8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط ينسفُ محاولات زرع الشكوك داخل 14 آذار

ثمة منذ فترة غير بعيدة محاولات ترويج لمتغيّرات ما ستحصل في لبنان ستقود كلاً من رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الى تغيير موقعهما الحالي في المعادلة اللبنانية. وفي هذا الإطار، جرى تسريب أن الحريري "اقترح" تجديد "التحالف الرباعي" وأن جنبلاط في طريقه الى تبديل مواقفه.
التسوية الدولية ـ الإيرانية غير محتّمة
ولا يخفى في هذا المجال أن محاولات الترويج هذه، تنطلق مما يعتبر أصحابها أنها تحوّلات جارية على الصعيد الإقليمي، في ضوء المسار الذي تسلكه "الآن" العلاقات الإيرانية ـ الدولية ـ الأميركية. وكذلك لا يخفى أن أصحاب هذه المحاولات يعتبرون أن الأزمة الإيرانية ـ الغربية ـ الدولية في طريقها الى تسوية "حتميّة"، وأن إيران سوف "تأخذ" حليفها السوري الى هذه التسوية، وأن لبنان سيكون تالياً أمام تسوية سورية ـ إيرانية ـ أميركية مما يؤدي الى تموضع جديد للقوى السياسية اللبنانية.
وإذا كان مما لا شك فيه أن هذه المحاولات ليست بريئة من زاوية الإيحاء بأن طهران ودمشق "مرتاحتان" وأنهما تخرجان من أزمة علاقتهما بالمجتمع الدولي تدريجاً، ومن زاوية "التبشير" بانفراط عقد تحالف 14 آذار، وكل ذلك في الوقت الفاصل عن القرارات الدولية "الحاسمة" المحدّد موعدها التقريبي في الخريف المقبل.. فإن مما لا شك فيه أيضاً أن تلك المحاولات ترمي الى التضليل بشأن "حقيقة" ما يجري بالفعل.
الخلاف الإيراني ـ الأميركي والدولي على حاله حول التخصيب
صحيحٌ أن ثمة مرحلة مفاوضات دولية ـ إيرانية يتوقّع لها أن تمتدّ أسابيع، وأن هذه المفاوضات تدور حول ما بات معروفاً بـ"سلّة الحوافز" التي اقتُرحت على الجمهورية الإسلامية بديلاً من تخصيب اليورانيوم، لكن الصحيح في المقابل أن المواقف لا تزال على حالها. فالولايات المتحدة والمجتمع الدولي أبديا استعدادهما للتعاطي إيجاباً مع إيران بـ"شرط" وقف التخصيب، فيما لا تزال إيران تصرّ عليه، وإن كانت تبحث عن صيغ شتّى لهذا الغرض، ومنها الاقتراح الذي يدعو أطراف المجتمع الدولي الى المشاركة بأنفسهم في التخصيب على الأرض الإيرانية للتأكد من الأهداف السلمية. وبهذا المعنى، فإن الخلاف الدولي ـ الإيراني لا يزال على حاله بالنسبة الى النقطة الأساس، أي التخصيب. غير أن طهران تتصرّف وكأن ما تضمّنته "السلّة" من حوافز بما في ذلك الاعتراف لها بدور في منطقة الخليج، باتَ معطى نهائياً.
لا مكان لدمشق في التسوية مع إيران حتى لو حصلت
إذاً، لا يمكن القول حتى الآن أن الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي ذاهبةٌ الى تسوية "حتماً". وهذا الاستنتاج مبنيّ إضافةً الى كل ما تقدّم، على واقع أن الولايات المتحدة التي وافقت على أن يجري تقديم العرض الدولي المشار إليه، إنما تسعى الى حشر طهران، أي الى سحب كل الحجج منها والتي تتمسّك على أساسها بالتخصيب، وإلى حشرها سياسياً بالنتيجة.
لكن الأهم هو أنه على افتراض تم التوصّل الى تسوية دولية ـ إيرانية، فلا علاقة لدمشق بهذه التسوية، أي لا مكان لها فيها. ذلك أن المجتمع الدولي لا يتعاطى على أساس أن ثمة مساراً إيرانياً ـ سورياً موحّداً، ويعتبر أن لسوريا ملفاً قائماً بذاته تحكمه قرارات دولية سبقَ أن تم اتخاذها، ويرى أن هذه القرارات بمثابة شروط، على النظام السوري الالتزام بتنفيذها.
الموقف الإسرائيلي "الجديد"
على أن ما ينبغي ملاحظته، هو التصاعد في الموقفَين الإسرائيلي والأميركي من دمشق، على خلفية التطوّرات على صعيد الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
لقد سارعت إسرائيل في الأيام الماضية الى تحميل سوريا مسؤولية الأحداث الأخيرة في غزة، بما في ذلك خطف الجندي الإسرائيلي هناك، على أساس أن عملية الخطف تمّت بإيعاز من قيادة حركة "حماس" الموجودة في دمشق كما تقول إسرائيل. ولم تكتفِ بذلك، بل حلّق طيرانها الحربي فوق اللاذقيّة، في إجراء غير مسبوق. وغنيّ عن القول هنا، أن في الموقف والأداء الإسرائيليين جديداً حيال سوريا والنظام فيها، لا سيما أن إسرائيل كانت حتى الأمس القريب، تعلن اعتراضها على أي استهداف لاستقرار النظام السوري، وتؤكد المعلومات أن اللوبي الإسرائيلي في أميركا هو الذي ضغط على الإدارة الأميركية لدفعها الى الانتقال من عنوان "تغيير النظام" في سوريا الى عنوان "تغيير السلوك".
كذلك، سارعت واشنطن الى تحميل دمشق المسؤولية عن الأحداث الأخيرة في غزة، وطالبتها على لسان أكثر من مسؤول لا سيما السفير في الأمم المتحدة جون بولتون بتوقيف رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل المقيم في العاصمة السورية، علماً أن هذا "المطلب" ليس جديداً على اعتبار أنه سبق لواشنطن أن طالبت دمشق بُعيدَ الحرب على العراق، وفي أيار 2003 خلال زيارة وزير الخارجية السابق كولن باول بإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية المعارضة للتسوية "السلميّة".
دخول المسألة الفلسطينية في المحور السوري ـ الإيراني
بكلام آخر، إن التطوّرات الأخيرة في غزة أعادت ـ من وجهة النظر الأميركية ـ تسليط الضوء على دمشق والنظام الحاكم فيها، لكن هذه التطوّرات أعادت أيضاً تسليط الضوء على المحور الإيراني ـ السوري ودوره الفلسطيني، ذلك أن واشنطن لا تفصل من زاويتها فصائل فلسطينية معيّنة أو بعض قياداتها عن العلاقة بطهران ودمشق.
على خلفية هذه المقدّمات جميعاً، من الواضح أن محاولات الترويج لمتغيّرات معيّنة في المنطقة وفي لبنان، لا تستند الى أي أساس موضوعي، و"الغريب" فيها أنها تتزامن مع تطوّرات معاكسة تماماً لـ"منطق" هذا الترويج.
إذاً، أولاً لا أساس موضوعياً للكلام عن متغيّرات إقليمية تتأسس على تسوية دولية ـ إيرانية، ولا أساس موضوعياً أيضاً للكلام عن متغيّرات إقليمية تستعيد دمشق بموجبها المبادرة. ذلك أن سوريا في الحالتين محاصرة بضغوط دولية شديدة.
الترويج لمتغيّرات في سياق الهجوم السوري المستمرّ
من هنا، فإن السؤال الذي يُطرح هو الآتي: لماذا هذا الترويج إذاً؟
لا شك، في نظر العديد من المتابعين، أن دمشق "ترغب" في أن تضمّها إيران الى أي تسوية تتوصّل إليها مع الولايات المتحدة والأسرة الدولية. بيدَ أن سوريا تعلم في الوقت نفسه أن ملفّها "ثقيل" جداً دولياً، وتحاول كما العادة دائماً أن تلعب على الوقت. وفي هذا "الوقت"، و"تحسباً" لشتى الاحتمالات، تسعى الى تجميع "الأوراق". ولذلك، فإنه لا يمكن فصل الكلام عن متغيّرات إقليمية لصالح دمشق ـ وطهران ـ عن الهجوم السوري المعاكس المستمرّ في لبنان، وهدفه الآن تفكيك الأكثرية بإثارة شكوك قسم حيال قسم آخر من تحالف 14 آذار، عبر الإيحاء بتموضع جديد للقوى.
ولا شك أيضاً، أنه بالإضافة الى "الحرب النفسية" ضدّ فريق 14 آذار عبر محاولة إثارة الشكوك، ثمة هدفٌ آخر "محتمل" هو إيجاد حال من الاسترخاء في صفوف هذا الفريق. وهذه "السياسة" ليست جديدة أيضاً وهي "تدخل" في خانة "الطمأنة" فيما الهجوم مستمرّ. وليس سراً أن ملاءمة الوضع اللبناني بما يخدم موقف النظام السوري الخائف من المحكمة الدولية، يمثّل هدفاً لهذا النظام، لا بل يذهب العديد من المراقبين الى القول أن النظام في سوريا يحاول توظيف أي معطى لبناني أو إقليمي لمنع قيام المحكمة الدولية، الأمر الذي يجعل من استهدافه للأكثرية والحكومة مسألة دائمة وإن تبدّلت الصيغ.
"المؤمن لا يلدغ مئات المرّات"
لذلك كله، كان من الطبيعي جداً أن يضع وليد جنبلاط الأمور في نصابها، خلال مؤتمره الصحافي أول من أمس.
فالحديث الصحافي للرئيس السوري بشار الأسد تصعيدٌ مغلّف ببعض "اللين". والترويج القائم منذ فترة حول تبدّل في المواقع، لا أساس له من الصحة. وبما أن "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتيّن" فكيف بمئات المرّات، يذكّر جنبلاط بأن الهجوم السوري مستمرّ ويجب عدم الاستكانة أو الاسترخاء.
التمييز بين دعم الشعب الفلسطيني والعلاقة بدمشق وطهران
والمهم جداً في حديث جنبلاط أنه ميّز بوضوح بين دعمه الشعب الفلسطيني ودعمه لوحدة الشعب الفلسطيني وبين علاقته بدمشق وطهران. وبذلك ردّ على الترويج بأنه من مدخل التطوّرات على "الساحة الفلسطينية" سيعود الى ملاقاة سوريا وإيران. وأعلن أن القطيعة مع النظام في سوريا نهائية وأنها قرارٌ سياسي اتخذه بملء قناعته، وكان أكثر من مرة أوضح أن الأصل في أزمة علاقته بطهران يتعلّق بالسياسة الإيراينة حيال النظام السوري وفي المنطقة ككلّ.
أكد جنبلاط إذاً أن خياره العربي يتمثّل بدعم الشعب الفلسطيني، مشدداً على رفضه السياسة الغربية حيال الفلسطينيين، وجدّد تأكيد موقعه في قيادة 14 آذار كحركة إستقلالية.
برّي واللفتة الإيجابية نحوَه
واللافت محلياً أن جنبلاط، وللمرة الأولى علناً، أشاد برئيس المجلس النيابي نبيه برّي وبدوره، لا بل ميّز بينه وبين "حزب الله"، فقال عن برّي أنه حليف للنظام السوري وعن "حزب الله" أنه "ملتصق" بهذا النظام. وإذا كان في هذا التمييز نأي برئيس المجلس عن محاولات الترويج لمتغيّرات، فإن فيه لفتةً إيجابية تتقاطع مع لفتات معلنة وغير معلنة لأطراف أخرى في 14 آذار تعتبر أن بري يؤدّي دوراً إيجابياً ليس فقط على مستوى إدارة الحوار الوطني، بل في مجال "حسن العلاقة" مع قوى 14 آذار، وأن برّي على الرغم مما يمكن تصوّره من ضغوط يتعرّض لها على غير صعيد، استطاع أن يجعل موقعه مطمئناً للجميع. حتى أن بعض 14 آذار يعتبر أنه لولا سوء التفسير المتوقّع لأي لفتة باتجاه برّي، لكان ضرورياً القول أن "لبنانيّته" بمعناها السياسي، ذات "منسوب" مهمّ. هذا مع العلم أن عدداً من المراقبين يقرأ تنويه جنبلاط به أول من أمس على أنه يعني كل ما سبق، إضافةً الى رغبة زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" في عدم "تضليل" برّي، بحيث لا يفترض رئيس المجلس في أي حال من الأحوال أن جنبلاط "ليّن" موقفه من النظام السوري.
إذاً، لا متغيّرات إقليمية بالمعنى المروّج له، ولا متغيّرات في المواقع داخلياً، والقناعات على حالِها.. وإن كانت محاولات الترويج لمتغيّرات معيّنة تستدعي الحيطة لأنها ـ تكراراً ـ تقع في سياق هجوم سوري متمادٍ على الوضع اللبناني.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00