8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مصلحة لبنان أن ينأى بنفسه عن التداعيات الخطيرة

ليس بعيداً من لبنان، ثمة تطورات خطيرة جداً في طريقها الى البروز قريباً.
ففي معطيات ومعلومات لدى مصادر ديبلوماسية عربية وغربية، ان قراراً إسرائيلياً اتخذ للقيام بعملية عسكرية واسعة ضد غزة والمناطق الفلسطينية، وان هذا القرار الاسرائيلي لا تمنع الولايات المتحدة تنفيذه، إن لم تسلّم الجهات الفلسطينية المعنية الجندي الاسرائيلي المخطوف.
وفي المعلومات نفسها، ان هدف العملية العسكرية الاسرائيلية الواسعة إنهاء وضع السلطة القائمة، لا سيما الحكومة الفلسطينية، وتغيير الواقع الفلسطيني.
المطلوب فلسطينياً إنهاء عملية الخطف
هذه المعلومات تفرض التعاطي معها بمنتهى الجدية، فلسطينياً وعربياً وسورياً ولبنانياً.
فعلى الصعيد الفلسطيني، لا شك ان "معطى" العملية الاسرائيلية الواسعة، يقتضي من الجانب الفلسطيني عموماً ومن الجهات الفلسطينية المسؤولة عن عملية خطف الجندي الاسرائيلي، مراجعة سياسية سريعة للحسابات. وفي هذا المجال، ينبغي القول ان عملية الخطف كانت غير محسوبة جيداً بمقاييس عدة. فاسرائيل في اللحظة الراهنة في حالة من "الجنون" أولاً، وهي لا تتعاطى مع خطف جنود لها في "الداخل" كما تعاطت سابقاً مع خطف جنودها في لبنان على سبيل المثال ثانياً وذلك نظراً الى الفارق "الايديولوجي" بين الارضَين، إضافة إلى أنه لا يمكن نقل تجربة في مكان معين الى مكان آخر، أي أنه لا يمكن نسخ تجربة "حزب الله" في جنوب لبنان و"تقليدها" في فلسطين.. ثالثاً.
من هنا، فان "استدراك" العملية الاسرائيلية، الخطيرة الأهداف والأبعاد، يبدأ بانهاء الجانب الفلسطيني عملية الخطف بأسرع ما يمكن.
"الجبهة" في الجنوب: لا تساهل اسرائيلياً.. وإنذارات
على أن ما تتحدث عنه المعلومات يشير الى ما هو أكثر من العملية العسكرية الاسرائيلية الواسعة ضد الأراضي الفلسطينية. فهي تتحدث عن إنذارات اسرائيلية ـ وأميركية ـ وجهت الى دمشق وعبرها الى "حزب الله"، من أن أي تحرك تحت عنوان "دعم المواجهة الفلسطينية" للغزوة الاسرائيلية الجديدة، لن يمر. فلا إطلاق صواريخ من جنوب لبنان باتجاه اسرائيل سيُتعاطى معه اسرائيلياً ضمن "حدود" معينة، ولا أي عملية في مزارع شبعا أو على "الخط الأزرق" ستكون "عادية".. وما "مرّ" في فترات سابقة لن يمر اليوم.
ويمكن الاستدلال على "جدية" الإنذارات من "واقع" أن اسرائيل وواشنطن كذلك، سارعتا الى تحميل سوريا مسؤولية خطف الجندي الاسرائيلي وطالبتاها بالتعاون لإنهاء هذه "الأزمة". ومعلوم هناك، أن تحميل سوريا المسؤولية انطلق من اعتبار اسرائيل ان الجهة الخاطفة هي حركة "حماس، ومن أن القرار بالخطف اتخذ من جانب قيادة "حماس" في الخارج وعلى رأسها رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل ـ فكان التحذير "العملي" لدمشق عبر تحليق الطيران الحربي الاسرائيلي فوق اللاذقية قبل أيام، وكان شطر رئيسي من التفاوض العربي حول مصير الجندي يتم مع القيادة السورية.. وكانت المطالبة الأميركية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد باعتقال مشعل.
لا تتحدث المصادر الديبلوماسية العربية والغربية عن معلومات حول مكان وجود خالد مشعل "الآن"، ما إذا كان غادر دمشق الى مكان ما، أو ما إذا كان لا يزال في سوريا. لكن المصادر نفسها تؤكد في المقابل ان أي "تدخل" مهما كانت صيغته سواء من قبل سوريا أو من جانب "حزب الله" أثناء قيام اسرائيل بعمليتها ضد الفلسطينيين، ستتم "معاقبته" وبـ"قسوة".
الأخطار على لبنان: "الضبط" الأميركي لاسرائيل محدود الآن
على خلفية ما تقدم ممّا يشير الى تطورات خطيرة في الإطار الفلسطيني، لا مبالغة في القول ان ثمة أخطاراً مباشرة على لبنان.
طبعاً، هناك في لبنان من يثير نقطة جديرة بالاهتمام، تتعلق بالعلاقة الأميركية ـ الاسرائيلية. فخلال المرحلة السابقة، وتحديداً منذ الحرب على العراق اتسمت السياسة الأميركية بعدد من الجوانب أهمها: "ضبط" اسرائيل" وردود فعلها" تحت سقف المصلحة الأميركية وأولويتها من جهة ومحاولة عدم فتح "جبهات" و"مواجهات" إضافية من جهة ثانية ومحاولة مقاربة "حلول "معينة لملفات المنطقة لا سيما ملف المسألة الفلسطينية من جهة ثالثة. غير أنه لا يخفى ان "ضبط" اسرائيل من جانب واشنطن على ايقاع أولوية المصالح الأميركية في المنطقة، ترافق مع "تساهل" أميركي حيال اسرائيل في فلسطين أي السياسة الاسرائيلية في فلسطين.
وفي إطار "ضبط" اسرائيل أميركياً، من المعروف ان الولايات المتحدة "ضغطت" على تل أبيب مرات عدة خصوصاً في العامين الماضيين، أي منذ بداية صدور القرارات الدولية الداعمة للبنان، من أجل منع توسع رقعة الاعتداءات الاسرائيلية، عندما حصلت مواجهات في الجنوب، وهذا ما حصل ـ على ما تقول المصادر الديبلوماسية نفسها ـ في أيار الماضي بعد "حفلة" الصواريخ "المجهولة الهوية". ومن المعروف أيضاً ان جانباً من أسباب "اقتناع" اسرائيل في تلك المرحلة بعدم توسيع التصعيد، يعود الى "اقتناعها" بعدم وضع النظام في سوريا أمام تحد كبير يتعلق باستقراره واستمراره، على اعتبار ان اسرائيل بقدر ما تعتبر ان النظام في دمشق يخلق لها مشاكل، تعتبر في المقابل انه يمكن ان يلتزم بـ"قواعد" سلوك معينة.
الآن، المشكلة الاسرائيلية مع دمشق ذات "منشأ" فلسطيني. فمن وجهة نظر إسرائيل، يتدخل النظام السوري في الشأن الفلسطيني، و"يحتضن" منظمات فلسطينية "تؤذيها" في الداخل و"تدق" بما هو غير مسموح به. قواعد السلوك الاسرائيلي حيال دمشق تتبدل إذاً.
معادلة التضامن السياسي مع الفلسطينيين
والنأي عن "المساهمات" العسكرية
من هنا، وإذ يشار الى أخطار مباشرة على لبنان، فإن هذه الإشارة تنطلق في واقع الأمر من أن قدرة "الضبط" الأميركية لاسرائيل عندما يتعلق الموضوع بالمسألة الفلسطينية، غير متوافرة، ومن أن ثمة تبدلاً أولياً في اسرائيل حيال النظام السوري.
على هذه الأسس جميعاً، ينبغي مقاربة كيفية مواجهة الأخطار على لبنان المتأتية من التطورات الناجمة عن الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي داخل فلسطين في مرحلته الراهنة.
وفي هذا المجال، لا بد من القول ان "تدخل" لبنان في هذا الصراع تدخلاً مباشراً لا يفيده ولا يفيد الفلسطينيين، في حين ان في وسع لبنان أن يلعب دوراً سياسياً وديبلوماسياً مجدياً و"حقيقياً" دعماً للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
وغني عن القول أيضاً أن فتح جبهة ما في الجنوب اللبناني تحت أي مسمى كان سيعرّض لبنان لـ"الجنون" الاسرائيلي، فضلاً عن أنه لا يفيد الفلسطينيين أنفسهم.
كذلك، يجب الانتباه جيداً الى أن النظام في دمشق "قد" يلجأ بذريعة مواجهة العدوان الاسرائيلي الى مزيد من الهجمات على الوضع اللبناني، وقد سبق له أن هدّد بما سماه الفوضى في حالة هذه المواجهة... خاصة إذا استهدف بشكل أو بآخر نتيجة علاقته بما يجري في فلسطين.
ان مصلحة لبنان تكمن في عدم اندفاعه في أتون أخطار جسيمة. وتكمن في عدم اندفاع أي من قواه الرئيسة في أي اتجاه يهدد بجعل لبنان واحدة من ساحات "المواجهة". ان مصلحة لبنان تكمن في معادلة منطقية: التضامن "السياسي" مع الشعب الفلسطيني، في مقابل النأي عن "المساهمات" العسكرية والقتالية التي يمكن أن تدفّع لبنان ثمناً كبيراً جداً هذه المرة. وفي هذه المعادلة المنطقية، يؤكد لبنان ليس فقط على تضامنه مع الحق الفلسطيني، وليس فقط على اقتناعه بأن لا استقرار راسخاً للبلد الا باستقرار اقليمي أساسه حل المسألة الفلسطينية وفقاً لقرارات المجتمع الدولي، بل يؤكد أساساً على انتمائه العربي "المحسوم". كذلك في هذه المعادلة المنطقية، يؤكد البلد حرصه على نفسه من تداعيات خطيرة لا طاقة له على تحملها.
تحدي المصلحة اللبنانية
أن الأيام، وربما الساعات القليلة المقبلة، تشكل تحدياً كبيراً للبنان وللبنانيين. والتحدي هنا هو كيفية وضع المصلحة الوطنية في تجنب تداعيات خطيرة فوق كل اعتبار. وإذا كان متوقعاً أن تسبق التطورات الخطيرة موعد الجولة العاشرة المقبلة من مؤتمر الحوار الوطني، فان ما اتفق عليه سابقاً يجب أن يكون حاضراً في الأذهان إن لم يكن ممكن التنفيذ الفوري.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00