8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

انتشار الجيش في الجنوب "بداية" الحلّ وليس "خاتمته" وله ما بعده

لا شكّ ان القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء في جلسته الاستثنائية أول من أمس بإرسال خمسة عشر ألف جندي إلى الجنوب، قرار تاريخي لأنه شديد الأهمية في سياق العملية السياسية ـ الديبلوماسية التي يخوض فيها لبنان في هذه اللحظة المصيرية. وأن يكون هذا القرار اتخذ بإجماع مجلس الوزراء، أي بموافقة "حزب الله" عليه، فإن ذلك يكسبه أهمية مضاعفة.
لقد جرى التقديم للقرار أي التمهيد له بالقول ان خطوة من هذا القبيل تتخذها السلطة السياسية في لبنان، من شأنها أن تشكل رسالة إلى الأصدقاء في المجتمع الدولي تعزّز من قدرتهم على إدخال التعديلات المناسبة على مشروع القرار الأميركي ـ الفرنسي المقترح على مجلس الأمن، لا سيما لجهة الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق. وقيل في التمهيد أيضاً ان خطوة من هذا النوع تشكل رسالة إلى المجتمع الدولي بأسره بأن الدولة اللبنانية مستعدة لتحمّل مسؤولية سيادتها على الأرض في المرحلة المقبلة بشرط عودة إسرائيل ـ جغرافياً ـ إلى ما قبل 12 تموز الماضي.
قرار مجلس الوزراء: نتيجة لاتصالات وليس مقدّمة
بيد انه من الواضح ان إبقاء تفسير قرار إرسال الجيش إلى الجنوب ضمن هذه الحدود، يجعل من هذه الخطوة ـ السياسية الاستراتيجية بامتياز ـ خطوة تجريبية. والحال انها ليست كذلك، ليس فقط لأن الوقت ليس وقت "تجريب"، وليس فقط لأن الأمر لا يحتمل محاولات استباقية غير مدروسة، بل لأن "الحقيقة" تفيد ان تشجيعاً صديقاً "أعطي" للحكومة كي تترجم استعدادها "المبدئي" الوارد في النقاط السبع إلى خطوة عملية يبقى تنفيذها مرهوناً بالتوقيت المناسب، والتوقيت المناسب هنا هو قرار دولي يطالب إسرائيل بالانسحاب أو يطالبها بالانسحاب تزامناً مع انتشار الجيش والقوة الدوليّة المنوي تشكيلها. و"الحقيقة" أيضاً ان هذا التشجيع في ضوء اتصالات مكثّفة على غير صعيد دولي، أنتجت إمكان تعديل في عدد من المواقف لا سيما الموقف الأميركي.
على هذا الأساس، أي بوضع قرار مجلس الوزراء إرسال الجيش إلى الجنوب في سياقه الفعلي بما هو نتيجة لاتصالات سياسية دولية وليس كمقدّمة لاتصالات، يصبح واضحاً ان موافقة مجلس الوزراء بالإجماع انما تمّت "على نور". بكلام آخر، لا يمكن في حال كانت المعطيات الدولية واضحة على طاولة مجلس الوزراء، أن يكون أحد أطراف الحكومة، لا سيما "حزب الله" أعطى موافقته على نشر الجيش على تقدير منه مثلاً بأن إسرائيل سترفض لأنها ترفض الانسحاب مما احتلته من أراض في عدوانها الراهن، وعلى افتراض منه ان الموافقة تحرّره من تحمّل أي تبعات سياسية ـ وعسكرية ـ طالما ان الجانب الإسرائيلي سيرفض.
موافقة "حزب الله" تمّت "على ضوء"
كذلك، وتأسيساً على ما سبق ذكره، وحيث ذُكر في مقررات مجلس الوزراء ان المجلس اطلع من القيادة العسكرية على "خطة" انتشار الجيش جنوباً، وذُكر أيضاً ان الجيش سيكون الجهة اللبنانية الوحيدة المسلّحة في هذه المنطقة، من المفترض أن تكون الموافقة قد حصلت على أساس ان الإقرار بنشر الجيش اللبناني أو أن نشره بالفعل ليس سوى "بداية" الحل وليس "خاتمته"، أي ان لهذه الخطوة ما بعدها، وان خطوات اخرى لا بدّ أن تليها. ومن الطبيعي أن يَرِد من ضمن الخطوات التالية ما يتعلّق بسلاح "حزب الله" ومآله في الجنوب أولاً، ثم في الرقعة الجغرافية غير المحدّدة لوجود هذا السلاح، وذلك كله من ضمن الفرضيّة المنطقيّة القائلة ان النقاط السبع التي تمّت الموافقة عليها بالإجماع أيضاً، تعني أن لا عودة من جانب لبنان إلى ما قبل 12 تموز الماضي.
نقلة نوعيّة
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك هو الآتي: هل وافق "حزب الله" على إرسال خمسة عشر ألف جندي إلى الجنوب من ضمن هذه الرؤية المتكاملة، أي على قاعدة ان هذه الخطوة "بداية" وليست "نهاية"؟
لا شيء يدعو أحداً إلى التشكيك. بيد أن الجزم ـ في التحليل ـ بأن "حزب الله" أعطى موافقته على خطوة نشر الجيش ضمن الإطار المحدّد آنفاً لهذا الإجراء وبأنه أعطى موافقته على ما يترتّب على هذه الخطوة في ما يتصل بـ"السلاح" في المرحلة المباشرة المقبلة، يعني ـ أي الجزم ـ ان الحزب في صدد نقلة نوعية بالغة الاهمية ليس في مسار البحث عن المخرج من الحرب الاسرائيلية على لبنان وحسب، انما في المسار السياسي الاجمالي للحزب بشكل رئيسي. ذلك ان الموافقة على انتشار الجيش في الجنوب من جانب "حزب الله" ليست ـ في الاطار المذكور آنفاً ـ "مبدئية عامة" او "نظرية"، لأن الحزب لم يقل في خطابه السياسي في المرحلة السابقة انه ضد بسط سيادة الدولة على ارضها، لكنه في المقابل كان يرفض انتشاراً للجيش يقود الى تحكيم اتفاقية الهدنة على جبهة الجنوب، وكان "يساجل" دفاعاً عن ثنائية المقاومة والجيش على ارض الجنوب مع رجحان كفة المقاومة في هذه الثنائية.
هل سيكون "الشيطان" في التفاصيل؟
ان الترحيب بموقف "حزب الله" في مجلس الوزراء واجب. وتأكيد جميع اللبنانيين على احتضان هذا الموقف واجب ايضاً، خصوصا انه لم يعط موافقته على نشر الجيش من موقع هزيمة عسكرية أمام العدو، بل من موقع صمود بطولي، ومن موقع "التكافؤ" في المعركة العسكرية.
طبعاً، من المبكر جداً الخوض في تحديد العوامل التي جعلت "حزب الله" يوافق على ما لم يكن يوافق عليه قبل 12 تموز. ومن المبكر ايضاً الجزم بأن مشكلات لن تبرز بعد هذه الموافقة ـ التي تبدو نهائية الآن ـ خصوصاً عندما يتم الدخول في التفاصيل، لا سيما المتعلقة منها باحتمال أن ينص القرار الدوليّ على انسحاب إسرائيلي متزامن مع تشكيل القوّة الدوليّة أو المتعلقة بالقوّة الدوليّة نفسها. كذلك، من المبكر الذهاب في التحليل بعيداً في غياب المعطيات الميدانية الكافية، وهي معطيات تلعب عادة دوراً مؤثراً على الموقف السياسي.
اللحظة الميدانية الامثل: الصمود والتكافؤ
بيد انه، وفي قراءة أولية للظرف السياسي، يمكن الاشارة الى عدد من المعطيات السياسية الوازنة والمؤثرة.
بداية، وبالصلة مع ما القول السابق ان "حزب الله" اعطى موافقته على نشر الجيش في الجنوب من موقع الصمود امام العدو والتكافؤ معه، يبدو ان اللحظة الحالية من الحرب، هي اللحظة "الامثل" لاعلان الحزب الموافقة على وقف الحرب، طبعاً اذا كانت شروط نهايتها مقبولة.
ذلك ان في مواصلة الحرب مجازفة بعدد من الامور: مجازفة بالتعرض لاختلال متفاقم في ميزان القوى العسكري، ومجازفة بنقل الحرب الى مرحلة تدميرية أشد، ومجازفة بالبلد ايضاً.
النقاط السبع تشق طريقها
والى كونها اللحظة "الأمثل" لإبداء الاستعداد لوقف الحرب، لا شك ان موقف الدولة، اي موقف الحكومة الذي يؤازره الرئيس نبيه بري بقوة، وأداءها السياسي ـ الدبلوماسي، لا غبار عليهما. وهذان الموقف والاداء يتيحان امكانية انقاذ البلد على قاعدة استرجاع الحقوق الوطنية من العدو وبدون تنازلات في السيادة الوطنية. وفي هذا المجال، ينبغي القول ان تعهد لبنان امام المجتمع الدولي بعدم العودة الى ما قبل 12 تموز ليس ثمناً سياسياً للعدوان ولا هو تنازل عن حق وطني.. انه موقف لبناني في الاصل، لا بل هو موقف لبناني "متأخر" بضع سنوات، وهذا ما يمكن ان يجري نقاشه تقويماً في مرحلة لاحقة.
في هذا المناخ، مناخ إمكان التوصل الى حل نهائي "متوازن" يحظى بموافقة اللبنانيين، يصعب تخيل "انتصار سياسي" أبعد من إمكان استنقاذ لبنان الكيان ولبنان الدولة، ولا يمكن لأي فريق لا سيما "حزب الله" أن يتجاهل هذا المعطى لانه بذلك يجازف بحاضنة لبنانية ليس لحرب يواصلها الحزب، بل لنقلة نوعية يحققها.
عزلةُ نظام دمشق عربياً
على ان ما يستدعي التوقف عنده ملياً يتعلق بالوضع العربي.
فبالاضافة الى ان "اللحظة الميدانية" هي الامثل لابداء الاستعداد لوقف القتال، والى ان النقاط السبع تشكل اساس تفاوض الحكومة مع المجتمع الدولي توصلاً الى "حل متوازن" يأخذ هذه النقاط في الاعتبار، الامر الذي يجعل لا افق لبنانياً لعدم توقف القتال، فإن ثمة في الوضع العربي تطوراً بارزاً خلال الايام الماضية.
لقد اظهرت "تجربة" اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت اول من امس ان النظام السوري معزول تماماً على الصعيد العربي، وان الدول العربية جميعها غير مستعدّة لـ"مسايرة" مزايدات هذا النظام، وتحمّل تبعات مزايداته.
ربّ قائل ان عزلة النظام السوري على الصعيد العربي ليست جديدة. هذا صحيح. لكن الأصح هو ان الدول العربية التي كانت "تأمل" في مرحلة من المراحل "فكّ" النظام في دمشق عن إيران، تبيّن لها انه بات كلياً مستتبعاً لطهران. وفي خضّم الحرب الدائرة على لبنان وفيه، ومنذ بدايتها، تصاعد الموقف العربي من سوريا التي لم تستطع اختراق المحصّلة العربيّة.
الموقف العربي: استعادة الصراع
مع إسرائيل من "الخطف" الإيراني
على ان البارز في الأيام الماضية، كان انتقال الوضع العربي إلى المبادرة حيال إيران، بمعنى المبادرة إلى استعادة القرار في ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل، من إيران. فقد كان "النظام العربي" يتابع منذ مدة غير قصيرة "تسلّل" إيران إلى الصراع العربي ـ الإسرائيلي من المداخل السورية والفلسطينية واللبنانية. وفي متابعته لهذا "التسلّل" الذي بدا من خلاله ان ثمة "خطفاً" إيرانياً لعناوين هذا الصراع، أبدى الوضع العربي صبراً كبيراً إلى أن كان 12 تموز الذي نظر إليه "النظام العربي" بوصفه حرباً إيرانية من إحدى ضفتيّها، من شأنها أن تدفّع الوضع العربي ثمناً باهظاً لحسابات إيرانية.. فنفد "الصبر العربي".
بهذا المعنى، فإن اجتماع وزراء الخارجية العرب أول من أمس، اجتماع لوضع اليد العربية على الموضوع برمّته. وفي هذا الاجتماع كانت الكلمة المميّزة لوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل التي دعت إلى استعادة القرار العربي من جهة ودعت إلى التضامن العربي على أساس مجموع "القرارات الوطنية" في الدول العربية من جهة ثانية. ولا شكّ ان القمة العربية الطارئة التي دعا إليها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز في مكّة المكرّمة، هي عنوان المبادرة العربية المتجدّدة، التي من شأنها إبعاد إيران عن "ملعب" الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
الحلّ اللبناني العربي يضغط على واشنطن
لا شكّ ان طهران خسرت الكثير سياسياً في لبنان وفي العالم العربي، وهذا معطى سياسي شديد الأهمية. وأهمية الموقف العربي، بما هو كل الدلالات الآنفة، ليست فقط في دعمه للبنان ونقاطه السبع، بل في كونه بانطلاقه إلى المبادرة مجدّداً، يدخل الآن عاملاً مؤثراً في الحلّ الجاري البحث فيه للحرب في لبنان. انه يدخل بقوّة على خطّ المعالجات، واللافت فيه انه يستطيع أن يكون ضاغطاً على الولايات المتحدة في ما يتجاوز "المسألة اللبنانية". وكما قال وزير لبناني بارز في تشاور معه أمس، فإن الولايات المتحدة لو سارت بالنقاط السبع التي تحظى بالإجماعين اللبناني والعربي، لاستطاعت أن تعتمدها نموذجاً للحلول في أمكنة أخرى، لا سيما على صعيد "المسألة الفلسطينية".
هل أن المعطيات المطروحة آنفاً، ميدانياً ولبنانياً وعربياً، شكّلت عوامل مؤثّرة في قرار "حزب الله" الموافقة على نشر الجيش كنقطة بداية وليس كنهاية؟
الجواب عن هذا السؤال معلّق على ما ستحمله الساعات وليس الأيام المقبلة من تطورات. بيد ان تعليق الجواب لا يمنعُ من التأكيد على ايجابية توجه "حزب الله" معبّراً عنه في موقفه الأخير في مجلس الوزراء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00