قبل نحو اثنتي عشرة ساعة فقط من اشتعال "الجبهة" في الجنوب وبداية العدوان الاسرائيلي الواسع، وفي جلسة حوار مع الرئيس نبيه بري، سئل رئيس المجلس النيابيّ: كيف تفسّر "الهدوء" في لبنان حيال ما يجري في فلسطين، لا سيما التعاطي الهادئ من جانب "حزب الله" مع التطورات الفلسطينية؟
بري وحديث "الاتفاق السري"
وفي معرض اجابته عن هذا السؤال، أكد الرئيس بري ان الحاضرين على طاولة الحوار أقروا في الجولة التاسعة الماضية "اتفاقاً سرياً" يقضي بتهدئة شاملة على الصعد كافة، وبأن لا تُقدِم المقاومة على أي عمل في هذه الفترة، وكل ذلك بهدف تقطيع شهور الموسم السياحي الواعد. وكشف بري أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أيد هذا الاتفاق "السري" وتعهد الالتزام به.
غير ان السيد نصر الله وفي مؤتمره الصحافي أول من أمس بعد أسر المقاومة الإسلامية جنديين اسرائيليين، قال كلاماً مغايراً لما كشف عنه بري وأكده غير واحد من اركان مؤتمر الحوار. قال نصر الله إن القرار بأسر جنود اسرائيليين متخذ منذ مطلع العام 2006 الجاري، اي قبل انطلاق الحوار الوطني في الثاني من آذار الماضي، وقال ايضا إن مسألة أسر جنود العدو "مفصولة" عن القضايا الأخرى، وإنه ابلغ ذلك إلى عدد من الزعماء السياسيين. وأضاف السيّد بنوع من "التبسيط" أن الحزب يريد أسر جنود "فقط" ولا يرمي إلى جر البلاد والمنطقة إلى حرب، وأنه ليس في وارد "التصعيد".
لماذا قال نصر الله إن أسر الجنود "منفصل"؟
طبعاً، لا يختلف اثنان على أن في كلام نصر الله تبسيطاً، لأنه في مقدم الذين يعلمون أن عمليةً لأسر جنود اسرائيليين ليست أمراً عادياً، خاصة إذا تمت العملية خلف "الخط الأزرق" لجهة حدود فلسطين، وأن هكذا عملية لن تبقى بلا رد فعل اسرائيليّ عنيف، وأنها بالتالي سوف تدفع اسرائيل إلى عدوان كبير بـ"ذريعة" كبيرة.
والمقصود قوله هنا، هو ان "حزب الله" لم يلتزم بـ"الاتفاق السري". وإذا كان صعباً تصديق أن لا اساس لهذا الاتفاق الذي أكد وجوده مدير الحوار وعدد من اركان هذا الحوار، واذا كان صعباً أيضاً تصديق ان "حزب الله" لا يلتزم عادة بما يتعهد به، فإن الأرجح في هذه الحالة، هو ان ضغوطاً قوية دفعت الحزب إلى خرق ما اتفق عليه، وأن هذه الضغوط أتت من مصدرين إقليميين سوري أو إيراني أو الإثنين معاً.
تبديد "غير مفهوم" لإنجاز التحرير
بطبيعة الحال، لا جدال في ان عملية أسر الجنديين الإسرائيليين "مبررة" اخلاقياً وانسانياً ووطنياً وكانت ناجحة بالمقاييس العسكرية والقتالية، بيد أنها بالحساب السياسي لم تكن كذلك إطلاقاً.
وإذا كان من نافل القول ان النتائج السياسية والاقتصادية، الأولية حتى الآن، كانت مكلفة على لبنان، وأدت بالفعل إلى اعادة البلد سنوات إلى الوراء كما هددت اسرائيل، وإذا كان في طليعة النتائج المكلفة ما بدا أنه تبديد "غير مفهوم" لإنجاز التحرير المتحقق في العام 2000 بإعادة البلد إلى دائرة الحصار أو الاجتياح أو التدمير بعد ست سنوات من التحرير، فإن ما يجدر التوقف عنده في السياسة "المباشرة" يتعلق بالمشهد السياسي العام خلال اليومين الماضيين.
لا شك أن تضامناً وطنياً لبنانياً "ضد" العدوان الإسرائيلي حصل قبل أن يطلبه السيد نصر الله.. وكان يجب أن يحصل.. وليس في حصوله أي مفاجأة، لا بل كان حصوله إثباتاً لرؤية موحدة لدى الفرقاء كافة إلى "العدو الإسرائيلي".
خطاب نصر الله إلى الداخل: الأمر لي!
بيد أن مطالبة نصر الله بالتضامن، جاءت مقرونة بعدد من "الهوامش". فعلى غرار ما يقوله الشعار "القومي" المعروف بأن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، دعا السيّد إلى الالتفاف حول المقاومة سواء اصابت في عمليتها او أخطأت، والنقاش لاحقاً. كذلك "لطّش" نصرالله على قوى 14 آذار في دعوته لها إلى اتخاذ موقف سريع من العدوان الإسرائيلي "لا أن تتأخر كما فعلت بالنسبة إلى الشبكة الإسرائيلية التي تم اكتشافها".
إذاً ومهما قيل عن وظيفة العملية، بما هي عملية هادفة إلى إقفال ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، فإن خطاب الأمين العام لحزب الله الموجه إلى الداخل ينطوي على مؤشرات خطيرة عدة.
في مقدّم هذه المؤشرات الخطيرة، أن العملية العسكرية ضد إسرائيل، كان لها "مفعول انقلابي" في الداخل اللبناني.. أي أنها وضعت في إطار التوظيف لتعديل توازن القوى الداخلي.
ذلك ان العملية العسكرية لم تأتِ فقط لـ"تداهم" الجميع وخلافاً للمتفق عليه في مؤتمر الحوار، ولم تأتِ فقط بمعزل عن الاولويات الوطنية المرحلية، ولم تكن فقط "مستقلة" عن السياق اللبناني الراهن، بل لم يخفِ السيد نصرالله في مؤتمره الصحافي مقولة ان "الأمر لي"، حيث بدا متحدثاً بوصفه "السلطة" في البلد التي "تُملي" ما يجب وما لا يجب، فـ"نصح" الرئيس فؤاد السنيورة بالموقف الواجب اتخاذه وبكيفية السلوك بناء على "أمر واقع" مفروض.
مجلس الوزراء:
التضامن "ضد" اسرائيل.. و"المسؤولية"
وفي هذا "المناخ"، كان على مجلس الوزراء ان يجتمع ليحدد موقفه من "الأحداث".. اي في مناخ الإعلان عن "سلطة المقاومة" أو "سلطة حزب الله".. أي في ظل ازدواج في السلطة، أقلّه على مستوى المسألة الوطنية العامة.
لم يخرج الموقف الذي اتخذه مجلس الوزراء عن مبدأ التضامن "ضد" إسرائيل. وقد تجلى ذلك في إدانة العدوان الإسرائيلي وفي طلب انعقاد مجلس الأمن الدولي ودعوته إلى اتخاذ قرار شامل بوقف إطلاق النار، كما تجلى في الحركة السياسية الواسعة التي قام بها الرئيس السنيورة محلياً وعربياً ودولياً، لكن الحكومة اللبنانية لم يكن في وسعها ان تتبنى العملية وتداعياتها، فأكدت انها "لم تكن تعلم بها" وهذا بديهي مضيفة أنها "لا تتبنى" العملية، خاصة في وقت تحمّلُها اسرائيل التبعات.
إذاً، تحت سقف التضامن "ضد" إسرائيل، اعلنت الحكومة أنها لا تتبنى عملية "حزب الله". اعترض وزراء الحزب وتضامن معهم وزراء "امل" على كلمة "لا تتبنى". لكن الموقف كان يمكن أن يكون "أقوى". وبالفعل استدرك مجلس الوزراء ذلك في جلسته أمس فأعلن الالتزام بالشرعية الدولية وبالخط الأزرق وأكد سيادة الدولة وحق الحكومة في ممارسة هذه السيادة التي يبقى من ضمنها لا بل في مقدمها الحق الحصري في التفاوض باسم لبنان.
إلحاق لبنان.. بخيار إقليمي سوري
من المؤشرات الخطيرة التي انطوى عليها خطاب نصرالله الموجّه إلى الداخل، أن الأمين العام لحزب الله المدرك لـ"المفعول" الانقلابي للعملية العسكرية داخلياً تصرف على أنه "السلطة الآمرة". وهذا ما ينبغي ان يكون موضع متابعة من جانب فريق 14 آذار. ذلك أنه ومهما قيل في العملية، فإنها في أبعاد نتائجها تعني إلحاقاً للبنان بالسياسة السورية ـ الإيرانية ـ اقليمياً. والتمكُّن من تحقيق ذلك يعني فرض خيار اقليمي على الدولة اللبنانية بقوة "الأمر الواقع". ولا مبالغة في القول أن الانقلاب السياسي كي يتحقق، يبدأ من فرض خيار اقليمي يجعل لبنان "ساحة" لسياسة ينفذها الآخرون، كما يبدأ بإثبات أن لا مكان لخيار لبناني مستقل يقوم على التعاون مع قرارات الشرعية الدولية وفاقاً للمصلحة اللبنانية، التي يُفترض أن يتوصل مؤتمر الحوار الوطني إلى تحديدها.
الخطر على مؤتمر الحوار
لذلك فمن المؤشرات الخطيرة أيضاً، أن ما جرى في اليومين الماضيين، والمتوقع استمراره أياماً وأسابيع، يضع مؤتمر الحوار على "كف عفريت"، ويعني ان النظام السوري المستعين على مواجهة الضغوط التي يتعرض لها والاستحقاقات التي عليه مواجهتها بـ"التفجير" في لبنان، إنما ضاق ذرعاً بالحوار، ولم يتحمل اتفاقاً لتقطيع موسم الصيف، فانتقل إلى فرض أمر واقع.
في ضوء ما تقدم ذكره، لا سبيل أمام فريق 14 آذار والحكومة إلا اثنان: منع "الانقلاب" من تحقيق أهدافه وذلك بأن تمسك الحكومة بناصية القرار بحزم، والتمسك بالشرعية الدولية.
إسرائيل تحيّد سوريا والمجتمع الدولي "يصوّب"
ذلك أن أغرب ما في السلوك الإسرائيلي أنه يدفّع لبنان الثمن باهظاً ويحيّد النظام السوري عن مرماه. وإذا كان هذا النظام يقود انقلاباً في لبنان عبر "حرب" مع إسرائيل بـ"الواسطة" لإعادة الإمساك بـ"الورقة" اللبنانية، فإن المجتمع الدولي ـ والعربي ـ مسؤول عن حماية لبنان، وعن وقف العدوان الاسرائيلي عليه حدّاً للأكلاف التي يدفعها بدون اختياره الحر. وإذا كان مما لا شك فيه أن الدول الكبرى، سارعت إلى مطالبة اسرائيل بـ"عدم المبالغة" في الاعتداء على لبنان وبـ"عدم تدفيع الحكومة اللبنانية الثمن"، فإن هذا الموقف الدولي الذي دعم استقلال لبنان وسيادته يجب ان يتطور ردعاً لمزيد من العدوان الإسرائيلي على بلد لا يزال يحبو في مسيرته الاستقلالية. فما يجري في لبنان حالياً لن تبقى المنطقة كلها معزولة عن تداعياته، وثمة مصلحة دولية أكيدة في وضع حد للعدوان الإسرائيلي.. وإلا فإن عدم الضغط الدولي على إسرائيل سيؤدي إلى إسقاط لبنان مجدّداً في القبضة السورية وإلى إسقاط مسيرة استقلال لبنان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.