذكر أي شرط من هذا النوع حول الحكومة.
النصّ في الطائف على "شرعية السلطة"
اما النصّ في اتفاق الطائف على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، فهو يعني مراعاة توازن التمثيل الطائفي في المؤسسات والسلطات على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ويعني ان أي قرار تتخذه "السلطة" في البلاد يجب أن يأخذ العيش المشترك في الاعتبار، أي "لا شرعية لأي قرار يناقض ميثاق العيش المشترك". أما قواعد تشكيل الحكومات فمحدّدة بوضوح في الطائف والدستور على حدّ سواء. وفي ما عدا ذلك فإن اتفاق الطائف ينطلق من ان النظام في لبنان جمهوري ديموقراطي برلماني، أي تحكمه قواعد اللعبة الديموقراطية السليمة والصحيحة.
هذا من جهة تنسيب المطالبة بما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" إلى اتفاق الطائف نصّاً وروحاً، ما يظهر معه ان هذه المطالبة لا تستند إلى أساس لا في "وثيقة الوفاق الوطني" ولا في الدستور.
"حكومة وحدة" تنفّذ ماذا؟
وبما انّ مطالبة "حزب الله" وعون بتغيير حكومي تحت مسمّى "حكومة وحدة وطنية" لا تستند إلى أساس ميثاقي أو دستوري، فلا شك انها مطالبة "سياسية". وإذا كانت المطالبة السياسية حقاً ديموقراطياً لمن يقوم بها، فمن واجب المطالبين أن يقترحوا الأسباب الموجبة لهذا الاقتراح "الاستثنائي"، أي أن يطرحوا البرنامج الذي لا بدّ أن تقوم "حكومة وحدة وطنية" لأجل تنفيذه. "حكومة وحدة وطنية" لأجل ماذا؟ ولما كان المطالبون بالتغيير الحكومي لا يطرحون الحيثيات التي على أساسها يدعون إلى تضامن وطني حولها مجسّداً في حكومة تحمل هذا الاسم، فغني عن القول ان ثمة شبهة سياسية حول هذا الطرح الذي يرمي إلى قطع المسار الديموقراطي استثنائياً.
لا اتفاق لبنانياً على الرئاسة والسلاح
لو انّ مؤتمر الحوار الوطني الذي قطعه قرار "حزب الله" بخوض حرب استباقية ضدّ إسرائيل، كان توصّل إلى تفاهم حول كل بنود جدول أعماله، وطرح المطالبون اليوم قيام "حكومة وحدة وطنية" هذا الأمر على أساس تنفيذ التفاهمات التي يتوصّل إليها مؤتمر الحوار، لكان بالإمكان النظر إلى هذا الطرح بدون ارتياب أو اشتباه. لكنّ مؤتمر الحوار لم يتوصّل إلى تفاهم حول كل البنود، لا سيما حول بندَي رئاسة الجمهورية وسلاح "حزب الله" أو ما سمّي "الاستراتيجية الدفاعية". أما البنود التي تم التفاهم بشأنها، فكانت عرضة لموقف سوري رافض، ولتراجع من جانب الفريقين المطالبين اليوم بالتغيير الحكومي.
إذاً، كان يمكن لاتفاق شامل على طاولة الحوار الوطني، لا سيما بشأن مسألتي الرئاسة والسلاح أن يبرّر قيام حكومة "وحدة وطنية" أو "وفاق وطني" كتلك التي نصّ عليها اتفاق الطائف للمرحلة المباشرة بعد الحرب اللبنانية، حكومة لتنفيذ ما اتفق عليه. لكن هذا لم يحصل. وأكثر من ذلك، وللتذكير فقط، فإن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وعندما لم يتوصّل المتحاورون إلى اتفاق بشأن التغيير الرئاسي، سارع آنذاك إلى اقتراح معادلة إبقاء الحال على ما هي عليه، أي يبقى الرئيس وتبقى الحكومة.
لذلك، ليس فقط لا تستند المطالبة بما يسمى "حكومة وحدة وطنية" الى أساس ميثاقي ودستوري، بل هي لا تستند أصلاً الى موجب وطني استثنائي كأن يكون ثمة اتفاق على عدد من المسائل يوجب تشكيل حكومة "استثنائية".
بالصلة مع خطاب الأسد
ماذا اذاً وراء مطالبة "حزب الله" وعون بالتغيير الحكومي؟
على قاعدة أن النتائج تقرأ من مقدماتها، يمكن تسجيل معطيين رئيسيين في هذا المجال. الأول هو الصلة الوثيقة بين خطاب رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي توعد فيه بتغيير وشيك في السلطة السياسية في لبنان وبين دعوة "حزب الله"... وعون الى تغيير الحكومة. والثاني هو مبادرة كلّ من السيد نصر الله وميشال عون، كلّ على طريقته الى نعي الحوار الوطني. فنصر الله كان واضحاً في مقابلته التلفزيونية الأخيرة في القول إنه لن يستطيع بعد الآن لدواعٍ أمنية و"حرصاً على سلامة المتحاورين" متابعة الحوار. أمّا عون فقال إنه لن يشارك بعد الآن في أي حوار... خارج مجلس الوزراء.
نية "حزب الله"
وعون تغيير مسرح الحوار وتوازناته
في "الشكل" إذاً، ثمة نية لدى "حزب الله" وعون لتغيير مسرح "الحوار"، ولتغيير توازن الحوار نفسه. وهذا ما يقتضي منهما الحديث عن "حكومة وحدة وطنية" في "الشكل"، يضمُر قيام حكومة تعطل فيها الأكثرية النيابية. وفي "المضمون"، فانّ هدف الحزب والجنرال، ربطاً بخطاب الأسد، هو السيطرة على قرار السلطة التنفيذية بتعطيل الأكثرية في حد أدنى بالتعاون مع إميل لحود في رئاسة الجمهورية، وهو إعادة النفوذ السوري الى داخل السلطة في لبنان، وهو مواصلة تعويق العملية الاستقلالية اللبنانية من جهة وعملية استكمال بناء دولة الطائف من جهة ثانية.
"حزب الله" و"الكمون" والرهان على متغيرات
ولا شك في أن أموراً أخرى تدخل أيضاً في حساب "حزب الله". فقد جهدت الحكومة خلال الحرب الأخيرة وبعدها، ليس فقط من أجل وقف العدوان الاسرائيلي ومنع اسرائيل من تحقيق مكاسب سياسية من عدوانها، لكنها جهدت ايضاً في سبيل استنقاذ لبنان الكيان ولبنان الدولة، ومن أجل انتزاع تأييد عربي ودولي متجدد للدولة اللبنانية، وذلك على أساس تحقيق نوع من التصالح مع الشرعية الدولية وقراراتها أولاً وعبر سحب لبنان من المواجهة المنفردة مع اسرائيل في ظل الوضع السوري المعروف وعلى أساس اتفاقية الهدنة ثانياً، وعبر أخذ الفرصة الازمة لبناء الدولة ومعالجة القضايا التي يشكو منها الشعب اللبناني ثالثاً. وغنيّ عن القول انّ التزام لبنان بتنفيذ القرار 1701 بإجماع الحكومة يشكل المدخل الى كل ما سبق ذكره.
غير أنه، يبدو من قراءة "الكلمات المتقاطعة" في خطاب "حزب الله"، ومن قراءة أدائه، ان سياسة الحزب تقوم على عدد من المعادلات. ثمة نوع من "الانحناء" أمام "العاصفة" يتجسد في قبوله التعاطي مع القرار 1701. وثمة شعور بعدم قدرة الناس على تحمل اعباء صراع مفتوح. وثمة حاجة لإعادة لملمة الصفوف مما يقتضي أخذ فرصة و"نفَس". لكن في المقابل ثمة "كمون" ـ باللغة "الثورية" ـ بمعنى ان "حزب الله" يأمل بتغيّر في ميزان القوى ويسعى اليه.. أي أنه "يراهن" على متغيرات "قد" تأتي في امتداد مصير العلاقة الايرانية ـ الأميركية ـ الدولية. وبمعنى آخر، يمكن القول انّ موقف "حزب الله" من القرار 1701 هو موقف "القبول الاضطراري" به مرحلياً بـ"أمل" متغيرات تجعل هذا القرار غير ذي معنى أو جدوى في مرحلة لاحقة. ولذلك، فان مطالبته بالتغيير الحكومي تندرج في إطار التمهيدات، بحيث يمكّنه نفوذه داخل السلطة السياسية المعزّز بحلفاء سوريا الآخرين من فرض أداء معين في اطار متابعة تنفيذ القرار الدولي وصولاً الى وضعه أمام إشكاليات أكبر فأكبر.
التغيير الحكومي:
مدخل الى إخضاع القرار السياسي اللبناني
اذاً، انّ طرح قيام ما يسمى "حكومة وحدة وطنية"، يمثل ارتداداً نحو الداخل بعد الحرب الأخيرة يهدف الى إخضاع الداخل للهيمنة على مجريات السياسة اللبنانية في مختلف أصعدتها. وما يسمى "حكومة وحدة وطنية" هو عنوان الانقلاب السوري على الوضع اللبناني، لكنه عنوان "حزب الله" لمزيد من إخضاع القرار السياسي اللبناني بغطاء من النظام السوري ولصالحه أيضاً.. وكل ذلك سعياً وراء ترتيبات لمرحلة ما بعد "الكمون" الراهن.
لا داعي لتكرار ما بات معروفاً: الحرب من ضفّتها اللبنانية كانت حرباً على توازن القوى اللبناني الداخلي. بيدَ أن التشديد على هذا الاستنتاج هو من مقتضيات ربط "البدايات" بـ"النهايات" والمقدّمات بالنتائج.
عندما يعلم المطالبون بالتغيير الحكومي
أنه لن يحصل.. يعدّون للقوة
على أن أخطر ما في الأمر يقع في مكان آخر.
يعلم "حزب الله" وعون.. وقبلهما وبعدهما النظام السوري أن الأكثرية النيابية من حركة 14 آذار لا يمكن أن توافق على المسمّاة "حكومة وحدة وطنية"، بالضبط لأنها تعني تسليم السلطة طوعاً، وخارجاً عن أي سياق طبيعي لتداول السلطة. فهل سيعتبر الحزب والجنرال ـ والنظام السوري ـ الأمر منتهياً عند هذا الحد؟
طبعاً لا بالنسبة لمن هدفه إلقاء القبض على السلطة. ومعنى ذلك أن هذه الأطراف ستلجأ الى اختبارات قوة شتّى تحت مسميات مختلفة. وإذ ذاك تكون هذه الأطراف قد خطّطت لإدخال البلد في أجواء "تصادمية".
سلاح "حزب الله" والداخل اللبناني
وهنا بالتحديد الخطر على الداخل اللبناني من سلاح "حزب الله". حتى الآن، كان الحزب يقول إن سلاحه ليس موجهاً نحو الداخل وإنه لا يمكن أن يوجّهه نحو الداخل. وكان "الآخرون" يقولون إنه لا يمكن لحزب الله أن يوجه السلاح نحو الداخل لأنه يُفقده مبرّر وجوده المعلن في مقاومة إسرائيل. هذا ما كان الحزب يقوله وما كان الآخرون يقولونه، على الرغم من "عدم دقّة" هذين القولين. فصحيح أن الحزب لم يستخدم سلاحه داخلياً في مراحل سابقة لكن الصحيح أنه لم يكن بحاجة الى استخدامه، لأن طرفاً مسلحاً ومعروفاً بأنه مسلّح لا يستخدم السلاح عادة لأن الناس "تهابه" ولا تضطرّه الى ذلك. ومما لا شك فيه أن هذا السلاح كان دائماً متنافياً مع العملية الديموقراطية، شيعياً وعلى الصعيد اللبناني العام.
لذلك، ثمة خشية لبنانية من مشروع الانقلاب السياسي على الداخل الذي يطرحه "حزب الله" بمسمّى "حكومة وحدة وطنية"، تماماً لأن الحزب مسلّح، ولأن تحقيق هذا الهدف غير الديموقراطي لا يمكن أن يتمّ ديموقراطياً، ولأنه يواجه فريقاً غير مستعدّ للقبول "الطوعي" بالانقلاب عليه. ثمة خشية من السلاح، المنكفئ حالياً واضطرارياً عن "ساحة المواجهة" مع إسرائيل، والذي كان من المفترض بعد الحرب الأخيرة وفي ضوء القرار 1701 أن يصار الى نقاش لبناني بشأن مصيره، لكن التغيير الحكومي المطروح هو لمنع هذا النقاش.. ثمّة خشية مِن أن يُهدّد به أو أن يتذكّره الناس حتى لو لم يستخدم، في عملية انقلابية موصوفة.
أي ديموقراطية بوجود السلاح؟
وبدلاً من أن ينسب "حزب الله" وعون مطالبتهما بما يسمى "حكومة وحدة وطنية" الى الطائف، ليتذكّرا أن الطائف يشدّد على أن لا سلاح خارج الدولة. فهل يستطيع أي منهما، أو أي أحد آخر أن ينفي حقيقة أن الصراع الديموقراطي شرطه أن يكون سلمياً أي أن لا يكون ثمّة سلاح في يد أي طرف من أطراف هذا الصراع؟ هل كان أي منهما ليستطيع وضع الاجتماع اللبناني أمام تحد انقلابي هو تحدي قوة بالتعريف لو لم يكن أحدهما يملك السلاح حتى بصيغة "معنوية"؟ أو كانا سيذهبان الى اللعبة الديموقراطية في المجلس النيابي؟ وماذا يبقى أصلاً من "معنى" مشاركة "حزب الله" في الحكومة إذا كان السلاح استخدم حتى في حدود "معنوية" أو "نفسية"؟ وماذا يعني السير في انقلاب في ظل تهديد نظام الأسد للبنانيين بتصفية القيادات؟ ويقول الطرفان في بعض خطبهما: إما "حكومة وحدة وطنية" أو انتخابات نيابية مبكرة. وهل يمكن لانتخابات بعد الآن أن تجري بوجود سلاح في يد أحد الأطراف بعد أن باتت "رهبة" هذا السلاح حتى من دون استخدامه مادياً، شديدة الوطأة على اللبنانيين جميعاً؟
لا سبيل الى تفاهم سياسي إلاّ باعتراف الجميع باتفاق الطائف نصاً وروحاً. وكي تقوم حكومة وفاق، أي حكومة تضمّ الى المشاركين فيها حالياً ممثّلين عن عون، يجب العودة الى معادلة السيد نصرالله السابقة أي التغيير الحكومي والتغيير الرئاسي بالتوازي، وأن يغدو "حزب الله" فريقاً متساوياً مع الآخرين لجهة الحقوق والواجبات، ثم يتمّ الذهاب الى انتخابات نيابية لا يعتريها أي ضغط "نفسي" أو "مادي".
هكذا، يجب أن تقال الأمور على حقيقتها!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.