8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا مخرج من الدمار إلا بالدولة وسيادتها

سعى رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في كلمته المؤثرة إلى اللبنانيين مساء أول من أمس، إلى تلمّس سبل الخروج من المحنة التي يعيشها لبنان في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، فقدّم تصوره لـ"المخرج".
يدركُ الرئيس السنيورة، كما يدرك أي متعاطٍ بالشأن السياسي أن وقف العدوان الإسرائيلي أو ما يسمى وقف اطلاق النار، غير قابل للتحقق بـ"القوة" تماماً لأن لا تكافؤ عسكرياً بين طرفي المعركة ـ الحرب، وأن وقف النار تالياً لا يمكن أن يتم إلا بمعطيات سياسية. ولا مفرّ لحصول ذلك، من توافر مواقف واستعدادات معينة.
السنيورة والحد الأدنى للدخول على خط الاتصالات الدولية
في هذا الإطار، أعلن الرئيس السنيورة مجموعة من العناوين الرئيسية. أكد أولاً أن ثمة في لبنان حكومة شرعية يعود إليها وحدها الحق السيادي في التفاوض باسم الدولة ومصالحها. وأكد ثانياً ان للدولة اللبنانية سائر الحقوق السيادية وأهمها السيادة على الأرض والمؤسسات. وأكد ثالثاً التزام لبنان بالشرعية الدولية وقراراتها، لا سيما التزامه بـ"الخط الازرق" على الحدود، المرسوم بعد التحرير في العام 2000 تطبيقاً للقرار 425، والتزامه باتفاقية الهدنة التي استند اليها اتفاق الطائف.
وما اعلنه السنيورة، هو "الحد الأدنى" الذي يمكّنه ـ والحكومة ـ من الدخول على خط الاتصالات والمفاوضات الهادفة إلى وقف العدوان الإسرائيلي، والذي يمكّن المجتمع العربي والدولي من التعاطي مع "سلطة" في لبنان. وبغير ذلك، يكون السنيورة وحكومته تخليّا عن مسؤوليتهما الدستورية والوطنية.
البدائل الأخرى.. خطيرة
ان إعلان ان ثمة حكومة ذات سيادة في لبنان هو المدخل وحده إلى المخرج.
وهذا الاعلان الذي يؤكد حقوقاً طبيعية للدولة، هو ايضاً منسجم مع مقررات مجلس الوزراء في جلساته المفتوحة منذ اندلاع العدوان.
وواقع الامر، أن لا بديل مما عرضه السنيورة سوى مزيد من الأخطار. البديل الأول هو استمرار العدوان في مدى زمني غير منظور. والبديل الثاني هو استمرار الدمار وارتفاع الكلفة البشرية والمادية وصولاً إلى تهديد وجود لبنان نفسه. والبديل الثالث الخطير جداً هو إغراق لبنان في الفوضى الداخلية. والحال، أن لا بديل اسمه استمرار "المواجهة" لأن لا مكاسب يحققها البلد من هذه الحرب.. وإذا كان ثمة من يعتقد ان "ايذاء" إسرائيل بصواريخ تضرب في العمق، فإن ذلك ـ على صحته ـ لا يمثل مكسباً سياسياً، لأنه غير قابل للصرف.
كذلك، من المستحيل مقاربة "المخرج" من العدوان، بالاستمرار في "المواقف النظرية" التي كانت قائمة قبل العدوان. فما بعد العدوان ونتائجه غير ما قبله. وما كان مُستأخراً قبل الحرب الإسرائيلية لم يعد ممكناً استئخاره بعدها.
"حضور" الدولة يحمي من التوترات الأهلية
وأكثر من ذلك، ان الحماية الوحيدة للبلد هي "حضور" الدولة ممثلة بالحكومة. فهذا "الحضور" يؤمن مفاوضاً باسم لبنان مع الشرعية الدولية. وهذا "الحضور" هو الذي "يضبط" النتائج.. وهو الذي يؤمن مرجعية داخلية. ذلك ان اخطر ما في الأمر، ان تسقط الدولة فتخلي مكانها لـ"فوضى سلطات داخلية". وإلى ذلك، يضاف ان حضور الدولة، وقيامها بالتفاوض مع الخارج العربي والدولي بحثاً عن مخارج لوقف العدوان، هو الذي يقيم الحد الفاصل بين "اضطرار" لبنان إلى مواجهة عدوان على ارضه من جهة وبين أن يكون ثمة من يستدرجه إلى حرب متعددة الأبعاد الإقليمية ما يجعل منها حرباً اقليمية على ارض لبنان فقط.. من جهة ثانية.
إذاً، باسم التضامن الوطني "ضد" العدوان الإسرائيلي لا يمكن حجب الدولة او إسقاطها.. لا بل ثمة خوف حقيقي من ان تقود تطورات الحرب إن لم تمكّن الحكومة من التفاوض على مخرج، إلى انتشار مسلح لـ"المقاتلين" في المناطق اللبنانية المختلفة، اي ان تصبح مناطق عديدة مسرحاً لانتشار مسلح يقوّض السلم الأهلي.. أي أن ثمة خوفاً من ان تتحول "المواجهة" المفترضة للعدوان فوضى لبنانية شاملة وتوترات أهلية.
لذلك، وعلى خلفية كل المقدمات الآنفة، فإن ما اعلنه الرئيس السنيورة "طبيعي"، لكنه "منطقي" قبل كل شيء. فلا معنى لكل الشعارات التي تطلق باسم "التضامن" تارة او باسم "الصمود" تارة أخرى، ذلك ان الهدف الأول يجب ان يكون وقف العدوان، وكي يتوقف العدوان لا بد من دولة تبسط سيادتها على ارضها وتكون الناطقة الحصرية باسم البلد.
الفرز السياسي يتجدد.. وقوى مناهضة الدولة "تنشط"
وربما بل على الأرجح، لهذه الاسباب، أدت رسالة رئيس الحكومة إلى فرز سياسي داخلي متجدد.
فبالإضافة إلى "حزب الله" المقيم حاليا ضمن "المواجهة"، لفت خلال الساعات الماضية، عودة القوى الحليفة لسوريا والموالية لها إلى الاصطفاف ضد الحكومة وضد رئيسها، وضد فكرة الدولة.
لم يخفِ عدد من الموالين للنظام في دمشق "استياءهم" من السنيورة علناً فيما كالوا له شتى الاتهامات في "السر"، من الاتهام بـ"التخاذل" إلى الاتهام بـ"التآمر".
وإذا كان من نافل القول ان هذه الاتهامات باطلة، ففي المقابل ثمة ما يجب قوله.
ليس خافياً أن دمشق سعت خلال الشهور الماضية إلى إسقاط الحكومة الاستقلالية الأولى بعد انتهاء الوصاية السورية. وليس خافياً أيضاً أن معظم حلفائها وأعوانها أعطوا الأولوية لهذا الموضوع. ومن الواضح أن ثمة في خضم الحرب الإسرائيلية على لبنان استهدافاً للحكومة واستهدافاً للدولة، أي تحويل نتائج الحرب الإسرائيلية إلى إسقاط الدولة اللبنانية. ومن المعروف ان اسقاط الدولة يعني الإمعان في جعل البلد ساحة، ويعني الفوضى ويعني عودة التوترات الأهلية. وإسقاط الدولة يبدأ عملياً من منعها من الاضطلاع بدورها، أي بالحؤول دون إقدامها على خطوات انقاذية بـ"حجة" عدم "توافق" الجميع.
إذاً، إن الوضع الخطير الذي يمر فيه لبنان الآن بفعل العدوان الإسرائيلي، يحتم مبادرة الدولة، اي الحكومة، إلى التقدم بموقف تخاطب على أساسه المجتمع الدولي. وليس مؤكداً أن التطورات العسكرية ستأتي بمتغيرات سياسية جوهرية لصالح لبنان، مما يفترض به ان يتريث في المبادرة، كما أكد الوزير محمد فنيش في مجلس الوزراء أمس باسم "حزب الله".
مبادرة الحكومة في وقتها: "التسوية" بالهدنة
فالمجتمع الدولي، أي مجلس الأمن الذي لم يصدر قراراً بوقف إطلاق النار في اجتماعه يوم الجمعة الفائت، أعطى عملياً "فترة سماح" لإسرائيل لمواصلة حربها. وفي هذه الحالة فإن مطالبة لبنان بوقف إطلاق النار يجب أن تقترن بفتح قنوات البحث الجدي الموصل إلى وقف إطلاق النار.
بكلام آخر، لا يستطيع لبنان ضمن توازن القوى الدولي ـ والاقليمي العربي ـ الراهن أن يطلب وقفاً غير مشروط لإطلاق النار. وعليه ان يحدد ما هو مستعد لعمله في المرحلة التي تلي وقف النار، اي ان يحدد "التسوية" التي يمكنه الالتزام بها، والتي تبقيه تحت سقف الحماية الدولية، وإلا فالخطر كل الخطر من استمرار الحرب بوتائر مختلفة. فليس في وسع لبنان ان يحتمل استمرار الحرب إذا كان بديلُها الوحيد وقفاً غير مشروط لإطلاق النار لا يحصل. ولذلك فإن ما قاله الرئيس السنيورة يتضمن الخطوط العريضة لـ"المخرج" أو "التسوية" أو "الحل". وليس في هذه الخطوط العريضة ما يصيب الثوابت اللبنانية، لأن السنيورة لم يعرض صلحاً منفرداً مع إسرائيل، ولم يعرض نزع سلاح "حزب الله"، وهو أصلاً في كل كلمته لم يأت مرة واحدة على ذكر القرار 1559، مع ان هذا القرار يلزم لبنان. وجلّ ما عرضه السنيورة هدنة على طول الخط الأزرق تضمنها الدولة برعاية الأمم المتحدة. وليس من لبناني يجهل أن في العرض اللبناني محاولة إنقاذ مبنية على تحديد الخسائر السياسية، ولا يمكن أن يكون فيها محاولة لتحقيق مكاسب. وليس من لبناني يجهل أن ما كان لبنان يتصرف بـ"بطء" تجاهه، هو مطالب باستعجاله. وإلى ذلك يضاف أنه إذا كان "الثمن" المطلوب دفعه في مقابل وقف العدوان، هو ان تبسط الدولة سيادتها على كافة الأراضي اللبنانية، فإنه أقل الأثمان، وهو لا يقاس بما دُفع من أثمان حتى الآن وما يمكن ان يُدفع في حال إستمرار العدوان.
السباق محمومٌ بين استمرار الحرب وبين المبادرة الذاتية إلى "تسوية" ما توقفها، تحظى بتأييد عربي ودولي.. وان ثمة فرصة من قلب الحرائق والتدمير.. أي أن ثمة فرصة من قلب الحرائق والتدمير... هي فرصة حضور الدولة اللبنانية.. فحذارِ تبديدها وسوقُ لبنان إلى المجهول ـ المعلوم... إلى الفوضى والتوترات الأهلية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00