8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التحرّك السعودي ينطلق من التمسّك بـ"الشرعيات الوطنية" للتأثير في توازن الحل

من الواضح ان الحركة الديبلوماسية الخارجية بشأن الحرب الإسرائيلية على لبنان، وعلى الرغم من كثافتها، لم تتوصل بعد إلى إنضاج قرار دولي بوقف العدوان، وأن ثمة تمديداً للعمليات الحربية الإسرائيلية أياماً إضافية.
ففي المعلومات المتوافرة عن زيارة كوندوليزا رايس إلى بيروت، أن وزيرة الخارجية الأميركية ربطت وقف إطلاق النار بـ"الحل السياسي" ربطاً محكماً، معتبرة أنه لا بدّ من تنفيذ "حلّ سياسي" مرة واحدة وأخيرة، بعد أن طال التنفيذ. وفي هذه المعلومات أنّ رايس شدّدت في الوقت نفسه على حلّ متكامل "سلّة واحدة" يقبل به لبنان وإسرائيل كلاً متكاملاً لا تجزئة فيه وإن كان تنفيذه يتمّ على مراحل يجري خلالها التوازي بين خطوة من هنا وأخرى من هناك، أي أنّ الموافقة بـ"الجملة" وليست على مراحل فيما التنفيذ "مُمرحَل".
وإذ أكدت رايس أن القرار 1559 هو الطائف نفسه، شدّدت على وجوب وضعه موضع التطبيق، بحيث تبسط الدولة سيادتها الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية بمؤازرة قوات دولية يجري البحث في صيغتها وتركيبتها وصلاحياتها، على أن ينفذ ما يتعلق بـ"نزع سلاح حزب الله" بعد ذلك من قبل السلطة اللبنانية.
رايس تربط وقف النار بقرار لبناني بتنفيذ الـ1559
بمعنى آخر، كانت رايس واضحة في القول أن قراراً دولياً بوقف إطلاق النار مرتبط بقرار سياسي لبناني بالالتزام بتنفيذ الـ1559 أي الطائف كما تقول وكما يرى معها شطر مهم من الاجتماع السياسي اللبناني. واللافت في هذا السياق أن رايس التي "تلاقي" الموقف اللبناني الرسمي كما أقرّه مجلس الوزراء في جلسته مساء السبت الماضي، لجهة التأكيد على دور الدولة وسيادتها، إنما تأخذ "مسافة" عن الموقف اللبناني الذي نادى بـ"حلّ شامل" يتضمن انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا وإطلاق الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية.
وبدا هنا أنّ رايس لا تستبعد مزارع شبعا بـ"المطلق" من ضمن الحلّ السياسيّ، لا بل بدت مستعدة لإدخالها ضمن "السلّة" في مقابل التزام لبنان بتنفيذ الـ1559، على أن يكون الانسحاب الإسرائيلي منها في مرحلة لاحقة "ثمناً" تدفعه إسرائيل، أي من ضمن التزامات متبادلة بين لبنان وإسرائيل أمام الأسرة الدوليّة.
لا يخفى هنا أن الموقف اللبناني المنادي بـ"حلّ شامل" ينطلق من أمرين. الأول هو الرغبة بـ"إقفال" الملف اللبناني نهائياً من أجل "تحكيم" اتفاقية الهدنة بضمانة من الدولة ومن المجتمع الدولي. والثاني هو الرغبة في أن يكون الأساس السياسي لوقف إطلاق النار "مقنعاً" ومقبولاً، أي أساس لا "يستطيع" حزب الله رفضه.. ولو لم يعلن مباركته له. وفي هذا الإطار، يقتضي لفت النظر إلى أن ثمّة حرصاً لبنانياً عاماً على ألا يكون أي "حلّ" قابلاً للتفسير على ان فيه هزيمة سياسية لأي فريق داخلي، سيُعتبر عندئذٍ هزيمة لطائفة بعينها.
لا تسوية مع نظام دمشق
على أنّ ثمّة أمراً مهمّاً يجب لفت الانتباه إليه، برز في ما تحدّثت عنه رايس مع محاوريها. فالقرار الأميركي حيال دمشق لا يزال هو نفسه: لا تسوية مع النظام السوري، ولا إدخال له في أي بحث حول لبنان بل فقط طلبات منه محدّدة في القرارات الدولية.
إذاً، ان المطلوب أميركياً هو تنفيذ القرار 1559 "بما هو الطائف".. ولا شراكة سورية في "الحلّ". ولعلّ الوزيرة الأميركية شاءت إبلاغ هذا الموقف حيال سوريا لتأكيد عدم تخلي الولايات المتحدة والأسرة الدولية عن لبنان السيّد الحرّ والمستقلّ.
إشكالية مزارع شبعا مجدداً
لكن في ضوء هذه المعلومات المتوافرة عمّا حملته رايس سياسياً، كان نقاش في الوسط السياسي حول بعض ما تحدّثت فيه.
وفي حصيلة هذا النقاش، كان اتفاق على أن مسألة مزارع شبعا مثّلت حتّى الآن إشكاليّة بالفعل، على قاعدة أنّه إذا كان صحيحاً أن لا حلّ نهائياً لـ"الأزمة" الحالية إلا باستعادة المزارع إلى السيادة اللبنانية، وإذا كان صحيحاً أيضاً ان استعادتها متعلقة بالنظام السوري الذي سبق له أن رفض مطالبة مؤتمر الحوار الوطني اللبناني بتحديد حدود مزارع شبعا وترسيمها، على اعتبار ان المزارع تمثّل بالنسبة إليه "الشنكل" الذي يربطه بلبنان.. فإنّ الأمل بـ"الحصول" على المزارع من ضمن حلّ شامل ونهائي يصبح أشبه بالاستحالة.
هل يكون الحل بقوات دولية على حدود لبنان
مع سوريا وإسرائيل؟
بيدَ أن النقاش لفت إلى أنّ ثمّة إمكانيّة فعليّة لمعالجة هذه الإشكاليّة إذا كانت الولايات المتحدة والأسرة الدوليّة تريدان مساعدة لبنان على إنهاء "ملفّه" ومن دون المرور بسوريّا. وفي هذا الاطار، تتوافر معلومات ديبلوماسية عن إمكان قبول المجتمع الدولي ـ أي مجلس الأمن ـ باعتماد الأوراق اللبنانية الثبوتية لمزارع شبعا من أجل دفع إسرائيل إلى الانسحاب منها.
إضافة إلى ذلك، فإن على لبنان أن يكون مهتماً بطبيعة القوات الدولية المفترض إرسالها إلى لبنان وصلاحياتها، وألا تكون مهمتها محصورة في الجنوب، بل أن تتولى أمن الحدود اللبنانية، مع إسرائيل من ناحية ومع سوريا من ناحية ثانية. وبذلك، يبدو أن من شأن نشر قوات دولية ذات صلاحية تنفيذية على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية وعلى الحدود اللبنانية ـ السورية أن يجعل المزارع بعد انسحاب إسرائيل منها في عهدة الشرعية اللبنانيّة والشرعية الدولية أيضاً، كما من شأنه ان يؤدي الى وضع لبنان بمأمن من التداعيات الخارجية، وأن "يفكّ" لبنان عن سوريّا.
على أي حال، وإذ يبدو هكذا توجه وثيقَ الصلة بتوازن القوى، وفي وقت يحتاج الحل السياسي إلى مزيد من الوقت، من المفيد بالرغم من الأيام السود التي يمر فيها البلد جراء العدوان الإسرائيلي الذي يُتمّ اسبوعين، التشديد على إيجابية الاهتمام الدولي بلبنان وبـ"مستقبله" بعد هذه المحنة بشكل خاص. ذلك أن القاسم المشترك بين أطراف المجتمع الدولي هو الحرص على الدولة اللبنانية ودورها، بالرغم من الممر العسير الذي فرض على الدولة ان تجتازه في هذه الأيام.
لمشروع الدولة دعم دولي وعربي.. ولـ14 آذار عَرَبُها
وفي هذا السياق، من الطبيعي ان ينتبه اللبنانيون إلى حقيقة أن "مشروع الدولة" الذي تحمله قوى رئيسية في البلاد والذي تجسّده حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، يحظى بـ"اهتمام" دولي، لكنه يحظى بتأييد ودعم عربيين.
هذا الأمر ـ أو هذه الحقيقة ـ يُطمئن الى أن الحل "السياسي" لوقف العدوان، لن يكون حلاً اسرائيلياً، بل سيكون حلاً دولياً ـ عربياً بـ"الضرورة". وإذا جرت مقاربة الموضوع من زاوية لبنانية معينة، يمكن القول أن ليس صحيحاً أن في لبنان اليوم فريقاً سياسياً يقف مع ما يمكن أن ينتج عن الحرب الإسرائيلية التي تخاص بمظلة دولية وبمظلة القرار 1559، فالصحيح إذا كان لا بد من تصنيف، أن في البلد فريقاً يمثله "حزب الله" أساساً يحظى برعاية ودعم من دمشق وطهران عربياً وإقليمياً، فإن فيه فريقاً آخر تمثله حركة 14 آذار يحظى بدعم دولي ـ عربي، أي أن لهذا الفريق "عَرَبَهُ" المعتدلين.
التحرك السعودي: الدفاع عن "الدولة"
في لبنان و"السلطة" في فلسطين
وهنا بالتحديد، لا بد من التوقف ملياً عند الحركة السياسية السعودية.
طبعاً، من نافل القول أن قرار خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز منح لبنان هبة بقيمة نصف مليار دولار أميركي ودعم مصرفه المركزي بوديعة تبلغ مليار دولار، ليس أمراً مستجداً على الموقف التقليدي للمملكة في دعم لبنان وهي التي تعطي هذا البلد في سياستها مكانة خاصة دائماً.
بيد أن ما لفت اللبنانيين خلال الأيام السابقة، هو التحرك السياسي ـ الديبلوماسي السعودي المكثف الذي تمير بالدفاع عن "الدولة اللبنانية" بمقدار الدفاع نفسه عن "السلطة الفلسطينية". فمنذ بداية الأحداث، سلّطت المملكة الضوء على عدد من الأمور السياسية الرئيسية.
إسرائيل الأصل في التطرف
كان واضحاً أن المملكة أكدت أن "الأصل" في مآسي المنطقة هو سياسة إسرائيل و"الأغطية الدولية" التي تلوذ بها.. وكان واضحاً أن المملكة تعتبر السياسة الإسرائيلية مصدر التطرف الذي تعيشه المنطقة العربية. ولذلك، فإن التحرك السعودي سواء الذي قام به وليّ العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز أو الذي لا يزال وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ومعه الأمير بندر بن سلطان يقودانه نحو عواصم القرار، ركّز على أمرين رئيسيين، أولهما وقف العدوان الإسرائيلي على كل من لبنان وفلسطين للانتقال إلى الحلول السياسية، وثانيهما التمسّك بما سمّته المملكة "الشرعيات الوطنية" والتأكيد على دورها. وفي هذا الإطار بالتحديد كانت الصرخة السعودية أمس بأن استمرار العدوان الإسرائيلي ليس فقط يهدّد بتوسّع الحرب إقليمياً، بل يهدّد بإطاحة الاعتدال العربي وبتقويض "الشرعيات الوطنية" لأنه يجعل المنطقة نهباً للتطرّف. و"الاعتدال العربي" يعني تحديداً الموقف المبني على حلّ سياسيّ بمرجعية الشرعية الدولية، كما عبّر عن نفسه في مبادرة الملك عبدالله في قمّة بيروت العربية في العام 2002.
التطرّف ليس فقط إرهاباً بل دول وتيارات
وما تحذّر المملكة منه "حقيقي"، لأن ثمة خطراً فعلياً تواجهه الكيانات الوطنية والشرعيات الوطنية. ذلك ان التطرّف ليس فقط "إرهاباً" تمارسه مجموعات ظلامية، إنما هو دول وتيارات سياسية أيضاً تقود سياساتها وخياراتها إلى شتى أنواع عدم الاستقرار: من التعاطي مع الدول الأخرى عبر التعاطي مع "كيانات طائفية" إلى توهّم الحلول "القصوى" مروراً بـ"الفوضى الأهلية" وسواها.
من هنا، فإن موقف المملكة لا تكمن أهميته "الاستراتيجية" في انه عبر الدعم المالي للبنان يُعطي اللبنانيين أملاً في أن هذا العدوان سيتوقف وأن للبنان مستقبلاً تعلن السعودية أنها سترعاه، بل في كون هذا الموقف يسعى إلى التأثير في "توازن الحلّ" الذي سيبصر النور.
الطائف والحرص السعودي على توازنات الاجتماع اللبناني
ربّما تكون المملكة العربية السعودية أخذت وقتها قبل اندلاع العدوان الإسرائيلي لتعرب عن مخاوفها من مسار التطوّرات في المنطقة، لكنها عندما أطلقت مواقفها كانت في غاية الصراحة والوضوح. فهي أكثر الدول العربية معرفة بـ"النسيج" اللبناني و"حساسياته". ولأنها كذلك دعمت موقف الحكومة اللبنانية ودعمت الدولة.. والفكرة واضحة هنا: إن الحلّ عبر الدولة اللبنانية وتأكيد سيادتها ودورها، هو الذي يضمنُ "حقوق" جميع مكوّنات هذه الدولة، وأي حلّ آخر يفتّت الدولة في لبنان عبر المسّ بتوازنات الاجتماع اللبناني.
وبهذا المعنى، يبدو أن المملكة بدخولها القويّ على خطّ المداولات، ليست فقط مدفوعة بحبّها للوطن اللبناني، إنما تحاول إعادة الاعتبار إلى اتفاق الطائف بما هو تسوية لبنانية ـ عربية ـ دولية، ولفلسفة الطائف القائمة على الشراكة بين قوى الاعتدال في بيئاتها، لأن أيّ خلل من شأنه أن يصيب الاعتدال فالطائف فالبلد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00