بالرغم من كثافة الحركة الديبلوماسية بشأن الحرب الإسرائيلية على لبنان، وآخر نتائج هذه الحركة الدعوة إلى مؤتمر دولي في العاصمة الايطالية روما الأربعاء المقبل في 26 الجاري، فإن توقّف هذه الحرب لا يزال أمراً صعب التحقّق في مدى أيام قليلة. ذلك أن طرفَي هذه الحرب المباشَرين أي إسرائيل وحزب الله يراهنان على التطورات الميدانية ـ العسكرية على أمل "التحكّم" بشكل أو بآخر بـ"صورة" الحل السياسي.
على أنه، مع ما يعنيه ذلك من استمرار للدمار والدماء والآلام، وفي ما يتجاوزالمعطيات الميدانية في حد ذاتها، ثمّة إشكاليات سياسية تواجه "الحل" المنشود.
مؤتمر روما: "الثماني"
والمملكة ومصر بغياب السنيورة
بدايةً، في المعلومات الحكومية اللبنانية، أن مؤتمر روما ليس هو "مؤتمر الحل"، وأن المهمّة الملقاة على عاتقه فضلاً عن الجانبين "الإنساني" و"الاقتصادي" هي التداول في "الأفكار" التي يمكنها إذا ما تبلورت وإذا ما بدت قابلةً للتطبيق أن تجعل مؤتمر روما يتبنّاها ليذهب بها إلى مجلس الأمن لاتخاذ قرارات دولية في شأنها. وفي هذا الإطار، يبدو أن زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى المنطقة تستهدف التداول في "أفكار" وجمعها ليتمّ عرضها في 26 تموز.
وفي المعلومات الحكومية اللبنانية أيضاً أن المؤتمر الدولي "العتيد" سيضمّ ممثلين على مستوى عالٍ لمجموعة الثماني، ولدول عربية أبرزها المملكة العربية السعودية ومصر. وليس مؤكداً أن يتمكّن لبنان بشخص رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة من المشاركة فيه، طالما أن الوضع الأمني على حاله، إلا إذا فُتح "ممر سياسي" آمن يتمكن معه السنيورة من المغادرة والعودة إلى لبنان، على اعتبار أنه ليس وارداً وضع رئيس حكومة لبنان "تحت رحمة" إسرائيل.
.. هذا مع العلم انّ الدعوة يمكن ألاّ توجّه على الأرجح إلى الأطراف المعنيين مباشرة بالنزاع.
هذا أولاً. بيدَ أن ما تقدّم لا يلخّص الإشكاليات، مع أنه يشير بوضوح إلى واقع أن "الحل" لا يزال بعيداً نسبياً وأنه على مراحل أيضاً.
"الحل الشامل" يجب ألا يربط لبنان بفلسطين
ففي جانب آخر، يستمع اللبنانيون في أيام محنتهم إلى معطيات تفيد أن وقف إطلاق النار لن يكون إلا على أسس سياسية، وهذا أمر مفهوم. لكنّ ما يسمعونه أيضاً، هو أن الأسس السياسية هذه يجب أن تشكّل مجتمعة "الحل الشامل" أو "الحل النهائي".
في هذا المجال، تبدي أوساط سياسية عدّة، في مقدّمها رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط، مخاوف كبيرة من "المعنى" الذي يُعطى لمقولة "الحل الشامل" أو "النهائي"، ومن "المعنى" الذي يمكن أن يُعطى في الأيام المقبلة لهذا الشعار.
والسبب الأساسي لهذه المخاوف، هو أن يكون ثمّة ربط للبنان بفلسطين تحت عنوان "الحل الشامل"، في وقت "لا نستطيع ربط أنفسنا بفلسطين" كما يقول وليد جنبلاط الذي يرى أن المخرج "المتزامن" يكون بـ"فك ارتباط" لبنان بفلسطين أولاً، وباستعادة خارطة الطريق الموصلة إلى دولتين في ما يتعلّق بالمسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي ثانياً، وتتويج ذلك بالعودة إلى مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز التي هي مبادرة السلام العربية.. ثالثاً.
لكن ماذا عن معنى آخر لشعار "الحل الشامل"؟
"الحل الشامل" بمفهوم السنيورة والحريري
ثمّة وجهة نظر، لا بل قناعة، لدى الرئيس السنيورة يشدّد عليها معه رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، ترى أن "الحل الشامل" المقصود هو الحل الذي ينهي "المسار اللبناني" في انتظار أن تأخذ مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز طريقها في ما يتصل بـ"السلام العربي ـ الإسرائيلي" العمومي.
تقوم وجهة النظر هذه على أساس أن الحل "مِن" الحرب القائمة كي يكون ممكن التطبيق لا يمكن أن يكون حلاً إسرائيلياً، وفي الأساس لا حل إسرائيلياً. وكي يكونَ ممكن التطبيق لا بدّ أن يقع في إطار المعادلة الآتية: "يأخذ" لبنان كامل حقوقه بما ينهي مخلّفات الاحتلال الإسرائيلي، أي انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا وإطلاق الأسرى والمعتقلين اللبنانيين من السجون الإسرائيلية في مقابل أن "يُعطي" التزاماً بالقرارات الدولية، أي نشر الجيش في الجنوب بمؤازرة قوات دولية، وتحكيم اتفاقية الهدنة للعام 1949 في "روحها".
وإذا كان واضحاً تماماً أن وجهة النظر هذه "تسعى" لأن تكون منسجمة مع فكرة التطبيق اللبناني للقرار 1559 أو مع "النسخة اللبنانية" لهذا القرار الدولي، فإنها من جهة ثانية "تسعى" إلى التوصل إلى نتيجة "يصعب" على "حزب الله" لبنانياً الاعتراض عليها لأن في مثل هذه النتيجة إن تمّ التوصل إليها بالفعل، مكاسب وطنية للبنان على مستوى استعادة الأرض والأسرى.
بيد أن ثمّة شكوكاً لدى أوساط سياسية عدّة في فريق 14 آذار في إمكان نجاح هذا المفهوم لـ"الحل الشامل"، لا سيما لدى جنبلاط، وذلك بالرغم من التأييد المبدئي للمضمون.
مزارع شبعا لا تزال ورقة سورية..
كيف التعامل معها؟
فمسألة مزارع شبعا لا تزال على حالها. ولبنانية المزارع بحاجة إلى تثبيت من وجهة النظر الدولية. وتثبيت لبنانيتها يحتاج إلى تحديد الحدود اللبنانية ـ السورية في هذه المنطقة وترسيمها. وهذا ما أقرّه مؤتمر الحوار الوطني اللبناني وما رفضه النظام في دمشق.
إن "إنهاء" ملفّ المزارع إذاً يحتاج إلى موافقة سورية. فهل ثمّة إمكانية في ظل حرب كان موقف النظام السوري واحداً من عواملها لأن "تعطي" سوريا هذه "الورقة" الآن؟. وأي نسبة من الضغوط ستسلّط دولياً على دمشق لدفعها إلى تسليم هذه "الورقة" الآن؟.
وعلى افتراض أن انتزاع "ورقة المزارع" من سوريا ممكن، فإن ما يثير مخاوف سياسية هو إعادة إدخال سوريا من هذه البوابة على خط البحث عن "حل شامل" لـ"الأزمة اللبنانية".
ذلك أنه ليس خافياً، من خلال مراقبة سلوك النظام السوري قبل الحرب الراهنة وأثناءها، أن هذا النظام الذي لعب دوراً "ما" في التفجير، والذي كان ولا يزال يتطلّع من خلال دفع لبنان إلى وضع غير مستقر لا بل إلى الفوضى، إلى تحقيق جملة من المكاسب أهمها عودته إلى ممارسة دور في لبنان. وهو بعد مرور أكثر من عشرة أيام على الحرب، لا يزال يتفرّج وينتظر عروضاً دولية في الاتجاه الذي يرغب به.
إذاً، في قراءة "منطقية" أو "نظرية"، فإن مسألة مزارع شبعا مرتبطة بموقف دمشق. لن تعطي العاصمة السورية هذه "الورقة" إلاّ في إحدى حالتين: إما ضغوط كبيرة جداً، وهذا ما يبدو أن "المجتمع الدولي" يحاول أن يتجنّب حتى الآن دفعه إلى "الأقصى"، وإما تسوية سورية ـ دولية. والحال أن المواقف الدولية لا تزال على حالها من التصعيد "السياسي" حيال سوريا، وكلام الرئيس الأميركي جورج بوش أمس خير دليل حين أعلن أن مهمة رايس في المنطقة تقضي بعزل سوريا وإيران، ما يعني أن لا تسوية سورية ـ دولية.
غنيّ عن القول إن المقصود مما تقدّم ذكره هو القول إن "الحل الشامل" منظوراً إليه من زاوية ما يراه الرئيس السنيورة أو زعيم "المستقبل" سعد الحريري، ينطوي على إشكالية.. ضمن المعطيات القائمة حتى الآن وخارطة المواقف المعروفة. وبالرغم من أن تحقيق هذا "الحل الشامل" بالذات يلبي مصالح لبنان الوطنية، ويفكّ لبنان عن المحور السوري ـ الإيراني، فإنه يبدو بحاجة إلى توازن معيّن يفرضه.
لا بديل آخر.. ولا بدّ من توازن يفرضه..
هل ثمّة بدائل ممكنة؟
إن معظم اللبنانيين الذين تمثّلهم حركة 14 آذار والمتضامنين مع الحكومة والرئيس السنيورة من منطلق التمسّك بالدولة، مقتنعون بأن "الحل الشامل" أو "النهائي"، مفهوماً على النحو المطروح، هو الحل "الفعلي"، و"مطمئنون" إلى أن لا الدولة اللبنانية ولا المجتمع الدولي في صدد تحقيق مآرب النظام السوري في العودة إلى لبنان.. على دماء اللبنانيين كلّ اللبنانيين، لكنهم في الوقت نفسه لا يرون أن نتائج المواجهة على أرض لبنان رست أو أنّها سترسو قريباً على توازن "يفرض" هذا الحل على الجميع.
من هنا، فإن المواكبة الدولية لهذه الحرب، إن كانت تريد هذا "الحل الشامل" المتعلّق بلبنان، لا بديل أمامها من أمرين: الأول هو "الضغط الأقصى" على سوريا لمصلحة الحكومة اللبنانية والثاني هو "إلزام" إسرائيل بالخضوع للقرارات الدولية.. وإلاّ فإن الأمور تبدو ذاهبة إلى نزاع اقليمي مفتوح.
إذاً، لا بديل من "الحل" الذي ينشده السنيورة إلا الحل نفسه بالرغم من الإشكاليات المثارة آنفاً.. وإلاّ النزاع الاقليمي المفتوح الذي "يشمل" سوريّا.. أو "تجزئة" الحل على مراحل، يفصل بين مرحلة وأخرى تطور سياسي معيّن. الله أعلم!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.