8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المجمع البطريركي "يخربط" مشاريع الاحتماء بسوريا والتحريض على الشريك المسلم و"الثلاثية" الطائفية

لماذا تهجّم سليمان فرنجيّة على المطران يوسف بشارة مطاولاً البطريرك نصرالله بطرس صفير؟ ولماذا في هذا التوقيت أول من أمس؟
لم يستطع فرنجيّة في كلامه من الرابية أن يخفي السبب "الفعلي" لتوتّره الشديد: إنه المجمع الماروني وما صدر عنه من مقررات، لا سيما ما ورَد في نصوصه حول الموارنة و"السياسة".
فكما باتَ معلوماً، فإن النصوص تضع على عاتق المسيحيين الموارنة مهمّة تجديد بناء العيش المشترك، وتتحدث عن الموارنة في الإطار اللبناني العام وليس بصفتهم مجموعة قائمة في ذاتها مستقلّة عن المجموعات اللبنانية الأخرى، وتعلن أن الطائفة المارونية متساوية مع سائر الطوائف ولا تراتبية بينها، وتدعو الى الخروج الى رحاب الدولة المدنيّة نقضاً لدولة المحاصصة.
بكلامٍ آخر، جاء المجمع البطريركي يقول إن الكنيسة المارونية ضدّ كافة الصيغ الثنائية والثلاثية وغيرها للعلاقة بين الطوائف، كما جاء يقول إن الكنيسة تدعو الموارنة الى الانتقال من "الإحباط المسيحي" أو ما سمي كذلك الى المساهمة الإيجابية في تطبيق الطائف وبناء الدولة المدنيّة، تحت عنوان أساسي هو أن لا مستقبلَ للموارنة إلاّ بالتفاعل مع سائر اللبنانيين ليستعيدوا معاً دور لبنان في محيطه العربي والعالم.
فرنجيّة يدافع عن سوريا حاميةً للمسيحيين
إن ما توصّل إليه المجمع الماروني هو النقض المباشر لما "يبشّر" به سليمان فرنجيّة بوصفه الأبرز بين "مسيحيي سوريا ونظامها". فعلى امتداد سنوات الوصاية السورية على لبنان دافع فرنجيّة عن بقاء الوصاية تحت عنوان أن لا حماية للمسيحيين إلاّ مع سوريا. وعندما حصل الانسحاب السوري "الرسمي" من لبنان، كان من الطبيعي لهذا السياسي الموالي للنظام في سوريا أن ينتقل الى تخويف المسيحيين من خطر "الغلبة الإسلامية" مركّزاً على السنّة بشكل خاص، مناقضاً بذلك مسار التطوّرات في لبنان، حيث راح المسيحيون يتعرّفون أكثر فأكثر على الشريك المسلم وقد خطى ـ بالدم ـ نحو اللبننة والاستقلال اللبناني.
إن ما توصّل إليه المجمع الماروني لهذه الجهة "يكسّر" ما يعتنقه سليمان فرنجيّة الذي يطرح عملياً على الموارنة تحالفاً مارونياً ـ شيعياً ـ علوياً لحمايتهم، فيما هذا الطرح سوري في الأصل، وكان في بداياته في السبعينات على أيام جدّه الرئيس الراحل، يقتصر على التحالف العلوي ـ الماروني، وهو الطرح الذي على أساسه كان "الدخول" السوري الى لبنان في العام 1976,. ليتطوّر هذا الطرح خلال "الوجود" السوري في لبنان، لا سيما بعد اتفاق الطائف، باتجاه ثلاثية جرى ضمّ الشيعة (فريق منهم) إليها.
..وغضبه من ذكر المجمع للحريري وللشراكة في الاستقلال
إذاً، هذا هو الجانب الأول الذي "يفسّر" غضب فرنجيّة من المجمع الماروني والمطران بشارة والبطريرك "في الطريق". أمّا الجانب الآخر، المتّصل بما قبله، فهو تشديد نصّ الكنيسة على أمرين متلازمين: الأول هو تأكيد المجمع على أن الاستقلال اللبناني الثاني هو نتيجة شراكة مسيحية ـ إسلامية، والثاني هو تأكيد المجمع على أن مستقبل لبنان مرتبطٌ وثيقاً بتلك الشراكة المسيحية ـ الإسلامية، أي بالعيش المشترك. وكان طبيعياً ومنطقياً لتظهير ذلك أن يمرّ نصّ المجمع على حدثين أساسيين: حدث النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000، وحدث اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليربطهما ويعلنهما الحدثَين الرئيسيين في مسيرة التفاهم المسيحي ـ الإسلامي على السيادة "مِن" سوريا.
ما أغضب فرنجيّة، والأكيد أنه أغضب النظام في دمشق، هو بالضبط هذه الإشارة الى دور الرئيس الشهيد في الاستقلال اللبناني، وهذه الإشارة الى تنامي التفاهم العميق بين المسيحيين والمسلمين بشأن السيادة والاستقلال.. لا بل لا مبالغة في القول إن هذه الإشارة بالتحديد، إذا حُمّل معناها أكثر قليلاً مما تقوله مباشرةً، إنما تفسّر لماذا جرى اغتيال الرئيس الحريري.
أمّا الجانب الثالث الذي يدعو فرنجيّة و"مسيحيي النظام السوري" والنظام السوري نفسه الى الغضب، فهوَ أن النصّ الصادر عن المجمع البطريركي الماروني يؤدي عملياً ـ أي سياسياً ـ الى تأكيد دور بكركي كشريك مسيحي للمسلمين، ويؤدي عملياً ـ أي سياسياً أيضاً ـ الى "كشف" كل المتحركين سياسياً على "الساحة" المارونية في اتجاهات أخرى مغايرة للشراكة المسيحية ـ الإسلامية والعيش المشترك والدولة المدنية.
عون يقلق أيضاً: انكشاف اللعبة وسقوط عواملها
لذلك، لم يكن تهجم سليمان فرنجيّة على الكنيسة من دارة رئيس "التيّار الوطني الحر" العماد ميشال عون في الرابية صدفة. فمما لا شكّ فيه أنّ فرنجيّة عكس بتهجماته مناخاً ما لعون أيضاً.
وهنا أيضاً، لا بد من القول إن قراءة المجمع لـ"المسألة المسيحية" في مرآة "المسألة اللبنانية"، ولو لم تكن تتقصد عون مباشرة، إلا أنها تكشفه تماماً.
فالجنرال ومنذ عودته الى لبنان مثّل اختراقاً سياسياً كبيراً لصالح سوريّا، أي أن النظام السوري "نجح" في اختراق الوضع اللبناني بالجنرال ومواقفه. نجح النظام السوري لأنه استطاع أن يضم الجنرال الى خانة العلاقة معه ولأنه استطاع بعد جهد أن يؤسس تحالفاً ثنائياً مارونياً ـ شيعياً يحميه في لبنان ويشكل له نوعاً من "الرافعة" السياسية.
والى ذلك يضاف أنه إذا كان الجنرال عون يواصل التصرف على أساس كونه الأكثر تمثيلاً للموارنة سياسياً، فإن العوامل التي صنعت انتصاره الإنتخابي العام الماضي عديدة.
إستفاد عون بلا شك من "لحظة" خوف مسيحي ـ ماروني ـ تلت الانسحاب السوري، سادت خلالها هواجس كثيرة وتساؤلات عن المصير. واستفاد عون من أن أبرز تعبير عن الخوف الماروني في تلك "اللحظة" جاء على لسان البطريرك صفير وبطريقة لم تخلُ آنذاك من "الوضوح الحاد". واستفاد من الإمكانات الكثيرة التي وُضعت بتصرفه بما في ذلك تجيير حلفاء النظام السوريّ له. واستفاد أيضاً من إمكانات وضعتها المخابرات آنذاك بين يديه لا سيما التحرك مع البلديات في القرى المارونية. واستفاد من محطة تلفزيونية حملت في تلك الفترة خطاب الخوف.. واستفادَ بطبيعة الحال من أخطاء اقترفها فريق 14 آذار ومن اصطفافات طائفية في "غير محلها" وإن كان بعض منها "موضوعي".
هذه العوامل كلها لم تعد موجودة الآن بعد عام ونيّف من الممارسة العونية. وعند هذه "النقطة"، أتى نص المجمع البطريركي يسلط الضوء بصورة شبه مباشرة على حقيقة أن سياسة عون وأداءه ليسا تعبيراً عن توجهات مسيحية عاقلة.. فمن الطبيعي ألاّ يكون "مرتاحاً" هو أيضاً.
وبما أن الجنرال ذروة في "الذاتية"، من المنطقي افتراض أن عدم إدراج دوره بصورة مباشرة في النص، قد أزعجه فعلاً، وهو الذي يعتبر نفسه بطل الاستقلال الى درجة أنه يعتبر أن في وسعه "التصرّف" به، في حين كان النصّ المسكون بفكرة الشراكة المسيحية ـ الإسلامية، يشدد على المحطات التاريخية الرئيسية ولا يقوم بتعداد للأدوار.
أمرٌ سوري وذعر ذاتّي
بين سليمان فرنجيّة وميشال عون قواسم مشترك: الثلاثية المارونية ـ الشيعية ـ العلوية، ركوب موجة خوف مسيحي يحرضان عليه في وجه الشريك المسلم ويحيّدان دمشق عنه في وقت كان تهميش المسيحيين عنوان سياسة الوصاية السورية التي "ركّبت" مسيحييها... وعلى هذا الأساس يغضبان معاً من الكنيسة المارونية.
في العام 2000، وفور صدور النداء الأول لمجلس المطارنة، "عاجل" سليمان فرنجيّة بأمر سوري ـ أمني لبناني مشترك بهجوم عليه. وفي العام 2001، ومع النداء الثاني الذي أتى بعد أسابيع قليلة من أحداث السابع من آب، ولما كان النظام الأمني السوري ـ اللبناني المشترك يحتاج آنذاك الى فترة لـ"استيعاب" الانقلاب الذي جرى تنفيذه، أعطى اللواء جميل السيّد أمراً الى أتباع النظام بتجاهل النداء الثاني فصمت فرنجيّة وأقرانه. أما أول من أمس فيبدو أن تهجّم فرنجيّة على الكنيسة هو نتيجة امر سوري من ناحية ونتيجة شعور بالخوف والارتباك إزاء توجّهات الكنيسة في الشأن الوطني العام من ناحية ثانية.
دينامية النصّ و"مسيحيّو بكركي"
خوف فرنجيّة المعلن وقلق عون المستتر طبيعيان و"مفهومان" بالفعل.
ذلك أن النص الصادر عن المجمع الماروني يطلقُ دينامية وطنية مؤكّدة. في البيئة المسيحية أولاً حيثُ أطلق النصّ حواراً ونقاشاً، وحيثُ بدأ التحلّق حوله و"يؤذن" بتشكّل سياسي مختلف.. وحيث ثمّة من يتطلّعون الى ترجمة النصّ عملاً سياسياً يؤكّد الشراكة المسيحية ـ الإسلامية بمرجعيّة بكركي وتوجّهاتها. وفي البيئات المسلمة أيضاً حيث التفاعل كبير. وفي المدى اللبناني الواسع حيث يخترق "ثالوث" الطائف والعيش المشترك والدولة المدنيّة كل التيّارات الحيّة. العيش المشترك مرجعيّته الطائف وتطبيقه في الدولة المدنية.
إن غضب فرنجيّة المُعلن وقلق عون "المستتر"، يعكسان بلا شكّ انزعاجاً سياسياً، لكنهما يفيدان كم أن المجمع البطريركي أصاب.. وكم أن نصوصه جوهريّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00