منذ فترة غير بعيدة، عقد النائب السوري محمد الحبش مؤتمراً صحافياً في دمشق، تحدث فيه بما لا يفترض بـ"نائب" في سوريا أن يعرفه ان لم يكن مقرباً من النظام أو مكلفاً من قبله.. فتحدث عن "خلايا نائمة" لمقاومة سورية في الجولان المحتل ستتولى مواجهة أي عدوان على سوريا. وبعد هذا "الاعلان"، توالى الكلام المنقول من دمشق عن ان فتح "جبهة الجولان" يدخل في حسابات النظام السوري للمرحلة المقبلة.
إسرائيل تُسقط "الخط الأحمر"
بطبيعة الحال، من المفترض بداية أخذ هذا "التلويح" أو هذا "التهديد" السوري على محمل الجد. فماذا يعني؟
لا شك أولاً في ان النظام في سوريا يتعاطى بـ"جدية" مع التهديدات الاسرائيلية الموجهة اليه، لا سيما بعد تحليق الطيران الحربي الاسرائيلي فوق اللاذقية قبل أقل من شهر، أي خلافاً للانطباع الذي حاول أن يخلّفه في حينه بأن التحليق الاسرائيلي لا يعدو كونه رسالة "سخيفة".
ولا شك ثانياً ان نظام دمشق "استوعب" أخيراً ان ثمة متحولاً جوهرياً في السياسة الاسرائيلية حياله، لم تعد اسرائيل بموجبه تلزم نفسها بـ"خط أحمر" لا تهدد على أساسه استقرار النظام وبقاءه.
غير انّ هذا التهديد السوري "غير الرسمي" حتى الان، يعني فضلاً عن المعنيَين السابقين ان النظام فيما لو قرر "نهائياً" اعتماد الخيار الملوّح به، انما يكون في صدد قرار يتخذه للمرة الأولى منذ حرب تشرين عام 1973، وبعد اتفاقية فك الاشتباك عام 1974. بأن يقاتل بـ"اللحم الحيّ" السوريّ.
القرار غير "رسمي" بعد لكنه أول تهديد من نوعه
فمن المعروف ان هذا النظام مارس عبر سنوات وجوده "هواية" الصراع بـ"لحم" الآخرين، ومارس سياسة "تجميع الأوراق" بحيث كانت دول وحركات سياسية في المنطقة "أوراقاً"، ومن ضمنها لبنان. حتى المقاومة في لبنان تعاطى معها بوصفها "ورقة" أيضاً. فهل ثمة انعطافة "استراتيجية" في سياسة نظام دمشق وعمّا تعبر فعلاً؟
من نافل القول ان قراراً من هذا النوع فيما لو اتخذ نهائياً بالفعل، انما يعكس ضعفاً ومأزقاً. فأن "ينتقل" النظام من القتال بـ"الآخرين" الى القتال "المباشر"، ليس معيار قوة.
غير ان ما يستدعي التوقف برهة أمامه، يتعلق بقدرة "نظام" و"سلطة" حاكمين على فتح جبهة عسكرية بعد إثنين وثلاثين عاماً من التوقف عن العمل العسكري، ناهيك بقدرتهما على تنظيم "مقاومة" شعبية بالمعنى "الجدي" للكلمة.
لكن، وفي جميع الأحوال، وعلى افتراض ان الأمر حسم بطريقة "ما"، فان القرار سواء بفتح "جبهة" الجولان أو بتحريك "مقاومة" في الجولان السوريّ المحتل، ليس أقل من قرار بحرب سورية ـ إسرائيلية. ذلك ان إسرائيل لن تتعاطى مع الموضوع بما هو أقلّ من هذا.
التهديد بحرب سورية ـ إسرائيلية: الهروب إلى الأمام
ماذا إذا؟
لأن الموضوع يعادل حرباً سورية ـ إسرائيلية خاسرة، ولأنه يعادل مغامرة ليس فقط بخسارة الحرب بل بالنظام نفسه، ولأنها حرب في ظروف عربية غير مؤاتية على الاطلاق.. فإن متابعين كثراً يستبعدون تحول "التلويح" أو "التهديد" بفتح "جبهة الجولان" الى قرار رسمي "نهائي".
بيد ان لمتابعين آخرين رأياً آخر. وينطلق أصحاب هذا الرأي الآخر من انّ الخيارات أمام النظام السوري ضاقت الى الحد الذي يجعل اتخاذه هكذا قرار ممكناً. ويعتبرون ان النظام "قد" يلجأ الى هذا الخيار لـ"تكبير" المشكلة على أمل "تصغيرها". ويعتبرون ان "هروبه" الى الأمام نحو حرب مع اسرائيل يجعل منه عنواناً عربياً "بطلاً"، أي انه يأمل بانتزاع هذا العنوان. ويعربون عن اعتقادهم ان النظام السوري بهروبه الى حرب مع اسرائيل "يأمل" تحويل الأنظار عن الاستحقاقات التي يواجهها دولياً، لا سيما منها ملفه أمام التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ويرون ان في مثل هذا الهروب نحو حرب مع اسرائيل، مراهنةً من قبله على تطورات معينة، كأن تُفتح الجبهة في الجنوب اللبناني في هذه الحالة، وهي الجبهة غير القابلة للفتح على ما يبدو في ظروف أخرى، وكأن "تتحرك" ايران بشكل من الأشكال، فتكبر "المشكلة" بأن تصبح اقليميّة عامة وتتداخل عواملها ومعطياتها.
إذاً، بقدر ما يبدو القرار بفتح جبهة الجولان مغامرة وفق كل المقاييس تعكس المأزق السوري، يبدو في المقابل أن المغامرة "ممكنة".. إذا اتخذ القرار "رسمياً" على قاعدة انعدام الخيارات وعلى أساس التهديد بـ"كبر" المشكلة.
غير أن ما يستوقف المراقبين والمتابعين، في ما يتجاوز احتمال إقدام النظام في سوريا على هذه المغامرة ما لم يكن في الأمر تهديداً على "الطريقة الصّدامية"، هو مجموعة من الدلالات السياسية المباشرة.
ماذا عن علاقة دمشق بطهران؟
ثمة تساؤل "كبير" لدى المراقبين والمتابعين عن "واقع" العلاقة بين دمشق وطهران. فمن الواضح أنه فيما تبدو إيران مدعوّة من المجتمع الدولي الى مفاوضات تنطلق من الملف النووي الايراني، فان سوريا تواجه عزلة دولية يشتد طوقها. وبكلام آخر، إن الجمهورية الإسلامية في صدد تفاوض، تملك فيه نقاط قوة، وتستطيع عبره التوصل الى تسوية وإن تكن هذه التسوية لا تزال مجرد احتمال حتى الآن أي أنها ليست حتمية بالضرورة. ولإيران مصلحة في التسوية كما للمجتمع الدولي ـ وأميركا ـ مصلحة أيضاً. الجانبان يستطيعان "الأخذ" ويمكنهما "العطاء". وهذه ليست حال دمشق والنظام فيها.
صحيح أن دمشق وطهران حليفان. لكن الصحيح أكثر هو ان دمشق، وقد انقلبت "الآية" بعد انسحابها العسكري من لبنان، ورقة في يد طهران. ويعتبر المراقبون ان إيران مرتاحة الآن، خاصة بالقياس الى سوريا. ويعتقدون ان ثمة قلقاً سورياً، حيث ان دمشق تخشى توصل المفاوضات الإيرانية ـ الدولية الى تسوية لا يكون لها مكان فيها. وبهذا المعنى، فهم يرون ان ثمة مزايدة سورية على إيران، لا سيما في ما ظهر من أداء سوري في الموضوع الفلسطيني مؤخراً.
وعلى قاعدة ان للحليفين السوري والإيراني موقعين مختلفين وان لهما امكانيات متفاوتة وحسابات مختلفة، وإذا ما نظر الى الوضع من زاوية أن ايران تفاوض في جملة ما تفاوض عليه، على موقعها ودورها الاقليميين، فإنه يمكن القول ان حساب ايران لمصالحها في المنطقة بما في ذلك في لبنان يختلف عن الحسابات السورية. ولذلك يكبر السؤال الآتي: هل باتت دمشق حليفاً متعِباً لإيران؟
"حزب الله" و"الأداء الهادئ"
كذلك، يتوقف المراقبون أمام العلاقة بين دمشق "وحزب الله". وفي هذا المجال، "يلاحظون" أنه وعلى الرغم من التحالف المعلن بين الجانبين، فإن تعاطي "حزب الله" في الآونة الأخيرة مع المسألة الفلسطينية كان أكثر "هدوءاً". ويسجلون في هذا ا لمجال أن "حزب الله" يبدو واعياً لـ"حقيقة" أن واقع "الجبهة" في الجنوب اختلف عما كان عليه منذ مدة، لفترة من الزمن على الأقل. ويسجلون ايضاً ان سلوك الحزب يبدو أنه يأخذ في الحسبان اعتبارات لبنانية تتصل بالوضع اللبناني و"مصالحه" وبالعلاقات اللبنانية ـ اللبنانية الداخلية "الدقيقة"، ويأخذ في الحسبان أيضاً واقع أن شطراً مهماً من مصير الوضع الاقليمي ككل يتوقف على ما ستسفر عنه المفاوضات الايرانية ـ الدولية، في وقت لا يبدو أنه يرى في مسار التطورات في فلسطين مأزقاً فلسطينياً.
في ضوء ما تقدم ذكره، وإذا ما أعيد وضع التهديد السوري بفتح جبهة الجولان سواء عبر عمل عسكري نظامي أو عبر مقاومة "ما" في نصاب المعطيات على الصعد الدولية والاقليمية، يبدو في نظر المراقبين والمتابعين ان هذا التهديد يعكس مأزقاً سورياً من ناحية ويعكس من ناحية ثانية "تباينات" أو "اختلافات" في الحسابات والتقديرات بين الحليفين السوري والايراني، من دون أن يرتب هذا الاستنتاج بالطبع تفضيلاً للسياسة الايرانية التي لها قراءة خاصة في جميع الأحوال.
الخوف الطبيعي من فوضى سورية في لبنان
على أن ما يستوجب لفت النظر اليه بعد كل ذلك، يتعلق باحتمالات الأداء السوري في لبنان بناء على المعطيات الآنفة.
ليس خافياً في هذا المجال أن النظام السوري عندما يكون في حشرة من أمره، يعمل دائماً على محاولة "تنفيس" مأزقه في لبنان وهذه هي القاعدة "المجربة".
لم تتخلَّ دمشق عن اعتبار لبنان "ساحة" وعن التعاطي معه بوصفه "ورقة" من أوراقها. والفوضى في لبنان "ورقة" معلنة من جانب النظام السوري.
على هذا الأساس، لا يُخفي المتابعون خوفهم على لبنان من أداء سوري نحو الفوضى وإثارة البلبلة وضرب الاستقرار. ولذلك وبالرغم من التطور المتمثل في قرار القوى الرئيسية التهدئة و"تقطيع" الوقت الاقليميّ الحرج والخطير والمتجسد في التفاهم الذي أرسي بين رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في لقائهما الأخير مساء الجمعة الفائت، فان الخشية يجب ان تبقى قائمة من تدخل سوري مباشر أمني أو غيره، ومن أدوات سورية تثير فتنا متنقلة كتلك التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة.
وما يعزز الخوف والخشية، هو ان الهجوم السوريّ المضاد على الوضع السياسيّ اللبناني وتوازنه، خلال الشهور الماضية والذي بلغ ذروته بين شهري أيار وحزيران الماضيين، انتهى إلى فشل سياسي، فلا التوازن تعدّل ولا المعادلة تغيّرت.. الأمر الذي يجعل الظن بهجوم سوري متجدد، في محله.
من هنا، الأهمية التي ترتديها الجولة العاشرة من مؤتمر الحوار الوطني في 25 تموز الجاري، من زاوية تشديد التفاهم بين الفرقاء الأساسيين حول حماية لبنان من التداعيات الخارجية في اللحظة الاقليمية الخطيرة.. ذلك ان "افضل" سياسة هي تلك التي تُبعد البلد عن التداعيات الخطيرة باتفاق بين اللبنانيين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.