8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المشهد الجنوبيّ "الملتبس" والأخطار المستمرّة على الدولة "المركزية" ووحدتها

قياساً إلى ما قبل 12 تمّوز الماضي، ثمّة جديدٌ في المشهد الجنوبيّ منذ يوم أمس، لكنهّ جديد ملتبس.
فللمرّة الأولى منذ نحو أربعة عقود، ينتشر الجيش اللبنانيّ على كامل أرض الجنوب حتّى الحدود، وهذا معطى جديد بالفعل. ويبقى أن تنتشر قوّات معزّزة من "اليونيفيل" كي تغدو الإمرة العسكريّة "في المبدأ" للشرعيّتين اللبنانيّة والدوليّة جنوباً، وتنفيذاً للقرار 1701.
غير أنّه، وفي ظلّ قرار مجلس الوزراء أوّل من أمس، يبقى الغموض قائماً في عدد من الأمور، لا سيّما في نقطتين رئيسيتين.
صحيحٌ أنّ القرار كانَ على درجة معيّنة من الوضوح "المبدئي" لجهة تأكيد أن لا سلاح خارج سلاحِ الشرعيّتين في منطقة انتشار الجيش و"اليونيفيل"، غير أنّه ينطوي في الجانب "العملي" على غموض إذ تجنّب القرار تحديد المصير "العمليّ" لسلاح المقاومة في هذه المنطقة.
قرار مجلس الوزراء: انتشار الجيش ضمن أيّة معطيات
فواحدٌ من اثنين: إمّا أنّ "حزب الله" اتفق مع الجهات المعنيّة في الدولة على أن يكون سلاحه عملياً في عهدة الجيش، وإمّا أنّه أبلغ هذه الجهات قراره الاحتفاظ بسلاحه مع "تجميد" لفترة معيّنة لعمليّات المقاومة. وبما أنّ قرار مجلس الوزراء ليسَ محدّداً على هذا الصعيد، فإنّ السؤال المطروح هو الآتي: ماذا قالت الحكومة للأمم المتحدة وبماذا تعهّدت كي تقوم المنظّمة الدوليّة بواجبها لجهة تعزيز القوّات الدوليّة وإرسالها إلى الجنوب كما ينصّ القرار الدوليّ؟.
بماذا أبلغت الأمم المتّحدة؟
النقطة الأولى إذاً، تتعلّق باحتمالات موقف الأمم المتّحدة، أي دول القرار، حيال ما تبلّغته من الحكومة. فإن كانت الأمم المتّحدة تبلّغت أنّ سلاح المقاومة جنوب الليطاني ومناطق الانتشار كافّة سيكون عملياً في عهدة الجيش وتحت إشرافه، ليس مفترضاً أن تتأخّر المنظمة الدوليّة في تنفيذ ما يتعلّق بها من القرار 1701. لكن، إن كانت تبلّغت أنّ ثمّة نوعاً من التجميد العمليّ للمقاومة، فإنّ الأمر مختلف عندئذٍ بالصلة مع مضمون القرار نفسه، إذ من المعروف حتّى الآن أنّ لبنان كان تبلّغ أنّ "اليونيفيل" لن تأتي إلاّ في حال كانت منطقة جنوب الليطاني خاليةً من السلاح "غير الشرعيّ".
فهل قرار نشر الجيش اعتباراً من يوم أمس مبنيّ على الصيغة الأولى أم الصيغة الثانية؟، وهل هو منسّق مع الأمم المتّحدة وعلى أساس أيّ من الصيغتين؟، وهل رضيت الأمم المتّحدة بالصيغة "التجميديّة"؟، أم أنّ الأمر سيقتصر في النهاية على انتشار للجيش بدون "اليونيفيل"؟، أم أنّ ثمّة استعداداً أبدته المنظمة الدوليّة لمواكبة مرحلة انتقاليّة مديدة؟ أم انّ ثمّة ألغاماً على الطريق؟.. ماذا بالفعل؟.
أمّا النقطة الثانية فتتعلّق بـ"حزب الله"، فأن يكون قرارُه وضع السلاح في عهدة الدولة شيء، وأن يكون قرارُه تجميد استخدامه أو انتظار ظرف مناسب لإعادة استخدامه، شيء آخر. ذلك أنّ للموقف الأوّل معنى سياسياً معيناً، وللموقف الثاني معنى آخر.
الموقف الفعلي لـ"حزب الله": تكيّف جديد
فإذا كان الموقف "الفعليّ" للحزب هو الموقفُ الثاني، أي المحافظة على السلاح جنوب النهر، فإنّ المشهد الجنوبيّ لا يعود جديداً إلاّ من زاوية حجم انتشار الجيش ورقعة هذا الانتشار. أمّا إذا نُظر إلى المشهد من زاوية "حزب الله"، فلا يكون شيء "كثير" تغيّر قياساً إلى ما قبل 12 تمّوز الماضي. فقبل 12 تمّوز لم يكن للحزب ظهور مسلّح علنيّ في الجنوب عموماً وفي منطقة جنوب الليطاني تحديداً. وقبل 12 تمّوز لم تكن للحزب مواقع ونقاط عسكريّة علنيّة في تلك المنطقة. وقبل 12 تمّوز لم تكن مستودعات أسلحة معروفة. ولذلك، فإذا كان الموقف الثاني هو قراره، فإنّ الحزب يكون في صدد عودة ما إلى ما قبل 12 تمّوز، أي أنّه في صدد صيغة تكيّف ما مع المستجدّات.
إذاً، إنّ الجديد الذي برز أمس مع انتشار الجيش ملتبس في انتظار اتضاح الصورة في الأيّام المقبلة.. إن اتضحت. وذلك بالرغم من أنّ كثيرين يدعون إلى أخذ أمرين في الاعتبار: الأوّل هو موافقة "حزب الله" على انتشار الجيش وصولاً إلى الجنوب وهو أمرٌ إيجابي في حدّ ذاته، والأمرُ الثاني هو أن "حزب الله" حتّى لو لم يكن في وارد إعادة النظر "جذرياً" في وظيفة سلاحه حتّى إشعار آخر، فإنّه لن يعود لأسباب موضوعيّة كثيرة يتعلّق الرئيسي منها بأهل الجنوب ومستلزماتهم، إلى استخدامه في الأمد "المنظور"، أي لفترة طويلة نسبياً.
علاقة السلاح بالدولة هي الاستراتيجيّة الدفاعيّة
إنّ المسألة مرّة أخرى، ليست مسألة نزع سلاح "حزب الله". هي مسألة علاقة هذا السلاح بالدولة. ومرّة أخرى أيضاً، ليس الأمر اعتراضاً على "تسوية" تمّت في مجلس الوزراء بديلها كان يمكن أن يكون عدم التوصّل إلى قرار بالمرّة.
وفي علاقة سلاح "حزب الله" بالدولة، عادَ رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافيّ أمس إلى أصل الموضوع.
إعتبر جنبلاط أنّ تثمير ما حصل خلال المواجهات مع إسرائيل يكون بتعزيز الجيش، جيش الدولة. ورأى، كما كان يؤكد قبل الحرب الإسرائيليّة على لبنان، أنّ الاستراتيجيّة الدفاعيّة إذ تُبنى على توحيد الإمرة القتاليّة في الدولة، تكون بدمج المقاومة بالجيش أو بإيجاد تشكيلات مقاتلة ضمن الجيش. وغنيّ عن القول أنّ جنبلاط يقدّر أنّ من المفترض أن تكون تجربة "حرب تمّوز" قد حسمت فكرة الاستراتيجيّة الدفاعيّة على أساس ارتكازها إلى الجيش معزّزاً.
هدنة الـ49 حدّ فاصل
وإذا كانت الاستراتيجيّة الدفاعيّة تقوم من وجهة نظر وليد جنبلاط على دور الجيش في المجال "العسكريّ"، فإنّها في المجال "السياسيّ" تقوم على اتفاقيّة الهدنة للعام 1949 مطوّرة، وهي عملياً الآن وتأسيساً على القرار 1701 قيد التطوير. فعندما ينتشر خمسة عشر ألف جنديّ في منطقة الجنوب، فليس ذلك من البنود التنفيذيّة لاتفاقيّة الهدنة. وعندما ينتشر عدد متساوٍ من القوّات الدوليّة مع الجيش ـ إذا انتشر هذا العدد ـ فليس ذلك من البنود التنفيذيّة لاتفاقيّة العام 49 أيضاً. بكلام آخر، إنّ "عماد" الاستراتيجيّة الدفاعيّة هو الجيش معزّزاً في الجانب العسكري، وحمايتها باتفاقية الهدنة في الجانب السياسي.
الحريري وجنبلاط: الدخول إلى الدولة والاعتراف النهائي بالطائف
صحيح أنّ جنبلاط أثار العديد من الإشكاليات التي يطرحُها الوضع في الجنوب في صورته "المستجدّة"، ومنها مخاوف من التباسات التنفيذ اللبناني للقرار 1701، ونشر الجيش في ظلّ غموض قد يكون قاتلاً في لحظة معيّنة. بيدَ أنّ ما طرحه جنبلاط على "حزب الله" وأمينه العام السيّد حسن نصرالله هو مجموعة من التحدّيات الفكريّة والسياسيّة، تقاطَعَ فيها رئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" مع حليفه رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري، وتتّصل جميعاً بفكرة الدولة التي أكّد الحريري أنّها "لن تكون الأضعف بعد الآن في المعادلة الوطنيّة"، وحدّدها جنبلاط منعاً لأيّ التباس بأنّها "دولة الطائف" تحديداً، وهي الدولة التي يتفق الاثنان على أنّها "القويّة" لكن "الديموقراطيّة والسيّدة والحرّة" في الوقت نفسه.
التحدّي الأوّل ـ وكلمة تحدّ هنا ليست تعني الاستفزاز بطبيعة الحال ـ هو تحدّي القبول بالدخول إلى الدولة بالمعنى الفعليّ، وليس فقط المشاركة في بعض أطرها الدستوريّة، والمدخل الأوّل هو المساهمة ببناء الجيش واندماج المقاتلين فيه.
والتحدّي الثاني هو الاعتراف بما يعترف به الطائف لجهة اتفاقية الهدنة، ليس فقط لكون "الهدنة" حدّاً فاصلاً بين الحرب (التي لا يستطيع لبنان تحمّل أوزارها لوحده) والسلام الذي لا يمكن للبنان أن يسير فيه بمعزل عن سائر العرب أيضاً، بل لكونها حداً فاصلاً بين مشروع بناء الدولة في لبنان والحسابات الاقليميّة، السوريّة والايرانيّة، لغير مصلحة لبنان.
الدولة المركزيّة ووحدتها على المحكّ
والتحدّي الثالث الذي يطرحه الحريري وجنبلاط على "حزب الله" هو تحدّي الاعتراف الصريح والحاسم والنهائي باتفاق الطائف ودولته، بحيث لا يكون ثمّة اعتراف بالدولة هنا وعدم اعتراف بها هناك. وحقيقة الأمر هنا، أنّه يتوقّف على ما سيقرّره "حزب الله" في هذا المجال، مصير الدولة ومصير وحدتها في آن، على اعتبار ما يمثّله الحزب على الصعيد الطائفي. وبكلام آخر، ثمّة هواجس من "الغموض" بشأن سلاح "حزب الله"، حيث يبدو في أحيان كثيرة ومن كلام عدد من مسؤوليه أنّ السلاح ليس مرتبطاً بقاؤه بالمسألة "الوطنيّة" بما هي مسألة الأرض والأسرى فقط، بل إنّه يرتبط أيضاً بـ"طبيعة" الدولة التي يرى "حزب الله" انّها يمكن أن "تستوعبه"، كما بطبيعة النظام السياسيّ. ولا يكفي هنا الردّ "اللفظي" المطمئن على هذه الهواجس، بل لا بدّ من تأكيد الانتماء إلى دولة الطائف ونظامها السياسيّ الديموقراطيّ، إلى دولة "المشاركة" وليس دولة "الفيتوات" التي تشبه الدولة الفيديراليّة ولا تشبه الدولة المركزيّة بشيء. ذلك أنّ كلّ ما يجعل "وحدة الدولة" مسألةً معلّقة أو مشكوكاً بوجودها وبجدواها، إنّما يضاعف الهواجس.
في ضوء ما تقدّم، من الواضح أنّ المشهد الجنوبيّ كما تجلّى اعتباراً من أمس، أي بما هو جديد "غير كامل" أو "غير مكتمل"، يمكن النظر إليه بأوجه مختلفة. يمكن الترحيب به وهذا هو الغالب على المواقف السياسيّة في لبنان. لكن يمكن أيضاً الحذر من غموضه الذي إذا تبيّن أنّه مزيد من الغموض السلبيّ ستكون نتائجه خطيرة على "عماد" الدولة أي على وحدة الدولة المركزيّة، إذ ماذا يبقى من الدولة ومن وحدتها إن عُرِّض الجيش لتجربة قاسية أدّت إلى ضربه وتفكيكه، ماذا يبقى غير الفوضى الخطيرة؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00