مثلُه مثل القيادات السياسية "الأولى" في البلاد، يستشعر الرئيس نبيه بري وطأة الاحتقان السياسي وما يصاحبه من استنفارات متقابلة داخل الطوائف، لكنه أكثر من غيره "مهموم" بها نظراً إلى موقعه في الطائفة الشيعية التي تبدو منذ مدة غير قصيرة الطائفة الأكثر استنفاراً لأسباب وعوامل عديدة، والتي تبدو "متهمة" من جانب الطوائف الاخرى وقوى تمثيلها السياسي بأنها صاحبة "مشروع خاص" في لبنان، مفتوح من وجهة نظر الآخرين على حدّين أقصى وأدنى: الأقصى فرض طبيعة معينة للدولة والأدنى فرض نوع من الأمر الواقع "على" الدولة.
وإذ يعتبر الرئيس بري ان في "الاتهام" الموجّه إلى الشيعة قدراً لا يُستهان به من الهواجس المولّدة للمبالغات، يدخل مباشرة إلى سردٍ للتجربة التي مرّ بها لبنان ومن ضمنه الطائفة الشيعية خلال العقود الثلاثة الماضية، ليؤكد ان للشيعة هوية لبنانية ومشروعاً هو الدولة.
لم يكن للشيعة في الحرب اللبنانية مشروع كانتوني
يلفت بري إلى ان الشيعة خلال الحرب اللبنانية كانت لهم ميليشيا بالفعل، وان "حركة أمل" كانت لها ميليشيا. غير ان ميليشيا الشيعة، قياساً إلى ميليشيا طوائف اخرى، لم تقاتل بين حدّين سياسيين: الهيمنة على الدولة في حدّ أقصى أو الكانتون في حدّ أدنى. ويقول بري بنوع من الاعتزاز انه "الوحيد" الذي كان في تلك الحقبة يجلس بين علمَين، عن يساره علم الحركة وعن يمينه علم لبنان. وباللغة الأدبية التي يستعملها يصف علم الحركة بأنه تعبير عن "الهوى"، فيما العلم اللبناني تعبير عن "الهوية". ولا ينسى ملاحظة ان الشيعة الآخرين غير "حركة أمل" كانوا في مرحلة السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي، موزّعين على أحزاب اخرى يسارية وقومية علمانية قاتلوا في الحرب تحت راية مشاريع غير تقسيمية.. إلى أن كان اتفاق الطائف في العام 1989.
الطائف "لوحة" و"اتفاق ضرورة".. وناظم توحيدي
يقول رئيس المجلس: لم أكن حاضراً في الطائف لانني لم أكن نائباً وإن كنت اعتمدت قناة داخل مؤتمر الطائف هي النائب السابق زاهر الخطيب، ومع ذلك عندما أقرّ الاتفاق وصفته آنذاك بأنه عبارة عن لوحة رائعة في داخلها شوائب، أي ان فيه أشياء كثيرة كان يجب تداركها. وعلى طريقته في استحضار الأمثال الشعبية، يشبّه بري اتفاق الطائف بالمنزل الرائع الذي "يجب أن تبقى يدك فيه" كما تقول ربّات البيوت للإشارة إلى ان المنزل عدّة وديكوراً لا يكتمل مرة واحدة إلى الأبد.
ويضيف ان الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين وصف اتفاق الطائف في حينه بأنه "اتفاق الضرورة"، ويقول انه استحسن هذا الوصف يومذاك. بيد ان ما حسم في الموقف الشيعي من الطائف فور إقراره وبالرغم من انه كان يمكن أن يكون أفضل هو ان هذا الاتفاق "توحيدي" لبناني، أي انه ليس فقط يطوي الحرب، بل يشكل إطاراً للعيش المشترك بين اللبنانيين، وإطاراً للشراكة الطائفية ـ الوطنية على أنقاض المشاريع الكانتونية كافة. وإذ يلاحظ ان علاقة الجميع بالطائف تطوّرت بعد ذلك حتى أضحى مظلة للجميع وسقفاً لهم، يؤكد بري على نقطتين: الأولى هي ان من دخل في الطائف "دفن" المشاريع الكانتونية وذهب إلى التوحيد، والثانية هي ان عدم تطبيق الطائف في السنوات الماضية لم يؤد بمن أيّده إلى الارتداد عليه.
محسن ابراهيم و"الخلطة"
يشدّد بري على "لبنانية" الحركة وعلى "لبنانية" الشيعة. وإذ يُستحضر وصف الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم له في يوم من الأيام بأنه عبارة عن "خلطة تلاوين كثيرة لكن محصّلتها تبقى لبنانية باعتبار علاقة بري بالإمام موسى الصدر وتراثه"، يستحسن بري هذا الوصف ويفتح الهلالين لمدح تفكير هذا الرجل وطاقته الذهنية والفكرية العالية.
الهيمنة الشيعية على الدولة
أو الكنتنة مشكلة شيعية ولا تفكير بهما
غير ان بري يقفز من السرد "التاريخي" إلى استنتاج سياسي مباشر: لا وجود لتفكير شيعي بالهيمنة على الدولة أو بالكنتنة، وإن وجد فهو مشكلة شيعية قبل أن تكون مشكلة سنية ـ شيعية أو درزية ـ شيعية أو مسيحية ـ شيعية، لان الشيعة لا يمكن أن يخططوا لخسارة مداهم اللبناني الواسع.
كلام الحريري عن الدولة منطقيّ
ومن هذه المنطلقات جميعاً، يقول الرئيس برّي انه "يرحّب" من موقعه الشيعي ومن موقعه الدستوريّ في آن، بكلام رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري عن الدولة ولا يرى في ذلك الا تأكيداً من الحريري على انتمائه الى مدرسة والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مدرسة الطائف. وكذلك "يرحّب" بالأسئلة التي طرحها رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط على "حزب الله" وأمينه العام السيّد حسن نصرالله.
أسئلة جنبلاط الى "حزب الله" انفتاح
ويرى، خلافاً للانطباع المتكوّن عند البعض ان "أسئلة" جنبلاط تندرج في اطار "إنفتاحي" وليس العكس. ومع انّه يعتبر انّ لجنبلاط أجوبة عما طرحه من أسئلة، فإن برّي يرى في الأسئلة "أسلوباً" حوارياً وليس تصادمياً. ويذكّر رئيس المجلس النابي بأن جنبلاط مقتنع تماماً باتفاق الطائف، وهو أي جنبلاط انضوى ضمن الطائف ولاذ بالدولة لأنه "وحدويّ لبنانيّ". ويدعو برّي الى عدم اعتبار المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس "التقدمي الاشتراكي" مشروعاً لمشكلة بل فاتحة بحث لا بدّ أن يحصل.
الجيش انتشر وفقاً لما طلبته قيادته
وفي وقت يشدّد برّي على أهمية الهدوء السياسي منعاً لتفجّر الاحتقان الطائفي والسياسي، ينتقل الى موضوع مباشر يتعلّق بـ"حديث الساعة"، أي انتشار الجيش في الجنوب للمرة الأولى منذ العام 1969 على كافة الأراضي الجنوبية.
وفي هذا المجال، اذ يحرص على تأكيد التنسيق بينه وبين الرئيس فؤاد السنيورة من جهة وبينه وبين "حزب الله" من جهة ثانية وبين "المثلّث" من جهة ثالثة، حيث كانت تعقد لقاءات تنسيقية يومية على مدار فترة الحرب في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، يؤكد الرئيس بري ان ما وافق عليه هو ثمّ وافقت عليه الحكومة، هو بالضبط ما طلبته قيادة الجيش خطياً بلا زيادة ولا نقصان، على أساس ما يكرّره دائماً من أنّ "الجيش يعرف أكثر منّي ومن كل مدّعي المعرفة بمتطلباته واحتياجاته".
ويوضح برّي ان قيادة الجيش طلبت الانتشار على أساس المادة الرابعة من قانون الدفاع الوطني التي تتضمّن كل المستلزمات التي تجعل الجيش صاحب الدور العسكري والأمني الوحيد في منطقة انتشاره، وتتضمن تالياً كل مقتضيات حصرية السلاح في يد الدولة بما يمكّنها من تنفيذ الشق اللبناني من القرار 1701.
لا حاجة ولا مبرّر
الى إعلان الجنوب منطقة عسكرية
ويلفتُ الى انّه لم تكن ثمّة حاجة الى اعلان الجنوب منطقة عسكرية. فإعلان منطقة لبنانية معينة منطقة عسكرية يكون عندما تصنّف تلك المنطقة على انها منطقة "معادية" للدولة أو متمرّدة عليها. والحال يقول برّي ان الجنوب ليس كذلك و"لم أكن مستعداً للموافقة على ما يمكن أن يشتمّ منه رائحة كراهية حيال الجنوب والحزب أو رائحة نيّة ممارسة أحقاد ما". ويضيف انّ اعلان الجنوب منطقة عسكرية لم يكن ليضيف شيئاً أساسياً على المهمات الملقاة على عاتق الجيش إنفاذاً لسيادة الدولة وتنفيذاً لالتزاماتها، فضلاً عن كون هذا الاعلان لم يكن مطلباً لقيادة الجيش. ويشيرُ الى ان تحكيم المادة الرابعة من قانون الدفاع يجعل الجنوب مثل العاصمة بيروت بمعنى ان أمن الجنوب وأمن بيروت متساويان في يد الشرعية اللبنانية. ويوضح ان "الزيادة" التي يحققها اعلان الجنوب منطقة عسكرية تتعلق بوضع كل اجهزة الدولة بأمرة الجيش ويضع الاعلام في الجنوب تحت الإمرة العسكرية، أي نوع من حالة الطوارئ، وليس لذلك مبرّر، إضافة الى ان جعل الجنوب منطقة عسكرية يفترض أن يعني وضع قوات "اليونيفيل" بإمرة الجيش ايضاً.
ويعرب الرئيس برّي عن اعتقاده ان في المادة الرابعة ما يكفي من اجراءات مطلوبة من الجيش أو يمكن ان يتطلبها، لافتاً الى ان اعلان الجنوب أو أي مكان آخر منطقة عسكرية لا يحتاج الى تعديل قانون الدفاع، لأن مجلس الوزراء يملك صلاحية اتخاذ هذا لاقرار "على أن يبلّغ مجلس النواب به خلال 48 ساعة" كما ينصّ القانون.
"لم أتعهّد ولم أتراجع"
ومن هذه المقدمات، يعرّج الرئيس برّي على "وشوشات" في بعض الدوائر السياسية تتحدث عن "تراجع" أقدم عليه بشأن سلاح "حزب الله" في منطقة انتشار الجيش و"اليونيفيل" وتحديداً في منطقة جنوب الليطاني.
"أشيع" في فترة من الفترات ان رئيس حركة "أمل" تعهّد أمام رئيس الحكومة وفي حضور قياديين من الحزب والحركة بسحب سلاح "حزب الله" وصواريخه من منطقة انتشار الجيش، وانه عند الشروع في وضع آليات التنفيذ اللبناني للقرار 1701، تراجع عن تعهّده.
يستغرب الرئيس بري هذه "الإشاعة"، ويستغرب أكثر أن ينسب اليه تعهّده في حضور قيادي من "حزب الله" هو المعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين خليل، سحب الصواريخ. ويستغرب أكثر وأكثر أن تنسب اليه معرفته بالصواريخ ومواقع وجودها. ويستغرب أكثر من أي شيء آخر أن تنسب اليه النيابة عن "حزب الله" وفي حضور ممثل عنه هكذا تعهّد. ويؤكد ان النقاش الذي كان يحصل ضمن "خليّة الأزمة" بينه وبين السنيورة، وبمشاركة "حزب الله" في عدد من الأحيان، يمكن أن يكون قد مرّ في مرحلة من الحرب على موضوع السلاح عندما جرى نقاش النقاط السبع التي عرضها الرئيس السنيورة وتضمّنت وضع مزارع شبعا في عهدة قوات الطوارئ الدولية كمرحلة انتقالية نحو استعادة المزارع إلى السيادة اللبنانية. من المحتمل في صميم نقاش يتناول إزالة الاحتلال الإسرائيلي للمزارع ودعوة أهاليها اليها برعاية الطوارئ الدولية، أن يكون الرئيس برّي قال أمام الحاضرين انه اذا نجح لبنان ديبلوماسياً في نقل مزارع شبعا من مرحلة الاحتلال الإسرائيلي إلى مرحلة الولاية الدولية أن لا يعود مبرّر لصواريخ الحزب أو سلاحه، لكنه لا يمكن أن يتحدث عن سلاح "حزب الله" وبالنيابة عنه في سياق آخر.
ويؤكد بري انه ليس بحاجة إلى اثبات صحة مواقفه، وانه لا يتعهّد أصلاً بشيء ما لم يكن متأكداً من ان في وسعه التنفيذ، وانه إن تعهّد بشيء يلتزم به. لكنه يرفض بقوة وبحزم أن يُحكى عن شيء تم التراجع عنه، لأن في مثل هذا الكلام تشويشاً على الدور الذي يقوم به ومحاولة لزرع الشكوك هنا وهناك، علماً ان للقرار الذي قضى بنشر الجيش وفق المقتضيات التي طلبتها القيادة العسكرية والمتضمنة في المادة الرابعة، مترتبات تمت الموافقة عليها من قبل الجميع، وأصبحت في متناول الدولة ككل.
"المحنّك" و"القلِق"
النقاش مع الرئيس نبيه بري يتوسّع في جوانب كثيرة بين "التاريخي" و"الراهن" و"المستقبلي". وهذا الرجل الذي يرى فيه الجميع محنّكاً سياسياً من الدرجة الأولى، هو في هذه الأيام مسكون بـ"قلق" يحاول أن يخفّف على نفسه منه، ويسعى إلى عدم "إظهاره" للتخفيف على اللبنانيين. تريحه أجواء الهدوء ويقلقه الاحتقان.. ويترك بعض الوقت يمرّ قبل أن يقول قوله ويقترح. لكنه في جميع الأحوال ينشد مصلحة لبنان ودولته ويقرأ جيداً جداً حساسياته ويرفض اي انقلاب على الطائف والدستور وعلى الحكم، ويأمل أن تنحسر العواصف عن "لبنان الوطن النهائي" لجميع أبنائه الذي قال به مرجعان كبيران للشيعة اللبنانيين، الإمام موسى الصدر ومِن بعده الإمام شمس الدين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.