لم تُضف الحرب على لبنان بأيّامها المرّة وأحداثها الدامية الأليمة بالرغم ممّا تخلّلها من صمود بطوليّ أبداه مقاتلو "المقاومة الإسلاميّة"، إلى ما كان اللبنانيّون يعرفونه عن الموقع والدور المحوريّين للرئيس نبيه برّي في حياة البلاد على الصعد كافّة. وبسرعة، وكي لا يكون ثمّة مجال لأيّ التباس، فإنّ الدور المحوريّ للرئيس برّي كما تجلّى في الأيّام الماضية وكما هو منتظر في المقبل من الأيّام، ليس ناجماً من "التفويض" الذي أعطته إيّاه قيادة "حزب الله" لينوب عنها في الاتصالات والمشاورات والمفاوضات، علماً أنّ هذا التفويض "إشكاليّ" وفقاً لكلّ المعاني والمقاييس والمعايير إذ يبدو تفويضاً "تطويقياً" أكثر من أيّ شيء آخر. إنّ هذا الدور المحوريّ يتعلّق بموقع الرئيس برّي من مشروع الدولة وفيه.
وبكلام أشدّ وضوحاً، إذا كان ثمّة مَن يرى أنّ يوميّات الحرب على لبنان أكّدت "الثنائيّ الشيعي" بين "أمل" و"حزب الله"، فإنّ حقيقة الأمر أنّ ما أبرزته الأيّام الماضية هو الثنائي بين برّي والرئيس فؤاد السنيورة، الذي لم يأتِ وصفُه بأنّه "ثنائي الدولة" من فراغ.
"الأمن السياسي والإعلامي" من التخوين
ثمّة مهامّ جسيمة ملقاة على عاتق الرئيس برّي تحديداً، في المرحلة المباشرة.
المهمّة الأولى بلا منازع، يمكن وضعها بلا تردّد تحت عنوان "الأمن السياسيّ والإعلاميّ"، بعد أن تدرّج خطاب "حزب الله" من الدعوة إلى التضامن الوطنيّ في مواجهة العدوان الإسرائيليّ في أيّامه الأولى وبمقولة "لا صوت يعلو فوق المعركة".. ما غيرها، إلى تخوين مَن يجرؤ على مناقشة وجود سلاح الحزب في منطقة انتشار الجيش وقوّات "اليونيفيل" ولا سيّما جنوب الليطاني، واتهام مَن يجرؤ على هذا النقاش بأخلاقيّته وإنسانيّته ووطنيّته، وصولاً إلى الاتهام بالصلة مع "المشروع الإسرائيلي"، علماً أنّ الرئيس برّي أوّل وأكثر مَن يعرف أنّ هذا النقاش جرى بالتزامن مع صدور القرار الدولي 1701 الذي يتضمّن آليّات تقضي بوجود منطقة خالية إلاّ من سلاح الشرعيّتين اللبنانيّة والدوليّة، كما يعرف أنّ هذا النقاش سابق على الحرب نفسها وتمّ بعضُه في مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا إليه بنفسه.
مِن تجارب برّي مع التخوين
إنّ أكثر مَن يستطيع استشعار مرارة التخوين وخطره هو الرئيس برّي، وقد تعرّض لـ"الرشق" بالاتهامات مرّات عدّة في مسيرته السياسيّة الطويلة، وقد جرى تخوينه في ظروف شبيهة إلى حدّ كبير بظروف اليوم عندما شارك خلال الاجتياح الإسرائيلي صيف العام 1982 في "هيئة الإنقاذ" التي شكّلها الرئيس الراحل الياس سركيس، لا بل كانت مشاركته في هذه الهيئة سبباً رئيسياً من أسباب "الانشقاق الإسلامي" التراكميّ عن "حركة أمل"، علماً أنّ وظيفة تلك الهيئة لم تكن خلال عمرها القصير آنذاك، تلقّي نتائج العدوان و"تنظيمها"، إنّما محاولة تقصير أمد العدوان. ولا داعي إلى التذكير بمحطّات تخوينيّة أخرى لبرّي، كما لا داعي إلى التذكير بـ"الاحتضان" الذي لقيه بعض الخارجين عن الحركة ورئيسها "إسلامياً" ومخابراتياً سوريّاً، حيث كان هذا الاحتضان لا يزال سارياً عشيّة الحرب وإن بطريقة أقلّ صخباً تحت عنوان "أنّنا بحاجة الآن إلى الرئيس برّي بحكم موقعه رئيساً لمجلس النوّاب، فتمهّلوا أيّها الخارجون قليلاً حتّى نرى".
التنوّع الشيعي الممنوع
لا داعي للاسترسال دعماً للقول إنّ برّي هو أكثر من يستطيع استشعار مرارة التخوين وخطره. وإذا كانَ كلّ لبنانيّ يقول قولاً مغايراً في المقاومة والسلاح عرضةً للتخوين، فممّا لا شك فيه أنّ الشيعي الذي يقول رأياً مخالفاً هو الأكثر عرضةً للاتهام لأنّه يُعدّ من "خوارج الشيعة" متآمراً على طائفته وناسه.
وهنا، إنّ حماية "الأمن السياسيّ والإعلاميّ" اللبناني العام هي أولى مهام الرئيس برّي. بيد أنّ حماية تنوّع شيعيّ، كان في الأصل هو الأساس في الطائفة الشيعيّة، تمثّل الشقّ الرئيسيّ من مهمّة الحماية العامّة، فكيف إذا كان هذا التنوّع يقوم تحت سقف مشروع الدولة الذي ينتمي برّي إليه؟.
ولا شكّ أنّ رئيس المجلس النيابيّ، بناء على تجربته السياسيّة وفي ضوء محطاتها، يستطيع في أغلب الظنّ القول إنّ التعدّد والتنوّع يمثلان ضمانة الشيعة.. علماً أنّ الحديث هنا هو عن تنوّع وتعدّد في الآراء، وليس عن تعدّد وتنوّع في التيّارات السياسية لا يزال ما دون القدرة على التشكل فكيف بالمنافسة؟.
شهادة سريعة
لرئيس المجلس
ويستطيع كاتب هذه السطور أن يشهد أنّه كصحافي وإعلامي لمسَ رحابة صدر الرئيس برّي في العديد من المناسبات، فهو حتى عندما لم يكتب ما يرضي برّي، وهو غالباً ما فعل، كان الرئيس برّي "متسامحاً" ومحاوراً ومنفتحاً.. ولم يغلق بابه يوماً.
أمّا المهمّة الثانية التي تقع على عاتق الرئيس برّي في المرحلة المباشرة، فهي استكمال ما بدأه بالتعاون مع الرئيس السنيورة إنقاذاً للبنان من الحرب عليه.
ثمّة سبيل واحد لا غير إلى الإنقاذ. إنه الحلّ بالدولة وبجيش الدولة. وإذا كانَ "حزب الله" يصف الجيش بأنه وطنيّ وحليفٌ للمقاومة، فإن برّي هو الجيش، ناسُه فيه وثقته فيه أيضاً.
الدولة ونظرية "دولة المقاومة"
وهنا، وكي لا يبقى الموضوع مبهماً، يجب أن يُقال إن خطاب "حزب الله" حيال هذا الأمر مليء بالالتباسات. صحيح أن خطاب "حزب الله" يتضمّن دعوة إلى قيام الدولة، لكن الدولة كما يتبدّى من هذا الخطاب هي "دولة للمقاومة"، أي أن الشروط التي يطرحها للدولة تجعل منها "دولة للمقاومة" وليس دولةً مقاوِمة. والحال أن "دولة للمقاومة" ليست الدولة التي يحتملها لبنان الكيان، تماماً لأن ما يحتمله الكيان هو الدولة المدنية القادرة والقوية، والفارق كبير بين "الدولتين".
قبل أيام، وفي إحدى إطلالاته الإعلامية قال السيد حسن نصرالله كلاماً فكرياً دقيقاً جداً إذ وصف إسرائيل بأنها "دولة لجيش"، نافياً أن يكون في إسرائيل "جيش لدولة". ولبنان لا يمكنه أن يبني "دولة لجيش" أو "دولة لمقاومة"، بل عليه أن يبني دولة لها جيش. والنقاش في الدولة لا يمكن أن يراوح طويلاً على طريقة البيضة أولاً أو الدجاجة، بمعنى هل نُعطي السلاح للدولة أولاً أو نبني الدولة أولاً؟ وذلك إلى ما لا نهاية.
إذاً، إن المهمّة الواقعة على عاتق الرئيس برّي استكمالاً لعملية إنقاذ لبنان من الحرب عليه، تعني في المباشر السير بالحلّ عبر الدولة وجيشها مدعوماً بقوات "اليونيفيل" وبانسحاب عسكريّ وأمنيّ لا لبس فيه لأيّ سلاح وأمن آخرين.. وذلك من أجل تنفيذ اتفاق الطائف في المطاف الأخير.
من تحسين شراكة الشيعة
في الدولة إلى دمجهم فيها
وهنا تطلّ المهمّة الثالثة الأساسية. لا شك أن برّي، وبعد موقف متحفّظ من اتفاق الطائف عند صدوره، شأنه في ذلك شأن البيئة الشيعية بمختلف مرجعياتها في العام 1989، عاد وتبنّى الطائف والتزم به.
نجحَ برّي، من ضمن ما يسمح به الطائف أصلاً بما هو إطار لنظام الشراكة الطائفية ـ الوطنية، في تحسين شراكة الشيعة في الدولة وفي تأمين مصالح الشيعة في الدولة، وإن كان ثمّة نقاش لا يزال يدور في أوساط شيعية ولبنانية حول "معنى" هذا النجاح ومداه. بيدَ أن ما لم يتحقق حتى الآن هو إدراج الشيعة في الدولة أي تحقيق "اندماجهم" فيها، وهذا ما ينبغي أن ينصبّ جهد برّي عليه في المرحلة المقبلة.
الانزلاقات الكانتونية
ذلك أنه من المؤسف جداً أنه فيما تبدو جميع البيئات الطائفية في لبنان "عائدة" إلى الدولة، يبدو الشيعة أو بعضهم خارجين منها. فبعض النقاش الشيعي حول الدولة من ناحية، وبعضه الآخر الذي يضع "المقاومة" في مقابل "الدولة" أو في موازاتها والذي يصوّر أن حماية الشيعة بالمقاومة وليس بالدولة.. إلى أن تقوم الدولة (التي لا تقوم) من ناحية ثانية، إنّ بعض هذا النقاش ينطوي على تفكير "كانتوني". ولا داعي إلى الإطالة في التذكير بأنّ التجارب التي مرّ بها البلد تفيد أنه عندما تمّ النظر إلى الدولة سلبياً واعتُبرت غير حامية لهذه الطائفة أو تلك، وعندما أسقط مشروع قيام "الدولة المركزية"، إنما أدّت ـ أي التجارب ـ ليس فقط إلى حرب داخلية لا بل حروب داخلية، بل أدّت إلى "كنتنة".. جاء اتفاق الطائف لينهيَها.
إن هذه المقدّمات جميعاً التي تتناول مهمّات متصوّرة للرئيس برّي في المرحلة الراهنة ـ المقبلة، تهدف إلى التركيز على أنّ الطائف في خطر، ما يجعل رئيس المجلس معنياً مباشراً بحمايته.
الخطر على الطائف ليس فقط في ما يسمعه اللبنانيون من فلسفات مختلفة لهذا الاتفاق لا علاقة لها بنصّه وروحه، إنما الخطر متأتٍ من محاولات إدخال البلاد في "اختبارات قوّة" من جديد.
فكلام الرئيس السوري بشّار الأسد بالأمس، على "رافعة" الانتصار على إسرائيل بالدّم اللبنانيّ، هو عبارة عن تصفية حسابات مع لبنان ولا سيّما الحركة الاستقلالية فيه، وعن تهديد بإسقاط النظام في لبنان.
حماية النظام ومنع الحرب الأهلية
لذلك، فإن الدّور المحوري للرئيس برّي في الفترة المقبلة، هو حماية الدستور والنظام، والوقوف سدّاً مع الآخرين في وجه أيّ محاولة انقلابيّة بأيّ عنوان كانت وبأيّ وسيلة تمثلت لأنّها لن تكون سوى حرب أهلية. فلا يمكن للنظام السوري ومن يقول قوله في لبنان أن يجعل من الحركة الاستقلالية جزءاً من الحرب الإسرائيلية ليعلن فشلها ويطالب بالثمن.. أي بالسلطة، لأن ذلك يعني عندئذٍ أنّ الحرب من ضفّتها اللبنانية ـ السورية ـ الإيرانية إنّما كانت بالفعل حرباً على الداخل اللبناني، وهذا ما استنتجه كثيرون منذ بداية الحرب على كلّ حال.
إنّ "الصراع" السياسي في لبنان يدور بالأساس بين مشروعين: مشروع دولة للجميع ضامنة لمصالح الجميع ولها جيش وسياسة "دفاعيّة" وتؤطّر التنوّع والتعدّد في لبنان الكيان من جهة، ومشروع دولة للمقاومة تملك كلّ قابليات تحويل لبنان ساحة ومساحة للآخرين في حدّ أدنى وتفكيكه في حدّ أقصى من جهة أخرى، كما يدور بين مشروع من يقول "أنا الدولة والدولة أنا" ومن يقول إنّ الدولة لكلّ أبنائها ولا يسوسها إلاّ التوافق ولا يسوسها الإكراه من فئة على فئات.
وليد جنبلاط: نبيه برّي خشبة الخلاص
نعم، للرئيس نبيه برّي دور محوري في المرحلة الآتية: "الأمن السياسيّ والإعلامي" اللبناني العام والشيعي، إنقاذ لبنان من الحرب عليه بالدولة وجيشها، حماية الطائف والنظام السياسي، والسير قدُماً في بناء الدولة.. وكلّ ذلك بـ"سلاح الموقف" على طريقة نبيه برّي طبعاً وليس على طريقة من أطلق هذا الشعار في يوم من الأيّام.
إنّ اللبنانيّين جميعاً يتطلّعون إلى نبيه برّي، وهو كما وصفه وليد جنبلاط في جلسة خاصة "خشبة الخلاص" أكثر من أيّ يوم مضى. كانت ثمّة خلافات معه في السابق ويمكن أن تكون في المستقبل، لكن لا خلاف بشأن "لبنانيّته" وإدراكه العميق لكلّ "الحساسيّات" اللبنانيّة التي تشكّل نموذجاً للتنوّع ضمن الكيان الواحد.
والمؤكد أن الرئيس برّي يحمل وسيحمل هذه القضية على كتفيه، وهو العامل بـ"صبر" على تفكيك التشنّجات بالرغم مما يحيط بهذه القضية من.. مخاطر وبالرغم من الضغوط الخطيرة المحتملة عليه وعلى موقعه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.