لم يكن ثمة ما يدعو الى التفاجؤ في مشروع القرار الأميركي ـ الفرنسي المقدّم الى مجلس الأمن، لجهة الخلل الواضح في توازن النصّ. وإذا كان مما لا شكّ فيه أن النصّ أقرب الى وجهة النظر الأميركية ـ والإسرائيلية ـ منه الى وجهة النظر الفرنسية، فممّا لا شك فيه أيضاً أن "الأصل" في الموضوع هو أن المجتمع الدولي على الرغم من "التلاوين" المختلفة في مواقف أطرافه، قد وضع الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ الأساس في خانة "الحرب الدفاعية" في مواجهة "حزب الله"، وأسندها الى قرارات دولية لا سيما القرار 1559.
الضدّ يُظهر حسنه الضدُّ
هذا المعطى الذي لا بد أن يكون حاضراً لدى مقاربة محصّلة الموقف الدولي بالنسبة الى وقف الحرب على لبنان، لا يُلغي حقيقة أن الفائدة السياسية المتحقّقة من إعلان مشروع القرار ومن طرحه للنقاش، هي "تصاعد" التمسك اللبناني بالنقاط السبع التي سبقَ للرئيس فؤاد السنيورة أن طرحها أساساً لحلّ شامل للمسألة اللبنانية ـ الإسرائيلية، لكأنه كان ضرورياً أن يرى الفرقاء في لبنان بـ"أمّ العين" ما يمكن أن يذهب إليه المجتمع الدولي في قراراته ليقرّروا التمسّك بخطة الرئيس السنيورة واعتبارها "متقدّمة" فضلاً عن كونها حافظةً للمصلحة والوحدة الوطنيّتين.
إذاً، حسناً فعلَ مجلس الوزراء في جلستِه أول من أمس إذ ردّ على مشروع القرار بإعطاء دفعة لبنانية جديدة للنقاط السبع، وحسناً فعلت الحكومة في تسجيل تحفّظها على عدد من بنود المشروع ومبادرتها الى إرسال اقتراح بتعديلات لا سيما في ما يتّصل بوجوب أن ينصّ القرار الدولي الجديد على انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي الى ما وراء الخطّ الأزرق، على اعتبار أنه إذا كان المجتمع الدولي يريد من لبنان عدم العودة الى ما قبل 12 تموز، فإنه لا يمكنه أن يرفض عودة إسرائيل الى ما قبل 12 تموز أيضاً.
فرنسا منفتحة على الاقتراب من النقاط السبع
ثمة فرصةٌ وإمكانية لتعديلات على بنود مشروع القرار، من أجل النصّ الصريح على وقف إطلاق النار أي وقف العدوان من ناحية وعلى انسحاب إسرائيل الى خلف الحدود الدولية للبنان من جهة أخرى.
فبالنسبة الى هذه الإمكانية، تؤكد المعلومات أن فرنسا، الشريك الآخر في صياغة مشروع القرار، تعتبر المشروع مجرّد نقطة انطلاق في سياق عملية سياسية متكاملة وانها مستعدّة من خلال المشاورات المكثّفة التي تجريها مع أعضاء مجلس الأمن، لإدخال تعديلات على المشروع بما "يقرّبه" أكثر من التصوّر اللبناني المبنيّ على النقاط السبع. وتفيد المعلومات في هذا المجال، أن الديبلوماسية الفرنسية التي تعتبر مشروع القرار المقدّم في صيغته الراهنة، نقطة انطلاق وحسب، إنما وافقت عليه كمحطّة أولى من أجل "جذب" الديبلوماسية الأميركية الى دائرة الشروع في البحث عن الحلول الديبلوماسية والسياسية بحيث لا تبقى واشنطن سائرةً على إيقاع حرب "مفتوحة". وهذا هو المعنى الفعليّ لكلام الرئيس جاك شيراك امس عندما اكد على اهميّة الأخذ بالاعتبارات اللبنانية، الامر الذي له ترجمة واحدة: لن توافق فرنسا على حلّ غير قابل للتطبيق لبنانياً.
لا يمكن البقاء عند حدود اعتبار
النقاط السبع مبادئ عامة
على أن إمكانية إدخال تعديلات على مشروع القرار، تتطلّب ليس فقط تأييد الفرقاء اللبنانيين، لا سيما "حزب الله"، للنقاط السبع، بل تعزيزاً لبنانياً للقدرة التفاوضيّة للرئيس السنيورة، ودعم تفويضه من دون أي تحفّظات.
لقد جرى التعاطي حتى الآن مع النقاط السبع بوصفها ورقة "مبادئ عامة"، وتحت هذا العنوان جرت صياغة تحفّظات من هنا وإشكاليّات من هناك وتفاصيل معيّنة من هنالك. وغنيّ عن القول إن النقاط السبع تحتاج الى قوة دفع أساسية تجعلها ذات دينامية فاعلة ومؤثّرة. فيجب أن يكون رئيس الحكومة قادراً على التفاوض مع المجتمع الدولي بكلام يتجاوز "المبادئ العامة"، وألاّ يكتفي بالاعتراض على هذه النقطة أو تلك ممارساً الديبلوماسية "المتحفّظة". لذلك، يجب أن يكون الرئيس السنيورة قادراً على مخاطبة العالم بأن لبنان بإجماع مكوّناته لن يقبل العودة الى ما قبل 12 تموز من جهته، أي أن يبلّغ العالم بالأفق "الأخير" للموقف اللبناني، لا أن يبقى هذا الأفق "الأخير" ضبابياً.
لا بدّ من إقرار عدم العودة الى قبل 12 تموز
وعدم العودة لبنانياً الى ما قبل 12 تموز يعني أموراً محدّدة، لكن أبرز ما يعنيه هو العودة الى تحرير العام 2000، حيث "كان" يجب منذ ذلك التاريخ أن تبسط الدولة سيادتها كاملة على كامل الأراضي اللبنانية وأن تكون حصريّة السلاح على كامل التراب الوطني اللبناني للدولة وحدها، وأن تتابع مسألة مزارع شبعا والأسرى في السجون الإسرائيلية على النحو الذي عاد مؤتمر الحوار الوطني بعد ست سنوات الى مقاربته.
الآن، وكي يستطيع السنيورة أن يصرخ، يجب أن يمتلك قدرة الصراخ. وكي يمتلك قدرة الصراخ يجب أن تكون في يده الورقة السياسية المستقبلية الأهم: لا عودة بالمطلق الى ما قبل 12 تموز.
الخطورة بين قرار دولي مجحف وبين المغامرة بالبلد
والخطير في الأمر إذا لم يحصل السنيورة على هذه الورقة السياسية، ليس فقط انه لن يستطيع التأثير في المحصّلة الدولية التي لا تزال على الرغم من اختلالها تعطي لبنان الكيان ولبنان الدولة حيّزاً من اهتمامها، انما الأشدّ خطورة نتيجة لذلك أن يصدر قرار دولي مجحف بحق لبنان.
وأن يصدر قرار دولي مجحف، يعني صدور قرار لا يطبّق مما سيطيل أمد الحرب، لكنه يعني ان لبنان الدولة الذي لا يستطيع أن يرفض قراراً دولياً عندما يصدر سيواجه أمرين لا يقلّ واحدهما خطورةً عن الآخر. الأول "خسارة" موقعيته لدى المجتمع الدولي، والثاني هو المجازفة بسقوط الدولة نهائياً. والحال، ان لبنان بحكومته لا يمكنه إعلان رفض قرار دولي، ليس لان في هكذا رفض تعارضاً مع تاريخ لبنان في علاقته بالمجتمع الدولي، بل لان الرفض سيعني إعلاناً من قبل الحكومة للحرب واشتراكاً رسمياً فيها، وتلك مغامرة بالبلد كي لا يُقال أكثر.
في "حقائق" ميزان القوى:
حرب من فوق الاجتماع اللبناني
وكي تكون الصورة أكثر اكتمالاً، لا بدّ من طرح عدد من النقاط التي تتصل جميعاً بـ"حقائق" ميزان القوى وليس بالمبالغات أو الأوهام حول ميزان القوى. ذلك انه إذا كان ثمّة اقتناع لدى أحد بأن الأفق مفتوح أمام تغيّر في ميزان القوى فيما لو استمرت الحرب مفتوحة، فهو يخطئ التقدير السياسي.
لا شكّ أولاً ان الحرب الدائرة الآن، من ضفّتها اللبنانية، انما هي حرب "فوق" الاجتماع اللبناني، "الاجتماع الاجتماعي" و"الاجتماع السياسي" اذا جاز التعبير، فضلاً عن كونها حرباً "فوق" الدولة.
وإذا كان من نافل القول ان الصمود البطولي لحزب الله خلال الأسابيع الأربعة الماضية يُعدّ انتصاراً على آلة الحرب الإسرائيلية، فإن من نافل القول أيضاً ان هذا الانتصار سيكون عرضة للتبديد فيما لو طالت الحرب أكثر، لأن ما معنى أن يكون الحزب منتصراً إذا كان البلد مهزوماً بمقوّماته وعوامل وجوده وبقائه؟
للحرب المفتوحة قابلية التحوّل
الى فوضى أهلية
ولا شك ثانياً، ان حرباً "فوق الاجتماع اللبناني" وبمعزل عنه، تملك في أي لحظة "قابلية" التحول إلى "فوضى أهلية"، حتى ولو كانت حرباً بعنوان مواجهة إسرائيل ومقاومتها. وهذا الأمر يتعلق مباشرة بطبيعة التكوين اللبناني، ممّا يجعل ما يحصل الآن وما يمكن أن يحصل لاحقاً "غريباً" أو "مستغرباً" إذ تدور حرب شاملة معنونة باسم العرب والأمة، في أضعف حلقات الوضع العربي منظوراً الى هذه الحلقة من زاوية التكوين اللبناني.
وهنا، لا بدّ من تدقيق إضافي. فالقول ان لبنان ليس أضعف حلقات الوضع العربي بدليل ان مقاومة إسلامية نشأت على أرضه، وليس هذا فقط بل مقاومة نجحت في طرد الاحتلال الإسرائيلي عن أرضه وبلا ثمن سياسي، ان هذا القول لا يردّ على الفكرة المطروحة. فأن تنشأ مقاومة منتسبة الى إحدى مكوّنات الاجتماع اللبناني "الضعيف" وتحظى بالتضامن القسري أو الإرادي من جانب هذه المكوّنات في مرحلة معيّنة، شيء، وأن تغدو المقاومة هي "الدولة العسكرية" التي تخوض "الحرب" على "مسرح جغرافي" مفتوح شيء آخر.
الدول العربية حدّها الأقصى النقاط السبع
..ثم لا شك ثالثاً أن للموقف العربي، أي لمحصّلته حدوداً، والحد الأقصى للموقف العربي هو مبادرة الرئيس السنيورة. ولقد اعتبرت أكثرية الدول العربية أن الحرب الدائرة في لبنان منذ 12 تموز الماضي، لا علاقة لها بمسار الصراع العربي ـ الاسرائيلي، أي انها ليست حرباً عربية ـ اسرائيلية، ولا هي حرب لبنانية ـ اسرائيلية ولا هي حرب فلسطينية ـ اسرائيلية إلخ... بل هي حرب بالنيابة عن آخرين من ضفتيها. وفي جانب رئيسي من رؤية أكثرية الدول العربية الى الحرب، ثمة ما هو "حقيقي"، والأهم ان هذه الرؤية ترسم حداً للتعاطي العربي وللتعامل مع المخارج.
إذاً، في عملية استعراض سريع، يتبيّن أن لا أفق مفتوحاً على تغيّر ميزان القوى لو طالت الحرب. ويتبيّن أن الموافقة على وقفها، طبعاً من ضمن شروط الحل اللبناني المقترح، ضرورية الآن قبل الغد، لأن توقيفها من ضمن هذه الشروط أو "ما يقترب" منها، لا يزال يشكل فرصة لإنقاذ البلد والدولة من الضياع، و"توسع الحرب" إن حصل يهدد بإغراق لبنان أكثر وأكثر.
من هنا، وعوداً على بدء، لا مجال لوقف حرب التدمير بتعديل مشروع القرار المقدّم الى مجلس الأمن لصالح لبنان الكيان ولبنان الدولة إلا بإجماع لبناني على عدم العودة الى ما قبل 12 تموز، ووضع الآليات التنفيذية لهذا العنوان لاحقاً. وأكثر من ذلك، يمكن القول ان ما أنجزه "حزب الله" صموداً في وجه الغزوة الاسرائيلية، لا يمكن صرفه سياسياً إلا بالانضمام الى جهود إنقاذ لبنان.
"ثنائي الدولة" برّي والسنيورة
ولا مفرّ في نهاية هذا التحليل، من التنويه بالدور الذي يضطلع به الرئيس نبيه بري في تكوين الاجماع اللبناني أولاً وفي دعم الدولة ثانياً، إنقاذاً للبنان من حرب التدمير أساساً، إذ انتقل من مجرد كونه رئيساً لمجلس النواب او مديراً للحوار الوطني الى العمل في "حياكة" مشاريع الحلول الانقاذية. وليس ذلك غريباً عن الرئيس بري "الوارث" لفكر الامام موسى الصدر حول نهائية الكيان وموقع الشيعة في الدولة، وهو لذلك يشكل اليوم مع الرئيس السنيورة "ثنائي الدولة".
فليكن جميع الفرقاء اللبنانيين على مستوى الشجاعة في هذه الساعات المصيرية، وليقلّلوا من الاستماع الى "عنتريات" وليد المعلم الذي تعوّد النظام الذي يمثله على أن يكون شريكاً في الربح وغير معني بالخسارة. وغني عن القول ان دماء الشهداء لا تُهدر عندما يستعيد لبنان دولته.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.