في إثنتين من إطلالاته التلفزيونية الثلاث منذ بداية العدوان الاسرائيلي وآخرها مقابلته على قناة "الجزيرة"، وجّه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله رسائل "قاسية" إلى الداخل اللبناني استرعت انتباه الوسط السياسي.
في الأولى من هذه الإطلالات، وكانت مسجلة، قال السيد نصرالله كلمته "الشهيرة": شاء اللبنانيون أم أبوا، وذلك في معرض حديثه عن الحرب المفتوحة باسم الأمة.
وفي الثالثة من هذه الإطلالات، أكد نصرالله ان في نيته محاسبة قوى سياسية وسياسيين على مواقفهم بعد انتهاء العدوان، لكنه استطرد في محطة من حديثه للقول ان ثمة "درجات" من الطعن بالمقاومة تجلت خلال الأحداث، منها الإساءة إلى المقاومة، والتواطؤ عليها والتآمر ضدّها، وإن الحزب سيتعامل مع هذه "الدرجات" وإنه قد يسامح وقد لا يسامح.
"شاء اللبنانيون أم أبوا":
تحت ضغط الحرب أم كشف لمشروع؟
إن ما استرعى إنتباه الوسط السياسي بداية، هو ان نصرالله وجد بالرغم من ظروف الحرب الاسرائيلية على لبنان فرصة لمخاطبة الداخل بما سيكون بعد انتهاء الحرب. وبكلام آخر، اذا كان الوسط السياسي تفاوتَ في تقدير دلالة جملة "شاء اللبنانيون أم أبوا"، فإن هذا الوسط أبدى مخاوف جدية من مقولات "المحاسبة" و"عدم التسامح" وغيرها.
اما التفاوت في تقدير دلالات الجملة فكان بين رأيين رئيسين. الأول يعتبر انها ناجمة من ظروف الحرب التي يعيشها السيّد نصرالله لحظة بلحظة، ويرى ان السيّد أراد بجملته ان يصدمَ مسبقاً أي موقف سياسي قد يدعوه في أي لحظة إلى وقف القتال أو إلى تقديم أي "تنازل". أما الرأي الثاني فاعتبر أصحابه آنذاك ان نصرالله يكشف بالفعل مشروعه "فوق اللبناني" الذي يجعل من لبنان ساحة للصراع الاقليمي ـ الدولي.
"المحاسبة" و"التسامح وعدمه": المعاني الكثيرة
باختصار، وعلى الرغم مما أثارته تلك الجملة الشهيرة من تساؤلات، فإنها لم تكن بمستوى "الصدمة" التي أحدثها كلام نصرالله عن "المحاسبة".
صحيح ان الأمين العام لحزب الله بدا في كلامه هذا يردّ على كلام آخر تحدث عن محاسبة بعد انتهاء العدوان، لكن الأصح ان نصرالله ذهب بعيداً جداً. فالكلام "الآخر" عن محاسبة كان أقرب ما يكون إلى فكرة القيام بجردة سياسية لما حصل، مقدّماتٍ ونتائج، من أجل استخلاص الدروس وعدم العودة إلى ما قبل 12 تموز، وتحقيقاً للطرح الأصلي الذي يتبناه دعاة المحاسبة ـ الجردة، أي سيادة الدولة على كل شيء وأساساً على قرار السلم والحرب.
بيدَ ان كلام نصرالله في المجال نفسه حمل المعنى الحرفي لـ"المحاسبة"، خاصة انه ارتبط بتحديد "درجات" للإساءة وبتلويح بـ"عدم التسامح".
ومن الطبيعي عندما يكون الأمر كذلك ان يثير مخاوف مشروعة: فإذا خرج "حزب الله" منتصراً من الحرب بمقاييس الانتصار التي حدّدها السيّد بنفسه، فهل هذا يعني ان الحزب سيسعى إلى تسيير سياسة البلد وفقاً لخطّه؟، هل يعني "تأديب" القوى صاحبة وجهات النظر المختلفة؟، هل سيعني القيام بانقلاب سياسي ما في البلد؟. أما إذا خرج "حزب الله" مهزوماً لا سمح الله، فهل سيعني ذلك "حقداً" على البلد وعلى القوى السياسية التي سجّلت اختلافها مع الحزب؟.
بطبيعة الحال، وبالرغم من ضراوة الحرب الاسرائيلية العدوانية التي يتلقى الحزب منها نصيباً وافراً، فإن الوسط السياسي لا يمرّ بكلام السيد حسن نصرالله مرور الكرام. وقبل توضيح معنى عدم المرور مرور الكرام، يُبدي الوسط السياسي ـ المختلف مع "حزب الله" ـ استغرابه حيالَ عدد من الأمور الرئيسية.
لماذا يضعُ السيد الخلافات في خانة الإساءات؟
في طليعة هذه الأمور، انه من الطبيعي، والطبيعي جداً ان تطلق حربٌ في أي بلد من البلدان نقاشاً وخلافات في وجهات النظر، فكيف اذا كان ثمة من رأى ويرى ان "حزب الله" أعطى ذريعة ما للعدوان الاسرائيلي بتقدير منه ان أسر جنود إسرائيليين لا يقود إلى حرب مفتوحة؟. وكيف اذا كانَ الاختلاف في الرأي سابقاً على هذه الحرب، حيث كان الخلاف معلناً وحيث كان ثمة تحذيرات من أنّ أي عمل عسكري من جانب "حزب الله" ستردّ عليه إسرائيل بالطريقة التي يشهدها لبنان والعالم اليوم؟.
ثم هل يصحّ أن يحسب نصرالله الخلاف معه ـ حتى في ظل الحرب ـ إساءة إليه أو تواطؤاً عليه أو تآمراً ضدّه؟، هل السيّد مقتنع فعلاً بأن ثمة بين اللبنانيين من يتربّص به شراً أو يريد إلغاءه على يد العدو (!) أو يضمر له "شماتة" معينة؟. فإذا كان مقتنعاً بذلك بالفعل، فإن الدلالة خطيرة جداً جداً.
هل فعلاً ثمّة شامتون بحزب الله في لبنان؟
وأكثر من ذلك، ألا يلاحظ قائد "حزب الله" انّ اللبنانيين جميعاً بمن فيهم المختلفون معه والمخالفون لمواقفه وقراءاته، وضعوا الحرب "وراءَهم" بالرغم من فداحة الخسائر اللبنانية وبالرغم من انه لم يكن لهم رأي فيها، وذلك لمخاطبة المستقبل، أي انهم بدأوا التطلع إلى ما بعد الحرب، وأنّهم يثيرون نقاطاً حول هذا المستقبل يأملون ألا تكون موضع خلاف كما في المرحلة السابقة على الحرب؟.
ألا يرى السيّد نصرالله انّ النقاش اللبناني في ظل الحرب والدمار يقع تماماً تحت سقف التضامن الوطنيّ ضدّ العدوان؟، ألا يقدّر ان المقاومة التي كانت "فوق" أيّ نقاش لفترة طويلة من الزمن، غدت "تحت" النقاش عندما بدأت تلوحُ ملامح أبعاد إقليمية لهذه المقاومة؟، ثمّ ألا يرى السيّد انّ من حقّ اللبنانيين أو بعضهم أن يعتبروا أنّ في ما يجري تبديداً لأهم إنجاز تحقق في العام 2000، وأنّ ما يجري ليس ولم يكن في أيّ حال من الأحوال استكمالاً للتحرير؟.
على أيّ حال، إذ يعرب الوسط السياسيّ ـ المختلف مع "حزب الله" ـ عن اعتقاده انّ كلام نصرالله ينطوي على قدرٍ من الخطورة داخلياً بمعنى ما يمكن أن يخلّفه من مخاوف "أهلية"، فإنه ـ الوسط السياسي ـ يعتبر ان الساعات القليلة الماضية حملت إشارات "جزئية" ايجابية من جانب الحزب، في الإطار السياسيّ.
إشارتان جزئيّتان إيجابيتان:
بسط سيادة الدولة
ثمة بالفعل إشارتان. الأولى موافقة وزراء "حزب الله" داخل مجلس الوزراء على الموقف "التفاوضي" للبنان. وفي هذا المجال، فإنّ "اللافت" ايجاباً هو "الاعتراف" بأنّ رئيس الحكومة هو مَن يفاوض باسم الدولة اللبنانية، وكذلك الموافقة على تضمين "الحل الشامل" الذي يريده لبنان، بند بسط سيادة الدولة بالكامل على كامل أراضيها. وإلى ذلك يضاف "مبدأ" قبول الحزب "ضمناً" بالتسوية.. وإن كان مصير مزارع شبعا غير مؤكد الوصول إلى حلّ له في الإطار "الشامل".
.. ووضع التفاوض في يد الحكومة
أما الإشارة الايجابية الثانية، فتمثّلت في إعلان الرئيس نبيه برّي نيابة عن "حزب الله" موافقته على قيام الحكومة اللبنانية بالتفاوض حول تبادل الأسرى. طبعاً، لم تقترن موافقة الحزب هذه بتسليم الجنديين الاسرائيليين إلى الجيش، ولم تقترن بتفويض "كامل". وثمّة التباسات "مقصودة" على ما يبدو إذ يأمل "حزب الله" من خلال هذه الخطوة "إستطلاع" الردّ الاسرائيليّ و"امتحان" المدى الحربيّ الذي ستستمر فيه إسرائيل في حال إطلاق مفاوضات التبادل، علماً ان الموقف الاسرائيلي والموقف الدوليّ أيضاً لا يزالان عند حدود اشتراط إطلاق الجنديين بلا شروط.. أي بلا تبادل.
وفي هذا السياق، وإذ يسجّل الوسط السياسي ايجاباً الخطوتين المذكورتين ولو انه يصنّفهما جزئيتين أي محدودتين، فإنه يسأل: لماذا لم يوافق "حزب الله" قبل الآن، حتّى قبل العدوان الاسرائيلي الجاري، على بسط سيادة الدولة بـ"الكامل" على "كامل" أراضيها؟.
ومع ذلك، يرى الوسط السياسي انّ بين دلالات كلام السيّد نصرالله في إطلالته التلفزيونية من ناحية والخطوتَين "الجزئيتين" في اليومين الماضيين من ناحية ثانية اختلافاً، ويأمل الوسط السياسيّ نفسه أن يتمّ التأسيسُ في المرحلة المقبلة على الإشارتين الإيجابيتين الأخيرتين. ذلك أن تأكيدهما وتطويرهما من جانب "حزب الله" والبناء عليهما من جانب الحكومة، أمور من شأنها ان تعزّز دور الدولة بما هي ضمانة للجميع.
النقاش حول الطائف في مجلس الوزراء أول من أمس
وعلى ما يبدو، فإن توصل "حزب الله" إلى البت بالخطوتَين الآنفتين تمّ بعد مخاض. ففي جلسة مجلس الوزراء أول من أمس، كان النقاشُ سجالياً وحامياً، حيث جرى التطرّق إلى أمور عدة.
ففي هذه الجلسة وبعد أخذ ورد بين الرئيس السنيورة وعدد من الوزراء من جهة ووزراء "حزب الله" من جهة أخرى، أكد الفريقُ الأول ان الحكومة ليست "صليب أحمر" ولا يقتصر دورها على الجانب الإنساني والاجتماعي، بل انها صاحبة القرار السياسي. "أخذ" الفريق الأول هذه النتيجة. ثم كان نقاشٌ حول بنود "الحل التفاوضي" الذي يجب اعتماده من جانب الدولة اللبنانية. وفي هذا النقاش حدّد "فريق السنيورة" في الجلسة اتفاق الطائف مرجعية أساسية لبنود الحلّ، بما في ذلك ان الطائف الذي أرسى قواعد الشراكة في مجلس الوزراء إنما يناقض تماماً التفرد من جانب أيّ من أطراف الشراكة "الطائفية" في أي شيء فكيف بقرار الحرب. وقال الفريق الوزاري هذا انه اذا كان قد جرى التفرد بقرار الحرب، فإن "قرار السلم" الآن يجب ان يكون من صلاحية مجلس الوزراء وفقاً لاتفاق الطائف الذي هو دستور الدولة. لكن يبدو انه من خلال النقاش، تبيّن أن ليس ثمّة فهم واحد للطائف بين "فريقَي" مجلس الوزراء.. والحديث هنا عن فريقين يتعلق بهذا الموضوع، على اعتبار ان مجلس الوزراء بمقرّراته عادَ ليخرج فريقاً واحداً.
الاستنتاج هنا هو الآتي: لا يمكن الاعتقاد ان الاختلاف "حول" اتفاق الطائف نشأ "الآن" وفي "مناسبة" البحث في إزالة العدوان وذيوله، بل هو اختلاف "مزمن". وهذا الاختلاف "مقلق" بطبيعة الحال وينبغي حسمُه كي لا يبقى باباً مفتوحاً على "رياح" داخلية.. أي ان تقدّم "حزب الله" جزئياً باتجاه "الدولة" عبر الخطوتين الاخيرتين يجب ألا يتزامن مع "قراءة" خاصة للطائف ومقوّماته قراءة مفتوحة على "إعادة نظر" في هذا الاتفاق ـ الميثاق. وهذا الاستنتاج ينطلقُ بالفعل من نقطة أساسية هي ان "سيادة الدولة" تمثل عنوان "الشرعية الوطنية" في أي بلد، والتهرّب من "سيادة الدولة" خطيرٌ جداً على "الشرعية الوطنية" إذ يهدّد بـ"تفكيكها".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.