8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الغموض كي يتحوّل إيجابياً وكي لا يُقبل غداً ما يُرفض اليوم

لدى "التدقيق" في النقاش الذي أجراه مجلس الوزراء في جلسته الاستثنائية الثلاثاء الماضي مقدّمة لاتخاذ القرار بإرسال خمسة عشر ألف جندي إلى الجنوب وصولاً إلى الحدود، يتبيّن ان وزير "حزب الله" محمد فنيش، وبعد أن تمّ عرض خطة الانتشار التي تتضمّن عدم وجود مجموعات مسلّحة أو مواقع عسكرية في منطقة الانتشار، لم يشأ التوقف كثيراً عند ما سمّاه "التفاصيل"، معلناً ان مجلس الوزراء مدعو إلى اتخاذ قرار سياسي في المبدأ، أي في مبدأ إرسال الجيش جنوباً، وان "حزب الله" موافق على اتخاذ هذه الخطوة بوصفها رسالة سياسية إلى الجميع محلياً وخارجياً بالدرجة الأولى. ويمكن بكلام آخر، القول ان "حزب الله" أخذ علماً داخل الحكومة بما تعنيه خطوة إرسال الجيش سياسياً وعسكرياً، لكنه "شاء" أن يعلن موافقته على "المبدأ السياسي".
الرأي الأول: موافقة حزب الله "ملغومة"
تفاوتت الآراء في قراءة هذا الموقف الذي عبّر عنه ممثلو الحزب في مجلس الوزراء، وبرزت في هذا المجال ثلاثة آراء أساسية.
الأول، وقد رأى أصحابه ان الموافقة التي أبداها "حزب الله" على انتشار الجيش حتى الحدود، انما هي موافقة "ملغومة"، على اعتبار أنه "يستطيع" بعد هذه الموافقة أن يقول انه لم يوافق على "التفاصيل" في الأصل، بالرغم من كون "التفاصيل" هنا ليست تفاصيل بالفعل، بل هي أساس طالما انها تعني إنهاء الثنائية التي كانت قائمة على الأرض بين الجيش والمقاومة ولصالح المقاومة. ويعتبر أصحاب هذا الرأي أيضاً ان الموافقة "ملغومة" لأن "حزب الله" في قراءته للمعطيات يراهن على رفض إسرائيلي ـ وأميركي ـ لهذا الإجراء في حدوده المعلنة، وانه يؤسّس بذلك لـ"جسر" نحو المرحلة المقبلة.. من الحرب.
الثاني: منتصف الطريق
أما الرأي الثاني، فقد وجد أصحابه ان الموافقة التي أعطاها "حزب الله" على قرار مجلس الوزراء، تشكّل موقفاً يذهب إلى "منتصف الطريق" أي انه موقف يمهّد للتجاوب مع الحل، خاصة إذا جاء الحلّ منسجماً مع النقاط الحكومية السبع التي وصفها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله في كلمته الأخيرة بأنها "الحدّ الأدنى الوطني". ويلفت أصحاب هذا الرأي الثاني إلى ان "حزب الله" الذي يتوقّع إقدام إسرائيل على توسيع عدوانها لا بل يعلم ذلك يقيناً، لا يمكنه والحالة هذه أن يعطي موافقته على "العصفور وخيطه" دفعة واحدة، أي على انتشار الجيش و"مستتبعاته" المتّصلة بسلاحه وبالقوات الدولية فيما لا تزال الأمور مفتوحة حرباً.
الثالث: غموض سلبي أم إيجابي؟
في كل من الرأيين، ثمّة منطق معيّن. بيد أن رأياً ثالثاً "بين" الرأيين السابقين شقّ طريقه في النقاش يرى أصحابه ان الكلمة الأخيرة للسيد نصرالله أول من أمس، كانت النقاط السبع سقفها السياسي، حيث دعا نصرالله إلى التمسّك بها.
ويعتبر أصحاب الرأي الثالث انه إذا كان "حزب الله" في طريقه إلى اعتبار النقاط السبع سقفاً سياسياً، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: لماذا تضمين الموقف "غموضاً سلبياً"، أي عكس "الغموض البنّاء" الذي تتّصف به بعض المدارس الديبلوماسية؟
فإذا كانت النقاط السبع سقفاً بالفعل، وإذا كان مسلماً به ان الجيش "وطني"، وإذا كان القرار السياسي يقضي بتكليفه حماية لبنان وليس حماية العدو، وإذا كان هذا الجيش يرمز إلى سيادة الدولة على أرضها، وإذا كان الحلّ عبر الجيش يمثّل "مخرجاً مشرّفاً"، وكل ذلك ممّا قاله السيد حسن نصرالله، فلماذا استبقاء الغموض بالنسبة إلى السلاح في منطقة انتشار الجيش جنوب الليطاني وحتى الحدود؟
السلاح مسألة راهنة تتصل بالحلّ
طبعاً، من الطبيعي والمفهوم أن يقول السيّد ان أموراً تتعلّق بالمرحلة المقبلة، ميدانها الحوار الوطني الداخلي. بيد انه من الواضح ان ثمّة أمراً، يتعلق بالمرحلة المباشرة الراهنة، لانه يتعلّق بالحل أو عدمه، هو مصير سلاح "حزب الله" في المنطقة الجنوبية المحدّدة. فلماذا لا تبلّغ الحكومة بـ"النوايا" و"المواقف" ومنذ الآن؟ ذلك ان الحلّ الذي تسعى الحكومة اللبنانية إليه هو المبنيّ على نشر الجيش تأكيداً لسيادتها على الأرض، بمؤازرة قوات دولية تحت علم الأمم المتحدة بحيث لا تعود هذه القوات "قوات غازية" أو "قوات مرتزقة" تأتمر بالأعداء كما قال السيد نصرالله.
وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين مهمّتين. الأولى هي ان الحكومة وكي تستطيع إبقاء الدينامية السياسية والديبلوماسية من ناحية وكي تستطيع أن تؤثر تفاوضياً من ناحية ثانية، بحاجة إلى امتلاك إمكانية الجزم بأن لا شراكة لأحد في السيادة على الأرض في الجنوب.
تذخير الحكومة
صحيح ان ثمّة عدواناً إسرائيلياً مستمراً. وصحيح أن لهذا العدوان أهدافاً يسعى إلى تحقيقها. وصحيح أيضاً انه وفي كل لحظة يمكن المراهنة على ان العدو "يتصيّد" أي شيء لمواصلة العدوان. غير ان الصحيح ـ وربما الأصحّ ـ ان تسليم الحكومة واحداً من مقوّمات القدرة على التفاوض، وان تفويضها التفاوض، يشكّلان معاً الخيار الذي لا بديل منه. وعلى أي حال، ليس خافياً ان الاتصالات التي جرت مع الحكومة اللبنانية في أعقاب قرار مجلس الوزراء إرسال خمسة عشر ألف جندي، تركّزت على ما بقي "غامضاً" من هذا القرار، أي ما يتعلّق بالسلاح خارج سلاح الجيش والقوة الدولية، بمعنى ان الاتصالات تركّزت على "فحص" مدى "إنتاجية" القرار الحكومي المتّخذ.
ما يؤخذ اليوم لا يؤخذ غداً
أمّا النقطة المهمّة الثانية التي لا بدّ من الإشارة إليها فتتعلّق بـ"التكتيك" و"الاستراتيجية" السياسيين. بكلام آخر، ثمة خشية دائماً في المفاوضات، خاصة تلك التي تجري تحت النار من أن يؤدي التأخر في الموافقة على أمر من الأمور إلى جعله غير صالح في وقت لاحق، أي أن تتم الموافقة متأخرة على أمر كان يمكن "أخذه" أمس انما تجاوزته التطورات اليوم. وبهذا المعنى، فإن الخشية الفعلية هي من أن تصبح النقاط السبع "متقادمة" أي أن تتجاوزها الأحداث والتطوّرات.
الانتصار هو الصمود.. فقط
والآن، بعد استعراض الآراء الأساسية في موقف "حزب الله"، يقتضي تسليط الضوء على عدد من الملاحظات.
لا شكّ بادئ ذي بدء ان الصمود الكبير الذي أبداه "حزب الله" في الميدان هو "الانتصار" الذي يتحدّث عنه السياسيون والمحلّلون. ولا يمكن القول ان ثمّة وجهاً آخر للانتصار، ولا أحد يستطيع تسمية "انتصار آخر" أو توصيفه. ولذلك فإن هذا الصمود الميداني الكبير هو ما يجب تثميره في السياسة اليوم قبل الغد، لان غداً يوم آخر، ولان تطويل الحرب لا تعود نتائجه قابلة لأي تثمير سياسي إيجابي.
الجغرافيا والمساحة والمجتمع
ولا شكّ ثانياً ان ما يقوله السيد نصرالله عسكرياً، صحيح. فهو أكد في أكثر من مناسبة أن المقاومة لا تقاتل جغرافياً بمعنى ان قتالها "تأخيري" للعدو حتى آخر طلقة. غير ان الذهاب بهذا القول بعيداً يؤدي إلى عكس معناه فتصبح أجزاء كبيرة من البلد عندئذٍ جغرافيا للقتال. وبهذا المعنى، وعلى الحدّ الفاصل بين "العسكري" و"السياسي"، يصبح البلد "مساحة قتال" ولا يعود "وطناً".. أي ان ثمة خطراً من ألا يعود لبنان "ساحة"، بل أن يغدو مجرّد "مساحة". والحال ان اللبنانيين الذين لم يخرجوا من دائرة اعتبار بعضهم ان لبنان ساحة، يوضعون أمام اعتباره "مساحة".
ولا شكّ ثالثاً ان "حزب الله" يعلمُ تماماً انه لا يمكن الحديث عن انتصار، في ما يتجاوز الصمود، عندما يكون البلد مدمّراً وعندما يخسر تباعاً مقوّماته وعندما يكون اجتماعه مبدّداً. ولا يمكن الحديث عن انتصار بعملية حسابية تعنى فقط بالمقاتلين وسلاحهم من ضفّة "حزب الله" في مقابل خسائر العدو عسكرياً. كذلك لا يقاس التكوين اللبناني بغيره بما في ذلك التكوين الإسرائيلي. والحال ان ثلث المجتمع اللبناني مهجّر ومهاجر بعد انقضاء شهر من الحرب الإسرائيلية على لبنان، فيما الثلثان يتلقّيان النتائج أيضاً.
الخوف من حرب مفتوحة مدارة على إيقاع جديد
طبعاً، ان الملاحظات الثلاث الآنفة، إذ تركّز على الجانب اللبناني من الصورة، تهدف إلى توجيه رسالة إلى "حزب الله" والسيد نصرالله مفادها أنه آن الأوان لالتقاط اللحظة المناسبة لوقف الحرب، على أساس حلّ يحفظ وجود البلد.
ولعلّ ما يكمن خلف هذه الرسالة، هو الشعور بـ"الخوف" من أن تصبح الحرب "مدارة" على إيقاع مديد جداً. فما الذي يجعل هذا "الخوف" في مكانه؟
تُعلن إسرائيل انها قرّرت توسيع عدوانها البرّي بهدف الوصول إلى الليطاني. سيغدو قسم من الجنوب، أوسع ممّا كان يسمّى "الشريط الحدودي" قبل العام 2000، تحت الاحتلال الإسرائيلي، إلى أن تنتشر قوة دولية ذات صلاحيات إلى جانب الجيش اللبناني كما تقول اسرائيل.. حتى الآن. ومن الطبيعي ان يطالب لبنان بانسحاب اسرائيل.. ومن الطبيعي ان يعتبر "حزب الله" ان تحرير الارض مهمته. غير ان السؤال هو الآتي: هل سيشكل وضع من هذا النوع لو حصل محطة في حلقة لا نهاية لها، احتلال ومقاومة، ام ان ثمة مجالاً لتمكين الدولة من السعي الى "تسوية سياسية" تقوم على طرد الاحتلال، واسترجاع الحقوق في مقابل القبول باقفال الملف اللبناني.. اي السؤال نفسه المطروح اليوم؟.
هذا "الخوف" يجد واحداً من أسبابه في واقع ان الحرب وُصفت منذ لحظتها الاولى بأنها حرب إقليمية ـ دولية تدور على الرقعة اللبنانية، أي أن الولايات المتحدة وإسرائيل يعتبرانها "خط دفاع" عنهما، وتعتبرها ايران ـ وسوريا ـ "خط دفاع" عنهما أيضاً، من دون ان يبدو ان رقعتها الجغرافية أي لبنان ستتغير. وحتى لو توسع النطاق الجغرافي للحرب خارج لبنان، فإن لبنان سيبقى في هذه الحالة مجالها الرئيسي.
من هنا، وبناء على هذه المقدمات، جميعاً، كان كل هذا النقاش الداعي الى تقدير اللحظة المناسبة لتوقّفها، وألا يقبل اليوم ما لم يقبل بالأمس وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية.
ان هذه الدعوة "صالحة" كي تبقى النقاط اللبنانية السبع "نابضة" اي كي لا تصبح بلا حراك.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00