بعدَ مرور بضعة أيّام على العدوان الإسرائيليّ، وفي الوقت الذي يؤكّد على أولويّة وقف هذا العدوان، يبدو رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط جازماً بأنّ عمليّة أسر الجنديين الإسرائيليين التي نفّذها "حزب الله" يوم الأربعاء الماضي، والتي أدّت بإسرائيل إلى شنّ عمليّاتها التدميريّة، إنّما أتت ـ أي العمليّة ـ على تقاطع معطيَين اقليميّين ايراني وسوريّ.
عمليّة "حزب الله": التقاطع الايرانيّ ـ السوريّ
يؤكّد جنبلاط في هذا المجال انّ الاتفاق بين الولايات المتحدة وأوروبا على تحويل الملفّ النووي الايرانيّ أو إعادة تحويله إلى مجلس الأمن، أمر عنى لطهران أنّ ثمّة تصعيداً دولياً حيالها، خاصّة بعد تلكّؤها في الإجابة على العرض الغربيّ ـ الدوليّ الذي تضمّن "رزمة حوافز" بديلة من تخصيب اليورانيوم، لا بل بعد إيحائها بأنّ هذا العرض لن يكون بديلاً من التخصيب.
وفي تقدير زعيم "اللقاء الديموقراطي" انّ التأزّم الايراني ـ الدوليّ على خلفيّة الملفّ النووي، جعل إيران إذ رأت تصعيداً دولياً حيالها، تلجأ إلى التهديد باستهداف إسرائيل وبـ"إصابتها" ردّاً على التصعيد في مواجهتها. وبهذا المعنى، فإنّ "تزامن" عمليّة "حزب اللة" مع هذا المعطى الاقليميّ ـ الدوليّ، يجعل منها عمليّة ذات بُعد ايراني بامتياز.
هذا من جانب. أمّا من جانب ثان، فإنّ جنبلاط يعرب عن اعتقاده انّه إذا كان البُعد الايراني لعمليّة "حزب الله" هو الأساس، فإنّ ثمّة بُعداً سورياً أكيداً. ذلك انّ النظام في سوريا الذي لم يخفِ في الأسابيع الماضية قلقه الشديد من مجريات تطوّر التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن التشكّل الوشيك للمحكمة الدوليّة، لم يكن ـ أي النظام السوريّ ـ مهتماً إلاّ بقطع هذا المسار وتخريبه، بواسطة "شيء كبير" يهربُ عبره من هذا الاستحقاق، وليس ثمّة ما هو أكبر من "حرب" مع إسرائيل أو معركة معها بواسطة "حزب الله".. وبدماء اللبنانيين.
نظامان اقليميّان ومحاكمتان دوليّتان
باختصار، يقول وليد جنبلاط انّ هناك نظامين في المنطقة يهرب كلّ منهما من محكمة دوليّة خاصّة به. النظام في ايران يهرب من مجلس الأمن الدولي، والنظام في دمشق يهرب من محاكمته في المحكمة الدوليّة الخاصّة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري. وعلى هذا التقاطع "الأكيد" نفّذ "حزب الله" عمليّته.
لا يدخل جنبلاط في التفاصيل، أي انّه يفضّل عدم النقاش في ما إذا كان "حزب الله" قد حسب حساباً "فعلياً" لما يمكن أن يكون عليه "ردّ الفعل" الإسرائيلي. فهل صحيح مثلاً انّ الحزب قدّر انّها عمليّة أسر و"تمرّ"، وتمرّ معها الرسالة الاقليميّة، الايرانية ـ السوريّة؟ هل كان يدرك انّ الردّ الإسرائيليّ سيتجاوز كلّ "الحدود" السابقة، وقام بعمليّته مع ذلك، لأنّه كان "يبحث" عن مشكلة كبيرة؟ هل كان "حزب الله" مقتنعاً عندما وعد على طاولة الحوار بتقطيع فترة الأشهر الثلاثة بهدوء، لكنّ التطوّرات بين ايران والمجتمع الدوليّ "فرضت" عليه الانقياد إلى ما تطلبه طهران ويريحها؟. هل كان "حزب الله" يخشى من تطوّر الحوار الوطنيّ في اتجاه مقاربة لا تريحه لموضوع الاستراتيجيّة الدفاعيّة فلجأ بعمليّته إلى محاولة فرض أمر واقع جديد أم انّ النظام في سوريّا ضاق ذرعاً بما قرّره مؤتمر الحوار فشاء نسفه من الأساس؟
يرفض "ندب" الخسائر المادّية
على فداحتها
أسئلة كثيرة، لا شكّ انّ وليد جنبلاط يملك أجوبة عنها لكنّه يفضّل عدم الخوض فيها "الآن".
يعتبر رئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" إذاً انّ الحرب الجارية ايرانيّة ـ سوريّة من احدى ضفّتيها وإسرائيلية ـ أميركيّة من ضفّتها الثانية، إنّما لبنان هو "ساحة" هذه الحرب التي كان لا يزال في الساعات الأخيرة، يستبعد أن تتوسّع خارج الرقعة اللبنانيّة، لأنّ النظام في دمشق يتفرّج على مجرياتها أصلاً.
وإذ "يعترفُ" جنبلاط بأن العدوان الإسرائيلي ألحق خسائر فادحة بشرية من ناحية وعلى مستوى البنى التحتية المدمَّرة من ناحية ثانية، فإنه يرفض المغالاة في "ندب" هذه الخسائر. فهو يعتبر أن الخسائر المادية جسوراً وأبنية وسواها يمكن تعويضها بتكلفة مادية "مقبولة"، في حين يرى ان الخسائر "غير المنظورة" هي خسارة الأرباح التي كان يمكن جنيها من الموسم السياحي ومن الاستثمارات من جهة، وتلك التي تتعلق بخطط النمو من جهة أخرى.. وان هذه الخسائر سيكون ممكناً تعويضها بـ"السياسة" أو انها ستكون غير قابلة للتعويض بـ"السياسة" أيضاً.
التعويض بالسياسة ودور الحكومة في النطق باسم الدولة
من هنا، يدخل الركنُ الأبرز في حركة 14 آذار إلى الموضوع السياسي المباشر.
يؤكد جنبلاط ان الخسارة غير القابلة للتعويض بالمطلق، هي الخسارة السياسية إن سقطت الدولة في خضم الحرب الدائرة على أرض لبنان.
وإذ يشدّد على أن الأولوية هي لوقف إطلاق النار أي لوقف العدوان الإسرائيلي، فإنه يرى انّ هذه الأولويّة هي المدخل إمّا الى تأكيد وجود الدولة وإما إلى نفي وجودها. وعلى هذا الأساس، يعتبر ان الحكومة هي من يجب حصرياً أن تفاوض على وقف اطلاق النار وعلى المضامين السياسيّة لهذا الموضوع.. أي أنه لا يرى مصلحة للبنان ـ الدولة في أن يتم التفاوض على هذا الموضوع بصيغة غير مباشرة بين "حزب الله" وإسرائيل، والأمر نفسه بالنسبة الى الجنديين الإسرائيليين أو بالنسبة الى تبادل الأسرى.
الحكومة تفاوض كي لا تُكرّس
"دولة حزب الله".. و"دول" أخرى
ويؤكد جنبلاط انّ المعنى الحقيقي لما تقوله قوى 14 آذار، ولما أكّدت عليه في بياناتها منذ بداية العدوان الإسرائيلي، حول حصرية قرار الحرب والسلم بالدولة، ستكون ترجمته الأولى في التفاوض حول وقف إطلاق النار. ويلفت الى أنّه إذا كانت المصلحة اللبنانية الفعلية تقتضي أن تكون الحكومة ناطقة باسم الدولة ومفاوِضة عنها، تأكيداً لوحدة البلد، فإن من مصلحة "حزب الله" أيضاً أن تتولى الحكومة هذه الأمور. ويعتبر رئيس "اللقاء الديموقراطي" أن عدم قيام الحكومة بهذا الدور، أو عدم تمكينها منه، من شأنهما قيام "دولة حزب الله" بديلاً من الدولة "الرسمية"، لا بل يشير جنبلاط الى انّ ذلك لو حصل سيقود إلى تداعيات خطيرة على وحدة البلد، منها قيام "دول" داخل الدولة. ويلفتُ في الوقت نفسه الى ان هذا الموضوع يجب أن يُفتح في لحظة ما مع "حزب الله" ليكون الأمر واضحاً تماماً، موضحاً ان هذه اللحظة لن تتأخّر، لأن الاتصالات الخارجيّة، الاقليميّة والدوليّة بدأت تتكثّف، ولا بدّ من حضور لبنان بدولته فيها، بـ"تسليم" من الجميع بهذه الحقيقة.
ويعلنُ جنبلاط صراحةً انّه إذا كان ـ وسائر قوى 14 آذار ـ يعطي الأولوية لوقف العدوان الإسرائيلي، مما يعني "التوحّد" اللبناني ضد إسرائيل، فإنه ـ وسائر قوى 14 آذار أيضاً ـ لن يتساهل في هذه المسألة المركزية و"لا بأس" من "كباش" سياسي داخلي حولها اذا اقتضى الأمر. ذلك انّ الوقت من وجهة نظره هو لدعم الدولة وليس لـ"التلاعب" بوجودها وبمصيرها، لا بل ان الدولة هي "العنوان" الذي يجب أن يتصدّر بالتزامن مع محاولات إنقاذ لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية.
وقف اطلاق النار: اتفاقية الهدنة
على أن لجنبلاط قناعة بأن وقف اطلاق النار، لا بد أن يقترن بإعادة "الروح" إلى اتفاقية الهدنة للعام 1949، وبنشر الدولة جيشها في الجنوب برعاية دولية، خاصة ان ثمة، في نهاية الشهر الجاري، بحثاً في التجديد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب، ما يمكن معه الطلب من المجتمع الدولي تعزيز دور "الطوارئ" الى جانب الجيش اللبناني.
ولا يخفى هنا أن جنبلاط الذي يتطلع الى أن يكون العدوان الحالي آخر عدوان على لبنان، يعتبر ان المخرج الذي يجب التوصّل إليه هو تأكيد الهدنة ـ حال اللاحرب واللاسلم ـ بضمانة الدولة اللبنانيّة والمجتمع الدولي الذي يلتزم لبنان سقف قراراته. هذا مع العلم انّ جنبلاط الذي يعتبر انّ الحرب الدائرة أميركيّة إسرائيليّة ـ ايرانيّة سوريّة، لم يتوصّل على الرغم من "السماح" الذي أعطي لإسرائيل، إلى استنتاج مفاده انّ الرعاية الدوليّة لاستقلال لبنان قد سقطت وإن كانت "تشوّهت" إذا جاز التعبير.
الاستقلال والدولة.. والمجتمع الدولي
وغنيّ عن القول في هذا السياق انّ "المحور" الذي تدور حوله أفكار جنبلاط، هو انّ لبنان الذي ربح معركة استقلاله الثاني في العام 2005، يجب ألاّ يخسر هذا الاستقلال. وكي لا يخسر استقلاله، من الواضح انّ المدخل الرئيسي هو وجود الدولة وعدم السماح بـ"دول" داخلها، وانّ المدخل الآخر هو بقاء لبنان على انتسابه إلى الشرعيّة الدوليّة وإلى اتفاق الطائف. فوقف إطلاق النار على أساس اتفاقية الهدنة هو من ضمن الشرعيّة الدوليّة والطائف من جهة وهو من ضمن المصلحة اللبنانيّة من جهة ثانية، على أن تبحث "كافّة" الامور الأخرى بعد توقّف العدوان.. وعلى قاعدة بسط الدولة لسيادتها على كلّ الأراضي اللبنانيّة وفي الجنوب أساساً.
أهل الجنوب في حضانة الجبل
على انّ "أهمّ" ما يختم جنبلاط به، تأكيده على دور الجبل وأهله، بعيداً عن أيّ اختلاف في الرأي أو أيّ سجال سياسي، في احتضان أهل الجنوب وحمايتهم ومساعدتهم، إذ يعتبر انّ أهل الجنوب كانوا دائماً الخطّ الأمامي في الدفاع عن لبنان، ودفعوا الأثمان الباهظة، أحياناً كثيرة نتيجة لصراعات واعتبارات لا علاقة لها بمصالحهم، فكانوا وقوداً لشتّى الحروب، وإن كانوا بالفعل المتراس الأول ضدّ الاعتداءات الإسرائيليّة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.