ان تقويماً موضوعياً لمسار الأحداث والتطورات في البلاد منذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 عموماً ومنذ الانسحاب السوري من لبنان نهاية نيسان من العام 2005، ثم منذ تموز من العام نفسه حتى تموز 2006 خصوصاً، يظهر بما لا يدع مجالاً للشك ان ثمة قوّتَي تمثيل سياسي طائفي مارستا دوراً سلبياً مزدوجاً: دور تعطيل وإعاقة مسيرة حركة الاستقلال اللبناني من ناحية ودور حجز عملية بناء دولة الاستقلال من ناحية ثانية.
قوتا تعطيل و"حجز": حزب الله شيعياً وعون مسيحياً
ثمة قوة تعطيل وحجز شيعية تتجسد في "حزب الله". وثمة قوة تعطيل وحجز مارونية تتجسد في "التيار الوطني الحر" ورئيسه الجنرال ميشال عون. وإذا كان بات معروفاً و"مفهوماً" ان لحزب الله حسابات لا يخفيها إقليمياً بفعل علاقَتيه الإيرانية والسورية، فإن عون قد جرى توظيفه سورياً في دور صغير، هو تقديم التغطية المسيحية لاستمرار التدخل السوري في لبنان ولكل اتجاهات السياسة السورية التخريبية، لقاء وعود سلطوية ما له، وهو أدى هذا الدور على أكمل وجه.. معتقداً انه يؤدي دوراً كبيراً.
وغنيّ عن القول هنا ان الطرف المستتبع في الثنائي "حزب الله" ـ "التيار" هو التيار. وغني عن القول أيضاً ان الهدف من التعطيل والتعويق والحجز، هو هدف سوري من زاوية سعي النظام في دمشق إلى تعديل موازين القوى التي أنتجتها انتفاضة الاستقلال والانقضاض عليها لإبقاء التحكّم السوري بالوضع السياسي اللبناني ولو من خارج لبنان. وغنيّ عن القول كذلك ان هدف دمشق المشار إليه هو عملياً إبقاء ثنائية الدولة والمقاومة في لبنان، أي منع قيام الدولة في نهاية المطاف لإبقاء مركزها السياسي في دمشق كما كان الأمر خلال مرحلة الوصاية السورية على لبنان.. لا بل ثمة من يعتقد محقاً ان ثنائية الدولة والمقاومة لا تقوم ـ كما دلّت التجربة اللبنانية ـ إلا في حالتَي فراغ الدولة من جهة وسلطة وصاية خارجية "تستثمر" في المقاومة على حساب الدولة من جهة أخرى.
"حرب تموز" وأغراضها اللبنانية
بين حصّة إيران وحصّة سوريا
قبل 12 تموز الماضي، مارس "حزب الله" حق "الفيتو" داخل المؤسسات الدستورية للدولة، لا سيما في مجلس الوزراء، وتناغم معه عون من خارج الحكومة. وقبل 12 تموز استخدم "حزب الله" الفيتو على طاولة الحوار الوطني بالتناغم مع عون، لا سيّما في موضوع رئاسة الجمهورية، وكان سيستخدم "الفيتو" في موضوع الاستراتيجية الدفاعية. غير انه من الواضح ان "حرب تموز" من ضفّتها اللبنانية، التي خاضها "حزب الله" وأعطاها عون غطاءه، كانت محاولة لإحراز تقدم داخلي، أي لتحقيق خطوة متقدمة على صعيد تغيير توازن القوى اللبناني. ولذلك، يجب ألا يخطئ أحد التقدير: ان "حرب تموز" من ضفتها اللبنانية تشكّل استجابة لمصلحة إيرانية في مجرى العلاقة الإيرانية ـ الدولية المأزومة، لكنها وفقاً لكل المقاييس انقلاب عسكري ـ سياسي على الداخل يخدم الخطّة السوريّة. وإذا كان مما لا شكّ فيه ان الجنوب اللبناني استحال خطَّ حدود إيرانياً ـ إسرائيلياً، فمما لا شكّ فيه في المقابل ان تلك الحرب بعنوان المواجهة مع إسرائيل كانت بمثابة حرب على توازن القوى الداخلي. وبكلام آخر، يمكن القول ان حصّة إيران من الحرب كانت جعل الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية حدوداً إيرانية ـ إسرائيلية بالمعنى السياسي للكلمة، وان حصّة سوريا منها كانت مشروع الانقلاب على الداخل اللبناني.
لا تحتاج هذه الاستنتاجات إلى دليل تعطيه مواقف الرئيس السوري بشار الأسد والجوقة الموالية له في لبنان. بيدَ ان أهمية هذه الاستنتاجات تكمن في ان باستطاعة أي لبناني، والشيعي في المقدمة، أن يقول بلا أي وخزٍ لضميره إن الحرب لم تكن حربه، ولا تمتّ بصلة إلى الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي والصراع العربي ـ الإسرائيلي، حتى لو كان هذا اللبناني، والشيعي خصوصاً يعرف معنى عداوته لإسرائيل ويعرف معنى عداوة إسرائيل لبلده.
ان القراءة السياسية الجدية والفعلية كي لا تخطئ، لا مفرّ لها من التعاطي مع حلقات متصلة، أي انه لا يمكن قراءة الحرب خارج سياق المقدّمات.. والمقدّمات هنا تفيد ان هذه الحرب كانت من جانبها اللبناني استكمالاً لنهج التعطيل والحجز، تعطيل توازن القوى وحجز عملية بناء الدولة.
في خطاب "حزب الله": الصمود الباهر انتصار
والآن، وبعدَ البدء بتنفيذ القرار 1701، لا حاجة الى استحضار خطاب بشار الأسد ومقابلاته الصحافية والتلفزيونية للاستدلال على المرحلة المقبلة واحتمالاتها. غير أن ثمة حاجة الى التوقّف عند بعض ما يرد في الخطاب السياسي لحزب الله.
في خطاب "حزب الله" استحال الصمود الباهر في الميدان انتصاراً تاريخياً واستراتيجياً، و"يا أيها اللبنانيون خذوا في اعتباركم أنكم تتكلّمون مع منتصرين فلا تطلبوا شيئاً من منتصر يُطلب عادة من مهزوم".
وفي خطاب "حزب الله"، أن تنفيذ القرار الدولي رقم 1701 يرتبط بـ"تفسير" المنتصر له، أي يرتبط بتوازن القوى "الميداني"، ولا قيمة للمواقف المحلية والعربية والدولية.
..وفيه تساؤل عن أي دولة واستقواء شيعي
وفي خطاب "حزب الله"، صار الحديث عن ربط مصير سلاح الحزب بالاتفاق على أي دولة يجب أن تقوم في لبنان. لم يعد "حزب الله" مقنعاً في القول إن هذا السلاح يحمي لبنان، لأن تجربة أيام الحرب أثبتت أن الحزب يستطيع مع هذا السلاح تحقيق صمود يبهر اللبنانيين لكنها أثبتت أن هذا السلاح لا يحمي البلد بدليل الأكلاف على الصعد كافة.
وفي ثنايا خطاب "حزب الله"، ما تردّده أوساط دينية وأهلية مقرّبة منه، من أن الحزب لو لم ينتصر لانهزم الشيعة ككلّ، وعليه فإن على الشيعة "الاستقواء" بهذا "الانتصار" وبالسلاح الذي أنجز الانتصار إذا أرادوا أن يكون لهم موقع في الشراكة اللبنانية.
إحتفاظ الحزب بمقولة الثنائية
بين الدولة والمقاومة أي لا دولة
إذاً، في خطاب الحزب ما يفيد أنه باقٍ على المقولات التي كان يعتمدها، وأبرزها قوله بثنائية الدولة والمقاومة، في وقت يبرز أكثر فأكثر أن "الدولة" غير محدّدة فيما المقاومة هي الدولة "الأخرى" الموازية والأهم من الدولة، لا بل هي "دولة الشيعة" وحصتهم في التركيبة.
بعد الحرب، عاد الحزب "مستقوياً" بالمشروع نفسه: دولةٌ (مقاومة) في جوار الدولة، دولةٌ (المقاومة) داخل الدولة.. أي لا دولة في النهاية.
شروط الحزب.. والانقلاب السوري
أما في السياسة المباشرة، فقد عاد الحزب مستقوياً بـ"الانتصار" الى تحديد الشروط السياسية، وأهمّها شرطان: إعادة النظر في تركيبة الحكومة لتضمّ عون و"آخرين"، وإعادة الاعتبار لرئيس الجمهورية إميل لحود، كما قال نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في مقابلة تلفزيونية أخيرة له. وتناغم الجنرال مع شروط "حزب الله" فسارع الى المطالبة بتغيير الحكومة و"حذّر" من أنه لن يشارك بعد اليوم في حوار خارج مجلس الوزراء. كذلك وفي غضون 48 ساعة فقط تقاطر الى دمشق رهطُ الموالين للنظام السوري من سليمان فرنجية الى إيلي الفرزلي وعبدالرحيم مراد وميشال سماحة ونجاح واكيم وفايز شكر وإميل إميل لحود ووئام وهاب وفؤاد مخزومي وغيرهم.
إنها إذاً ساعة الانقلاب السياسي السوري على "رافعة" المسمّى انتصار "حزب الله".
يعود لبنان الى المشكلة نفسها التي كانت قائمة حتى 12 تموز: السيطرة على الحكم.. وإلاّ التعطيل والتعويق وحجز عملية بناء الدولة.. مع فارق بسيط عن مرحلة قبل 12 تموز: فيما يمكن لحزب الله أن يعتبر أنه حافظ على جمهوره أو أنه ازداد قوة ضمن الوضع الشيعي القائم، فإن عون "يشاهد" تداعياً مروّعاً للجمهور المسيحي الماروني من حوله بعد انكشاف دوره الصغير ضمن المشروع السوري.
أزمة الحكم وأزمة الدولة: المصدر الشيعي
يعود لبنان الى المشكلة نفسها. وأصلُ المشكلة بالتحديد هو أن أزمة الحكم وأزمة مشروع الدولة، شيعية المصدر، أي من قوة التمثيل السياسي للشيعة. والأصل هو أن الطرف الشيعي داخل الحكومة وبعض مؤسسات الدولة لا يعترف باتفاق الطائف اعترافاً عميقاً أي بدولة الطائف، والطرف الماروني المتراجع من خارج الحكومة لا يعترف بدولة الطائف أيضاً.
الطرف الشيعي، أي "حزب الله"، لا يزال حتى اليوم يسأل أي دولة في وقت أعطى اللبنانيون عموماً والشيعة خصوصاً جوابهم عن هذا السؤال في التسعينات بالإعراب عن سعادتهم بالطائف، فيما السؤال عن أي دولة يعيد الشيعة اللبنانيين ليس فقط الى ما قبل الطائف، بل الى ما قبل استقلال العام 1943، حيث يعرف القاصي والداني أن كل الأجيال الشيعية منذ الاستقلال وحتى اليوم طوّرت خياراتها باتجاه الدولة و"فكرتها".
التغيير الحكومي لن يحصل
في هذه الأجواء، أجواء العودة إلى تأزيم مشكلة الحكم وعملية بناء الدولة، إعاقةً للحركة الاستقلالية ودولتها، من الواضح ان أي تغيير حكومي لن يحصل بموافقة 14 آذار، لان التغيير الحكومي يعني في الحالة الراهنة تسليم الحكم لا ديموقراطياً وتسليم البلد للنظام السوري من جديد. وهذا لن يحصل.
الاستعصاء العوني "بسيط"
بيد ان سؤال ما العمل يلحّ على عقول الكثيرين. وما العمل مع "الاستعصاء الشيعي" تحديداً.
ان "الاستعصاء العوني" بسيط. ذلك ان ثمة تعدّداً في التمثيل السياسي الماروني وإن كان عون حصد في الانتخابات النيابية الأخيرة معظم هذا التمثيل في ظروف الالتباس حول "تَسوْرنه". لكن في وسع "الشخصيات والتيارات المسيحية وقواعدها أن تحاسب عون على ارتكاباته السياسية، ومن واجب قاعدته أن تساءله وتحاسبه.
غير ان لـ"الاستعصاء الشيعي" الممثل بحزب الله مقاربة أخرى.
دور برّي و"المؤسسة الشيعية"
ثمة في البداية، وفي كل الأحوال، أسلوب الحوار والسجال والمناقشة معه.
لكن بالتوازي، هناك ما هو مطلوب أكثر. ليس سرّاً ان ثمة رهاناً في أوساط شيعية عديدة على دور يقوم به الرئيس نبيه برّي من جهة والمؤسسة الشيعية الرسمية (المجلس الشيعي) من جهة ثانية، والقيادات الروحية والفكرية الشيعية من جهة ثالثة. وهذا الدور هو "تصحيح" الخيار الشيعي والعقل الشيعي والصورة الشيعية باتجاه "فكرة الدولة" و"دولة الطائف".
وإذا كان من الطبيعي ان دور هؤلاء جميعاً هو "داخل" الطائفة الشيعية، فمن الطبيعي أن يؤدّى بـ"الشراكة" مع البيئات الأخرى.
حركة 14 آذار جبهة؟
ثمة من اقترح في الفترة بين 14 شباط 2006 و12 تموز 2006 أن تتحوّل حركة 14 آذار إلى نوع من "الجبهة" يسمح إنشاؤها بانضمام شيعة مستقلين اليها، أي أن يكون للحركة الاستقلالية شيعتها. ومن الواضح ان وراء هذا الاقتراح قناعة بأن لا مجال ولا مبرّر لتشكّل شيعي "ثالث" منظّم، وان وراءه اعتقادا بأن حركة 14 آذار تملك قابلية التحوّل إلى نوع من "الجبهة" أي قابلية لنوع من "التحزيب" فضلاً عن ان لهذه الحركة مصلحة في هكذا تحوّل كي تمتّن صفوفها من جهة وكي تخرق "الجدار الشيعي" تدريجياً وتسمح لأصوات شيعية "أخرى" بالبروز من جهة ثانية.
.. أو تشكيل "حزب الدولة والطائف"؟
بيد ان من تقدموا بهذا الطرح في الفترة السابقة لاحظوا ان حركة 14 اذار لن تتمكن من تحوّل من هذا القبيل وان دينامياتها "الذاتية" بلغت "الذروة". ولذلك، فإن هؤلاء يقترحون اليوم قيام ما يسمّونه "جبهة الدولة والطائف" أو "حزب الدولة والطائف" تشارك فيه مكونّات شيعية بما يولّد ديناميات على الصعيد الوطني العام وعلى الصعيد الشيعي الخاص.
بكلام آخر، ان الأزمة مستمرة في المدى المنظور، ولا خروج منها ما بقي "الاستعصاء الشيعي". ولذلك، بالتوازي مع الحوار والسجال مع "حزب الله" لا بدّ من خطوة الى الأمام تعيد الاعتبار للخيار الشيعيّ الأصليّ، خيار الدولة والطائف.
كلّ منطق العلاقة بين الرئيس برّي و"حركة أمل" بحزب الله مفهوم ومقدّر. وكلّ المنطق الذي كان وراء "التحالف الرباعي" في الانتخابات الماضية "مفهوم" وان كان لم يعطِ النتائج المتوخّاة. غير انّ على الرئيس نبيه برّي أن يقتنع بأن قسماً مهماً من الجمهور الشيعي يراهن عليه ويناديه منادياً "اللبنانية الدولتية" عنده. وعلى فرقاء 14 آذار أن يقتنعوا بأن لا مناص بغير الانفتاح في الاتجاه المشار اليه.. لأنه المفتاح.
نعم، تستطيع حركة 14 آذار الصمود في وجه المشروع الانقلابي السوري وستصمد. نعم تستطيع حركة 14 آذار إفشال أهداف هذا الانقلاب. لكن ذلك كلّه يبقى نجاحاً سلبياً. ولا بدّ من تراكم في عملية التحوّل المنشودة نحو دولة الاستقلال، دولة الطائف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.