من الواضح أن ما قاله الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في إطلالته المتلفزة أول من أمس، صحيحٌ مئة في المئة حولَ المعطيات الميدانيّة. ذلك أنه بعد تسعة عشر يوماً من العدوان، لم تستطع إسرائيل تحقيق أيّ إنجاز عسكريّ على الأرض، على اعتبار أن التدمير الذي أصاب البلد ليس إنجازاً في أيّ حال من الأحوال. وأكثر من ذلك، فإن المجزرة الإسرائيلية في قانا أمس، والأكثر وحشيةً من مجزرة العام 1996، في البلدة الجنوبية الصامدة نفسها، تعبّر عن مأزق عسكري إسرائيلي أكيد.
المجزرة نقطة تحوّل
ومن دون أدنى شك، تمثّل مجزرة قانا نقطة تحوّل في مسار الحرب الإسرائيلية على لبنان. فقد نفذت إسرائيل هذه المجزرة بوجود وزيرة الخارجية الأميركيّة كوندوليزا رايس في إسرائيل، وكانت لها مفاعيل سياسيّة مباشرة. فالوزيرة الأميركية "أُحرِجت" حتى لو أنها إكتفت بإعلان أن "الوقت حان لوقف إطلاق النار". وعلى المستوى الدولي، اكتسب الموقف الداعي إلى وقف فوريّ لإطلاق النار مزيداً من القوّة والحجة، الأمر المرجّح أن يُترجم في اجتماع مجلس الأمن في الساعات القليلة المقبلة، في ظل موقف فرنسي ـ أوروبي ملحّ على هذا الأمر. وعلى الصعيد الدولي أيضاً، برز اتساع دائرة احتجاج الرأي العام في العديد من الدول على العدوان، على خلفية المجزرة الجديدة في قانا.
وفي لبنان، كانَ من مفاعيل المجزرة أن زادت من "درجة" التضامن الوطني حيال الحرب الإسرائيلية، الأمر الذي تجلّى أكثر ما تجلّى في السياسة، بالموقف الموحّد الذي أعلنه رئيسا مجلس النواب ومجلس الوزراء نبيه برّي وفؤاد السنيورة ومجلس الوزراء من بعدِهما، في نقطتين رئيسيتين: الأولى في إعلان عدم الاستعداد لاستقبال رايس، والثانية إعلان أن الوقت ليس للكلام في أيّ شيء سوى بوقف فوري غير مشروط لإطلاق النار.
والمهمّ لبنانياً أيضاً أن الموقف الذي اتخذه السنيورة شكّل تموضعاً جديداً، إذ وضع الحكومة اللبنانية في المواجهة مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية ووضع يد الحكومة على "الملف" السياسي بكامله.
في ضوء هذه المقدّمات، يمكن الاعتقاد أن قراراً دولياً بوقف إطلاق النار يمكن أن يكون وارداً. وبكلام آخر، يمكن الاعتقاد أن ثمة إمكانيّة في المرحلة المباشرة لتحقيق نوع من التوازي بين وقف إطلاق النار من جهة وبين شروطه السياسية من جهة أخرى.
وقف فوريّ للنار.. لكن بقاعدة سياسية
بيدَ أن ذلك، على ما فيه من "منطق" يحتاج إلى الإضاءة على عدد من الأمور.
ذلك أن تسليم إسرائيل ـ والولايات المتحدة ـ بوقف إطلاق النار بدون برنامج يتضمّن شروطه السياسية، يعني أن ثمة هزيمةً إسرائيلية ـ وأميركية ـ في الحرب المستمرّة منذ نحو ثلاثة أسابيع. فأن تكون مجزرة قانا أحدثت تحوّلاً في مسار الأحداث شيء وأن تقرّ إسرائيل بأنها هزمت بعجزها عن تحقيق أيّ إنجاز عسكري فترضى بوقف للنار من دون شروط، شيء آخر.
فقبل مجزرة قانا، كان مؤكداً أن المعطيات الميدانية بالرغم من "حقيقة" أن إسرائيل لم تحرز أيّ مكسب عسكري، لا تدفع حكومة إيهود أولمرت إلى التسليم بوقف الحرب، وأن الحكومة الإسرائيليّة ستحاول حكماً البحث عن تكتيكات عسكرية مختلفة وستحاول مواصلة الحرب باستهدافات جديدة، وأنها لن تكتفي بما حصل حتّى الآن.
معنى ذلك، أن وقف إطلاق النار بـ"قوّة" مجزرة قانا، لن يكون مقبولاً إسرائيلياً على قاعدة توازن القوى الميداني حيث لا هزيمة لحزب الله ولا انتصار إسرائيلياً، أي لن يكون مقبولاً إسرائيلياً وأميركيّاً بدون "قاعدة سياسيّة"، وعندئذ فمن المرجّح أن دورة جديدة من التصعيد الإسرائيليّ ستحصل. وعليه، فإن كلام كوندوليزا رايس عن أوان وقف إطلاق النار، على الأرجح أنه ليس مفصولاً عن الشروط السياسيّة بالرغم من أن رايس لم تقل ذلك حرفياً في لحظة حرج كبير من الجريمة الإسرائيلية في البلدة الجنوبيّة الصامدة.
قانا 2006: جريمة إسرائيلية لكسر توازن القوى
إذاً، إن المرور باحتمال وقف "غير مشروط" للنار هو مرورٌ باحتمال "نظريّ" ليتمّ استبعاده بالمنطق التحليلي البحت. ذلك أن الفارق كبير جداً بين "مفعول" مجزرة قانا في العام 1996 حيث أدّت هذه الجريمة مع عوامل عدّة أخرى إلى إنتاج "تفاهم نيسان" وبين المجزرة اليوم في سياق حرب إسرائيلية ـ دولية ـ اقليمية على أرض لبنان. والأهم والأخطر هنا، هو أن إسرائيل ارتكبت هذه المجزرة عن عمد لكسر توازن القوى الذي كان قائماً قبلها، وهذا ما يجب الانتباه إليه جيّداً. والمقصود هنا أن الجريمة الإسرائيلية ضدّ المدنيين تدخلُ في حساب عسكري ـ سياسي بالنسبة الى إسرائيل.
نصرالله لم يعلن التوجّه الى تسوية
في هذا الإطار، وبالعودة إلى الكلمة المتلفزة للسيّد نصرالله أول من أمس، يمكن تسجيل ملاحظة سياسيّة رئيسيّة.
في اعتقاد العديدين ممّن تابعوا هذه الكلمة باهتمام شديد أنه كان يمكن للسيد نصرالله بعد أن عدّد مناحي الفشل الإسرائيلي بمرور نحو ثلاثة أسابيع على العدوان وبعدَ أن طمأن اللبنانيين الى المستقبل، أن ينهي كلمته، بالتأسيس على قراءته لتوازن القوى، بالانفتاح على التسوية السياسيّة التي توصّل مجلس الوزراء بمشاركة ممثّلي "حزب الله" إليها، أي أن يبادرَ إلى تبنّي التسوية وعرضها من موقع "المقتدر"، أي من الموقع "غير المهزوم".
بيدَ أن السيّد لم يفعل. وفي تقدير المتابعين أنه لم يفعل، ليس بالضرورة لأنه غير موافق على الخطوط العامة للحل المقترح مِنْ قِبَل الرئيس السنيورة، وليس لأن ثمّة مناورةً سياسية في موافقة وزراء الحزب عليها في مجلس الوزراء، بل على الأرجح أن السيد حسن نصر الله لم يفعل لأن في تقديره أحَدَ ثلاثة احتمالات: إما أنه يقدّر أن توازن القوى سوف يزداد تحسناً ضدّ إسرائيل، وإما أنه يمتلك معطيات عن احتمال دخول عوامل جديدة مؤثرة في مجرى الأحداث من نوع إمكان توسّع رقعة المواجهة إقليمياً... وإما أنه يعتقد أن إسرائيل سترفض الحلّ المقترح لبنانياً والمؤيّد عربياً والمدعوم من عدد من الدول الكبرى، وأن لا داعي تالياً لإعلان موقف سترفضه إسرائيل.
...وأبقى الأمور مفتوحة
لذلك، يعربُ العديد من المتابعين عن اعتقادهم أنه كان بإمكان نصرالله أن يقرنَ التقويم الذي أجراه للوضعَين الميداني والسياسي بـ"مبادرة" سياسية، كانت لو أطلقها ستحصّن الموقف اللبناني ككلّ وكانت ستدعّم الحل اللبناني وتحسّن شروطه.. والأهم أنها كانت ستؤثّر تأثيراً مباشراً في المواقف الخارجية ـ العربية والأوروبية خصوصاً ـ لتجعلها أكثر قدرةً على الضغط على إسرائيل.. ولكانت فوقَ هذا وذاك ستعطي نصرالله انتصاراً سياسياً هو في الوقت نفسه انتصار سياسي للبلد. وعلى الأرجح أن عدم إتيان السيد على هكذا "مبادرة" سياسية ليس "هفوة" بل هو ناجمٌ عن اقتناع بأن الفرصة متاحة لتوازن قوى أفضل فيما لو تواصل القتال.. وهذا ما يحتاج إلى نقاش وتدقيق، مِن منطلق المعرفة بأن إسرائيل وأميركا لن تسلّما بالنتائج "الحالية" وسوف تسعيان إلى تغييرها مما سيُطيل أمد الحرب.
بين المقاومة والحكومة في خطاب نصرالله
على أن كلام نصرالله الذي يحتاجُ إلى نقاش في عدد آخر من جوانبه السياسية، لا سيما في جوانبه اللبنانية الداخلية، مما سيكون له وقتٌ آخر بالتأكيد، أثار نقطةً لا بد من التوقف عندها، خصوصاً أنها "تدعم" الاستنتاجات السابقة.
من الواضح أن نصرالله، وهو "قائد المعركة" من الضفّة اللبنانية، خاطبَ الحكومة اللبنانية ودعاها إلى التماثل مع "صمود المقاومة وصمود الجنوبيين وصمود النازحين". وفي هذا الكلام "المفهوم" تماماً مِن زاوية التشديد على وحدة الموقف اللبناني، ثمّة ما ينطوي على نظرة يبدو أنها قائمة على معادلة معيّنة في نظر الأمين العام لحزب الله، هي الآتية: المقاومة هي التي تقود في الميدان وفي السياسة معاً بمعنى أنها تحدّد "الاتجاه السياسي"، وعلى الحكومة أن تكون "منسجمة" مع المقاومة، أي أن ثمة فارقاً بين الكلام عن "تناغم" أو "تكامل" بين المقاومة والدولة وبين الكلام عن تماثل وتطابق، وهذا أمر بحاجة الى المتابعة والحوار لاحقاً.
واللافتُ في الأمر، أن هذا الكلام للسيد نصرالله "يسقط" في لحظة سياسية، من الواضح فيها أن حضور الحكومة ـ أي الدولة ـ على مستوى الصراع السياسي ـ الديبلوماسي يشكّل عاملَ قوة للبلد. وهذا ما أثبتته تطوّرات الأيام الماضية، منذ مؤتمر روما تحديداً، حيث كان لهذا الحضور المقترن بخطة للحل، تأثيره الكبير على الحركة السياسية حول لبنان، وحتى على الموقف الأميركي نفسه، حيثُ لم تستطع كوندوليزا رايس في مستهلّ "عودتها" الثانية إلى المنطقة أن تتجاهله، و"اضطرّت" إلى الإشادة به، بالضبط لأنه "مُحرج".
فرصةُ أساسٍ ثابت لوقف النار
إذاً، وبالعودة إلى نقطة انطلاق هذا التحليل الذي يلتقي حوله عديدون، أي انطلاقاً من مجزرة قانا، يمكن القول أن هذه الجريمة الإسرائيلية البربرية يمكن أن تكون محطة تحوّل. وثمة احتمال كبير لأن يلقى الطلب اللبناني وقف إطلاق النار تجاوباً دولياً.
غير أنه إذا كان يصحّ الاعتقاد أنه يُمكن صدور قرار عن مجلس الأمن يدعو إلى وقف إطلاق النار، فإنه ينبغي في الوقت نفسه توقّع أن يصدر مجلس الأمن بنوداً سياسية لجعل وقف إطلاق النار ثابتاً من وجهة نظر الأسرة الدولية.. أي أنه لا "يحقّ" لأحد الظنّ بإمكان صدور قرار دولي بوقف النار يترك البحث في الأسس السياسية إلى وقت لاحق. قد يراعي المجتمع الدولي لبنان بقرار يحقّق نوعاً من التزامن بين "العسكري" و"السياسي"، لكنه لن يفصل الأمرين بالمطلق.
وهنا سيكون المحكّ.. أي أن ثمة فرصةً لإنهاء الحرب الإسرائيلية على شروط سياسية يسمح بها توازن القوى الراهن، أي شروط سياسية تجمع بين استعادة لبنان حقوقه من ناحية وبين التزاماته حيال المجتمع الدولي وقراراته من ناحية أخرى. وتبديدُ هكذا فرصة من أي مدخل كان، سيكون خطيراً جداً، لأنه سيسمح لإسرائيل "المشوّهة" حالياً بارتباكها العسكري وبمجزرة قانا، بأن تقلب الصفحة وتواصل الحرب باستراتيجيات جديدة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.