8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا مخرج بعد الآن الا التسليمُ بالدولة


الإشادة بالبطولات والصمود
بداية، وفي مرور "سريع" على التطورات الميدانية للمواجهات الدائرة بين "حزب الله" والقوات الإسرائيلية المعتدية الغازية، كان إجماعٌ في هذه الجلسة على الإشادة ليس فقط بالبطولات والتضحيات التي يقدمها مقاتلو الحزب على أرض المعركة كما في مارون الراس وبنت جبيل حيث ألحقوا خسائر جسيمة بالعدو، لعلها ـ أي الخسائر ـ هي العامل الرئيسي في القرار الإسرائيلي بعدم "توسيع" نطاق الهجمات البرية في جنوب لبنان، لكن كان إجماعٌ ايضاً وأساساً على التنويه بالصمود الذي أبدته قيادة الحزب وفي مقدمها الأمين العام السيد حسن نصرالله تماشياً مع الصمود الملحمي التاريخي لأهل الجنوب الذين "كُتب" عليهم ان يشكلوا تاريخياً خط المواجهة الأول مع "المشروع الصهيوني".
هذه المقدمة ليست مسايرة لأحد، بل تعبر تعبيراً صادقاً عن وجدان هؤلاء الشيعة المستقلين في الجلسة، وعاطفتهم وعن ايمانهم بقدرة هذين البطولة والاستبسال على إلحاق هزائم بإسرائيل، علماً أن التحرير في العام 2000 كان المثال الحي على هذا الاستنتاج.
غياب الدعم السوري... ونظرية "حرب العصابات"
في امتحان عسير
بعد ذلك، مرّ المشاركون في "الجلسة الشيعية" على نقطتين في "الوضع المباشر". لم يستطيعوا إلا أن يسجلوا حقيقة أن "حزب الله" يقاتل منذ نحو أسبوعين وحيداً، وفي غياب أي مشاركة سورية تؤدي الى تخفيف "الحِمل" عن الحزب، لا سيما ان التقدير السياسي لدى السيد حسن نصرالله كما بدا في كلمته المتلفزة مساء الثلاثاء، يقوم على أن الحرب على لبنان من ضفتها الإسرائيلية هي حربُ "الشرق الأوسط الجديد" أي المشروع الذي يستهدف المقاومتَين اللبنانية والفلسطينية، وكلاً من سوريا وإيران . ولم يستطع المشاركون في هذه "الجلسة الشيعية" ثانياً إلا أن يسجلوا حقيقة أن المقاومة التي يسميها الزميل جهاد الزين "حرب عصابات" كانت كذلك بالفعل، وهي كذلك الآن في الجنوب، لكن هذه "الميزة" لن تعود موجودة بعد الآن، اي بعد توقف القتال على أساس "حل سياسي" مقبول. ذلك ان المقارنة التي كان يجريها السيد نصرالله لإقناع مؤتمر الحوار الوطني بالاستراتيجية الدفاعية التي يقترح، قامت بشكل رئيسي على المفاضلة بين أسلوب "حرب العصابات" والأسلوب "النظامي" لصالح الأول تحت عنوان أن إسرائيل عاجزة عن قتال المقاومة "التي لا تُرى ولا قواعد ثابتة لها" فيما يسهل عليها قتال الجيش "المرئي".. خاصة إذا كان الثمن تدمير البلد بالكامل حيث لا تعود الميزة ميزةً.
الصدر والسلم الأهلي وشمس الدين
و"الوطن النهائي لجميع أبنائه"
على أي حال، ومع تسجيل هاتين النقطتين، انتقل المشاركون في "الجلسة الشيعية" إلى عناوين أخرى بدت أكثر أهمية من زاوية نظرهم، وهي عناوين تتعلق بمجملها بالشيعة والكيان والشيعة والدولة.
في الفكر الشيعي اللبناني، ثمة ما هو مسلَّم به للإمام المغيَّب السيد موسى الصدر. فهو الذي نبّه مبكراً من خطر الحرب الأهلية في الكيان اللبناني، ومن خطر أن تكون الحرب الأهلية "ملازمة" لهذا الكيان، كانت له مقولة شهيرة جداً: إن السلم اللبناني الداخلي هو أقوى سلاح في وجه إسرائيل.
والى ذلك، يؤكد الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين في كتابه "الوصايا" أنه اتفق مع الإمام الصدر في العام 1976، أي في "عزّ" الحرب اللبنانيّة على صياغة محددة تقول إن "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه". وهذه الصياغة وردت في وثيقة أصدرها "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" في العام 1977، قبل أن تُدرج في "وثيقة الثوابت الإسلامية العشرة" في العام 1983، والتي أعلنها مفتي الجمهورية الراحل الشيخ حسن خالد. ويصف الإمام شمس الدين مقولة "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه" بأنها من "إنجازات الفكر الشيعي اللبناني".
كذلك، وفي خضم الحرب اللبنانية، أعلن الإمام شمس الدين رفضه والشيعة إعادة بناء الدولة بعد الحرب على قاعدة الغلَبة. ولم تقف مساهمات شمس الدين عند هذه الحدود. ذلك أنه قام بجهود كبيرة لدى الشيعة في الأقطار العربية الأخرى، فدعاهم الى الاندماج في مجتمعاتهم ودولهم وإلى "ألا يخترعوا لأنفسهم مشاريع خاصة"، منطلقاً في ذلك من إيمان عميق بالمجتمعات المتنوّعة والتعدّديّة.
طبعاً، كان يمكن لـ"الجلسة الشيعية" أن تتحول إلى محفل أكاديمي أو فقهي بأن تسترسل في العودة إلى فكر الصدر وشمس الدين، لكنها اعتبرت أن في ما تم استذكاره من مقولات تنتسب الى الفكر الشيعي اللبناني المعاصر ما يكفي للدلالة على الوعي الشيعي لمسألتي الكيان والدولة.
عروبة الشيعة اللبنانيين: النجف وتعدّد مراجع التقليد
وفي سياق متصل، لفتت نقاشات الجلسة إلى أمر في غاية الأهمية أيضاً، يتعلق بـ"عروبة" الشيعة اللبنانيين. فالشيعة اللبنانيون تاريخياً مقيمون على مبدأ تعدّد التقليد وليس "ولاية الفقيه"، وهم تاريخياً أيضاً نجفيّو الهوى. و"النجفية" هنا تعني العروبة والإسلام العربي، أي أن الشيعة اللبنانيين رفضوا في التاريخ "حصرية" التقليد و"ولاية الفقيه". وثمة في "الجلسة الشيعية" من ذكّر المشاركين بأن قُمّ كانت تاريخياً بالمعنى الثقافي تابعة لجبل عامل في الجنوب اللبناني، لا بل إن الشيعة اللبنانيين هم الذين درّسوا الإيرانيين التشيُّع.
فضل الله والتناقض "السياسي" مع إيران
وفي هذا المجال، أي مجال الحديث عن "لبنانية" الشيعة وعروبتهم، لا يمكن إغفال حقيقة أن المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله، وبالرغم من "مواكبته" للجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أنه في السياسة وصل مع إيران إلى تناقض حاد عكَس في وجه رئيسي من وجوهه "الحساسية" بين "التشيّع العربي" و"التشيّع الإيراني".
إن استعراض "الجلسة ا لشيعية" لهذه "المقتطفات" من الفكر الشيعي اللبناني ومراجعه الكبيرة، لم يكن بغاية "الترف" الفكري. انه الممر نحو استنتاجات سياسية رئيسية.
التحرير عام 2000 "ولبنانية الإنجاز"
ومحطة ثالثة للكيان
فالشيعة في لبنان، بالصلة مع ما قاله وكتبه مراجعهم "لبنانيون" و"عرب". وذروة "اللبنانية" في دورهم وأدائهم كانت في 25 أيار 2000، بإنجاز التحرير. واللبنانيون من كل الطوائف والبيئات اعتبروا أن الكيان اللبناني في تشكُّله واستقلاله مر في ثلاث محطات: محطة العام 1920 وإعلان لبنان الكبير ودور الموارنة فيه. محطة العام 1943 وإعلان استقلال لبنان بحدوده القائمة ودور السنة فيه. ومحطة العام2000 والإسهام الشيعي الكبير في استقلال لبنان بتحريره من الاحتلال الإسرائيلي. وبالإضافة إلى هذا "التأريخ" الذي يجعل من الشيعة في لبنان طرفاً أساسياً في "الشراكة الاستقلالية"، فإن كثيراً من اللبنانيين، مفكّرين وسياسيين، تقديراً منهم لهذا الإنجاز، رفعوه الى مرتبة "ميثاقية" واقترحوا إدراج الإنجاز في الميثاق الوطني. وإذا كان إنجاز العام 2000 يُسجل للشيعة عموماً، فإن الشيعة الذين حقّقوه كانوا من جميع الاتجاهات، إذ بدأت المقاومة مع شيعة "يساريين" وشيعة "وطنيين" وأُتِمّ الإنجاز على يد "شيعة حزب الله". ولم يمانع أحد في تسجيل الإنجاز في خانة "حزب الله" الذي قدم التضحيات الأكبر والأكثر.
إذاً، حقق "حزب الله" في العام 2000 إنجازاً لبنانياً كبيراً. وفي تقدير المشاركين في "الجلسة الشيعية" أنه كان على "حزب الله" ومنذ ذلك التاريخ أن يحسب أن ما بعد الإنجاز متغيرات، أي أن يثمّر ما تحقق في مشروع الدولة.
المصادرة السورية
بيد أن ذلك لم يحصل، واستمر الحزب يُعمِل "الشروط" السابقة على المرحلة الجديدة. ولعله لهذا السبب ارتدت المقاومة بعد العام 2000 بعداً إقليمياً "فوق لبناني"، أي أن إشكالية المقاومة "الإسلامية اللبنانية" بدأت من اللحظة التي باتت فيها "فوق لبنانية".
حصل ذلك من زاوية نظر "الجلسة الشيعية" في ظرف سياسي لبناني هو ظرف الوصاية المفروضة من النظام السوري على لبنان التي ـ أي الوصاية السورية ـ أخضعت كل الطوائف اللبنانية، وكانت "حصّة" الطائفة الشيعية الأكبر من هذا الإخضاع الذي بلغ حدّ مصادرة "القرار الشيعي".
بمعنى آخر، يعتقد المشاركون في "الجلسة الشيعية" ان "حزب الله" الذي أهدى لبنان إنجازاً استقلالياً في العام 2000، يمكنه بالرغم من تحالفاته السورية والإيرانية أن يعيد الحساب بالاستناد إلى إنجازه "السابق"، وبالارتكاز إلى ما يحفل به الفكر الشيعي اللبناني من تراث في الكيان والدولة. هذا مع العلم ان المناقشين لم يستسهلوا إمكان تقبُّله ذلك أو قدرته عليه.
المخرج بالدولة
إن "الفكرة" التي تمحورت حولها استنتاجات النقاش هي أن على الشيعة كل الشيعة ومن ضمنهم "حزب الله" أن "يخرجوا" بعد كل الذي جرى إلى "الدولة"، أي أن يستعيدوا عناوين انتمائهم إلى الكيان "النهائي" وإلى الدولة. ذلك أن لا مخرج حقيقياً وفعلياً مما يحصل إلا بتسليم الدولة كل الأوراق وبالتسليم للدولة، وذلك أياً تكن نتائج التطورات الميدانية.. فأي انتصار للحزب يجب أن يسلّم للدولة تعزيزاً لها، وأيّ "عدم هزيمة" أيضاً.
بكلام آخر، لا يزال في الإمكان القول أنه على الرغم من الحرب الدائرة، ثمة مخرج جدي هو التسليم للسلطة. فـ"الخسارة" التي مني بها لبنان قصفاً وتدميراً وأرواحاً يتحمّلها الوطن كله وليس فئة أو طائفة، والمؤكد أن ليس في الداخل اللبناني منتصر أو مهزوم بالنتيجة. ولا أحد يقبل بوجود منتصر ومهزوم. والفرصة لا تزال سانحة لجعل ما يحصل اليوم خاتمة أحزان الوطن اللبناني "النهائي لكل أبنائه".
الشيعة في لبنان، لبنانيون وعروبيون.. ويرون أنفسهم "قوة حداثة" أيضاً. و"تحرير" القرار الشيعي من سوريا ومن ايران لمصلحة الاندماج في المجتمع والدولة، هو مصلحة شيعية "خاصة" ولبنانية "عامة"، عملاً بوصايا الإمام شمس الدين.
وكما في البداية، كذلك في النهاية: كل الفخر بصمود الجنوب وأهله، وكل الاعتزاز ببطولات المقاومين للعدوان الإسرائيلي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00