حقيقة إن العماد ميشال عون في وضع لا يُحسد عليه.
مساء الجمعة الماضي، وفي مقابلة له مع الزميل سعيد الغريب على شاشة "ان.بي.ان"، سئل الجنرال عن رأيه في مقررات المجمع البطريركي الماروني التي كان مضى على صدورها في لحظة السؤال عشرون يوماً، فأجاب أنه لم يطّلع عليها. من يعتبر نفسه زعيماً للموارنة لم يطّلع على مقررات المجمع الماروني بعد عشرين يوماً من صدورها!.
لا يمكن عون موافقة الكنيسة ويخاف من مشكلة معها
واقع الامر أبعد من عدم الاطلاع على المقررات. إنه يتعلق بمأزق الجنرال مع الكنيسة المارونية. فإذا وافق على المقررات، وجب عليه أن يغيّر سلوكه وأداءه.. وخطابه. ذلك أن الكنيسة أكدت أن لا خلاص للبناني إلاّ بخلاص اللبناني الآخر، وتمسكت بالعيش المشترك ومرجعيّته في اتفاق الطائف، وشددت على الشراكة المسيحية ـ الإسلامية ورفضت الثنائيات والثلاثيات والرباعيات الطائفية، ودعت إلى استكمال معركة الاستقلال "من" سوريا منوهةً بالتفاهم الإسلامي ـ المسيحي في هذا المجال، ورفعت عنوان الدولة المدنيّة. أمّا إذا اعترض على هذه المقررّات، فمشكلته أنه لا يستطيع المجاهرة بهذا الاعتراض، لأنه لا يقوى على تحمّل مشكلة مع بكركي، وليس في وسعه ان يرسل الغوغاء إلى الصرح البطريركي كما فعل في العام 1989، تماماً لأنّ أزمته كبيرة ضمن البيئة المسيحية المارونية نتيجة لـ"تبدّلاته".
.. ويخاف من إغضاب دمشق
وفي الحلقة التلفزيونية نفسها سئل الجنرال عن موقفه من تهجم النائب الزغرتاوي السابق سليمان فرنجية على البطريرك الماروني والمطران يوسف بشارة، واتهام الأول بالتأثر بالثاني. لم يُجب عون بكلام مفهوم. تلعثم واكتفى بالقول إن سليمان فرنجية يعبّر عن رأيه هو، تنصل من مضمون كلام حليفه و"تحسباً" سارع إلى تأكيد الصداقة بينهما. لكنه لم يستنكر الإساءات الموجهة إلى الكنيسة.. لا بل ضم نائبان من كتلته صوتيهما الى فرنجية.
وهنا أيضاً، الأمر أبعد من أن يكون مجرّد جواب سيئ أو غير موفق. إنه يتعلق بمأزق الجنرال. فان هو وافق على كلام فرنجية، دخل في مشكلة مع بكركي، يسعى إلى تجنّبها خوفاً من ارتدادها على وضعيته السياسية والشعبية المتدهورة. وإن هو خالف مواقف فرنجية، يخشى الغضب السوري عليه.
.. ومشكلة في موضوع الحكومة
وفي مجال آخر، يحمل الجنرال يومياً على الحكومة. يتهمها بشتى التهم ويعلن ضرورة سقوطها. لكن أحداً من الفرقاء السياسيين لا يجاريه في مسعاه إلى اسقاط الحكومة. و"حزب الله" الذي يرتبط معه بـ"وثيقة تفاهم" يعارض سقوط الحكومة أو إسقاطها ويعلن دعمه قيام ما يسمّى "حكومة اتحاد وطني" عبر التفاهم بين الأطراف على قيامها.
وهنا أيضاً يتجلى مأزق الجنرال. لم يعُد يستطيع أن يتراجع عن مطالبته برحيل الحكومة لكن أحداً لن يساعده على رحيلها. ولا يستطيع أن يؤزم علاقته بحزب الله لهذا السبب، علماً أنه عاتب قيادة "حزب الله" أكثر من مرة في الفترة الماضية تحت عنوان "أنا أعطيت في هذه العلاقة ولم آخذ" في قضايا كثيرة. في المقابل، إن هو تراجع عن المطالبة برحيل الحكومة سقط على حلبة الصراع السياسيّ أمام 14 آذار.
الوضع السياسي المسيحي
الجديد: بكركي الأساس
خلاصة القول في هذا المجال أن الجنرال عون ينتقل من مأزق إلى مأزق. يُفترض أن يعلم ان سياسته قادته إلى أدنى مستوى من الثقة الشعبية به، لكنه أسير مآزقه.
والحال إنّ ثمة وضعاً سياسياً مسيحياً مختلفاً اليوم عما كان عليه منذ بضعة أشهر. "التسونامي" انحسر فانتهى، وكانت له ظروفه.
وفي سياق هذا الوضع الجديد، لا شكّ أن مختلف التيّارات المعبّرة عن حساسيات مسيحية، تنتعش وتعيد ترتيب أوضاعها في ضوء "المستجدات العونية". التحلّق حول عون يتقلّص في مقابل خروج سائر التيارات المسيحية من الانكماش.
وفي سياق هذا الوضع الجديد أيضاً أن بكركي التي "مرّرت" التسونامي العوني مباشرةً بعد عودة عون من المنفى وأعطت الجنرال فرصة إثبات "زعامته" لفترة من الزمن وانكفأت عن تصدُّر الأحداث فترة أخرى، إن بكركي تعود الى الواجهة لتوجه السياسة الوطنية، معلنةً بصورة غير مباشرة عبر مقررات المجمع البطريركي الواقعة تحت عنوان "الكنيسة المارونية والسياسة" دفتر شروط القيادة السياسية المارونية. وفي طليعة هذه الشروط قدرة هذه القيادة السياسية على تأسيس شراكة وطنية حقيقية، وقدرتها على مخاطبة سائر البيئات الأخرى من منطلق "الثالوث" الذي حدّدته: العيش المشترك والشراكة الوطنية، الطائف والدولة المدنيّة.
في نصّ المجمع: مواصفات للقيادة المارونية
وبمعنى من المعاني، فإن مقررات المجمع البطريركي هي بمثابة مواصفات لرئيس الجمهورية المقبل. صحيحٌ أن "المجمع" لم يكن يقارب أموراً ظرفيّة أو تفاصيل، بل كان معنياً بمسألة "أسمى" هي المسألة اللبنانية ككل. وصحيحٌ أن بكركي لم تسمّ مرشحاً أو مرشحين للرئاسة. بيدَ أن الصحيح أيضاً هو أن ما وردَ في المقررات من رؤية الى الموارنة في الإطار اللبناني الأعمّ، لا ينطبق على الجنرال. لا ينطبق على من يرى بعكس "المجمع" أنه "القويّ" لأنه القوي في طائفته بمعزل عن علاقته بالمجموعات اللبنانية الأخرى.. هذا على افتراض أن هذه "القوة" دائمة.
تعود بكركي الى الواجهة برؤية وطنية إنقاذية، ويعود سياسيّوها المسيحيون معها. يعود "مسيحيّو البطريرك" من تيارات وأحزاب وشخصيات.
"لقاء القرنة"
وأسباب لانزعاج الجنرال
يكرر الجنرال عون حيال كل تحليل لا يعجبه أن ثمة محاكمة للنوايا، متجاهلاً حقيقة أن نواياه أفعال على الأرض وسياسات معتمدة. لكن وعلى الرغم من أنه سيكرر معزوفة "محاكمة النوايا"، من المنطقي افتراض أن يكون مشهد "لقاء قرنة شهوان" السابق في اجتماعه أول من أمس، قد صدمه بالفعل.
طبعاً، ليس في نيّة من اجتمعوا أول من أمس أن يعيدوا إحياء "لقاء القرنة" الذي أدى دوراً وطنياً مميّزاً بين العامين 2000 و2005. ولذلك، ليس هذا سبب الانزعاج العوني، فثمة أسباب أخرى أكثر جوهرية.
إن اجتماع "السوديكو" ولو لمرّة واحدة يعني استنفار "مسيحيي بكركي" الى جانب الكنيسة ودورها الوطني. و"مسيحيو بكركي" هم كل الأحزاب والتيارات والشخصيات ما عدا عون و"تياره". وبطبيعة الحال فإن عدم مشاركة عميد "الكتلة الوطنية" كارلوس إدّه فيه يعود الى كونه انسحب من "لقاء القرنة" في حدود العام 2002، لكنه في صميم 14 آذار.
واجتماع "السوديكو" يعني أن السياسيين المسيحيين المجتمعين هم "مسيحيو الطائف"، الاتفاق الذي عطّلت الوصاية السورية تطبيقه لتنتج بديلاً منه نظاماً أمنياً رئاسياً مستتبعاً للنظام السوري. وبهذا المعنى، فإن المشهد في بيت "الوطنيين الأحرار" بضيافة رئيسه دوري كميل شمعون، يذكّر بالفرز الأصلي في نهاية الثمانينات، حيث كان الجنرال وحيداً. وحتى العميد الراحل ريمون إده كان له موقف "خاص" من اتفاق الطائف لا علاقة له بموقف عون.
واجتماع "السوديكو" يعني أن "مسيحيي بكركي" متنوعون لكن من ضمن رؤية الكنيسة الى الشراكة الوطنية.. وقد ذكّروا بدور "القرنة" في معركة الاستقلال والتواصل مع الشريك المسلم.. وذكّروا بأن لـ"اللقاء" تاريخاً عريقاً الى جانب الكنيسة في النضال الوطني.
لكنه قد يعني للجنرال تجمعاً لقيادات مارونية يصلح أي منها لتولي زمام أرفع المسؤوليات، بالرضى "الضمني" لبكركي.
في ضوء ما تقدّم، وإذا كان من تلخيص لجديد الوضع السياسي المسيحي، فيمكن إيراده في ثلاثة استنتاجات رئيسية. الأول هو عودة بكركي عن انكفائها. والثاني هو استعادة "مسيحيي بكركي" أي "مسيحيي 14 آذار" زمام المبادرة. والثالث هو العزلة التي ينوجد فيها عون والملازمة لتخبّطه في سلسلة من المآزق السياسية المتتالية.
وبالتأسيس على الاستنتاجات الثلاثة الآنفة، يمكن القول أن التطورات الحاصلة في الإطار المسيحي تعطي دفعاً قوياً لحركة 14 آذار.
مسيحيو 14 آذار في ظرف جديد للمبادرة
يجب الاعتراف هنا بأن عون استطاع خلال الفترة التي تلت الانتخابات النيابيّة ويوم كانت أسراره لا تزال غير مكشوفة، ان "يحجز" الوضع المسيحي، وأن يخلق نوعاً من "الوهم" حول قوته التي لا تقاوم. واستطاع ان يضع الفرقاء المسيحيين في وضعية الانتظار، وحاذر الفرقاء المسيحيون مواجهة مواقفة خشية "خدش" الشارع المسيحي.
غير أنه يجب الاعتراف في المقابل أن ما راكمته سياسات العماد عون من مآزق له ومن خيبات للجمهور المسيحي، باتت الآن تقدم فرصة لـ"مساءلة " الجنرال و"محاسبته" أمام الناس بعد ان فشل في "تورية" عملية تعويقه لمعركة الاستقلال والحرية والديموقراطية والاصلاح. ولذلك، يلاحظ أن الصوت المسيحي الآخر بات أعلى وأعلى.
وعندما يتعزز وضع مسيحيي 14 آذار، تتعزز حركة 14 آذار نفسها بما هي اطار الشراكة الوطنيّة الإسلامية ـ المسيحية، حيث الشريك المسيحي في 14 آذار ينتمي الى "الثالوث" المحدّد من قبل الكنيسة: العيش المشترك ومرجعيّته اتفاق الطائف، واتفاق الطائف وترجمته في الدولة المدنية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.