8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ترسيم الحدود مع سوريا وإزالة السلاح خارج المخيمات استراتيجية دفاعية أيضاً

لم يأتِ السياق التصعيدي ضد لبنان لحديث الرئيس السوري بشار الأسد الى صحيفة "الحياة" أول من أمس بأي مفاجأة. فتصعيد النظام السوري كان متوقعاً، ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط كان أبرز الذين توقّعوه بالفعل.
غير أن أهمّ ما كشفه الأسد في حديثه التصعيدي، هو السبب الذي يدفعه في هذا الاتجاه. إنه الرعب الذي ينتاب نظام دمشق من قيام المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. إنه هذا الرعب بالذات الذي لا تستره عبارات الإشادة بالمحقّق الدولي سيرج براميرتس ومهنيّته وحرفيّته تارة والتمييز بينه وبين سلفه ديتليف ميليس تارةً أخرى. إنه هذا الرعب الذي بسببه يبدو النظام في سوريا مستعداً لـ"حرق" لبنان إذا استطاع.
لماذا هذا الرعب؟
طريقة عمل براميرتس.. تقلق النظام في دمشق
إن أكثر طرف يعرف عن علاقة النظام السوري بجريمة اغتيال الرئيس الحريري هو النظام نفسه. ومن المفترض أنه إذا كان يعرف أن لا علاقة له بهذه الجريمة الإرهابية أن يكون مطمئناً، خصوصاً أنه يعترف لبراميرتس بصدقيّته ونزاهته ومهنيّته. غير أن خبراء قانونيين يلفتون في هذا المجال الى عدد من المعطيات الأخرى.
يقولون إن براميرتس لا بد توصّل من خلال التقدّم الملموس في تحقيقاته الى نتائج وإلى تحديد لعدد من المسؤوليات عن الجريمة. غير أنه لم يسمِّ في تقريرَيه السابقين والأرجح أن لا يسمّي في تقريره المقبل، ويرون أن براميرتس لا يستطيع أن يسمّي أي أن يتّهم أشخاصاً سوريين تحديداً لأن ذلك سيفرض عليه أن يطلب التوقيف والتحقيق مع المتّهمين أو المشتبه بهم. وفي هذه الحالة، وإذا استجاب النظام السوري لطلبات المحقّق الدولي، سيتمّ توقيف هؤلاء والتحقيق معهم في سوريا.. و"ربّما" يحقّق معهم في لبنان. ولمّا كان براميرتس لا ثقة له بالقضاء السوري والأجهزة السورية، وبما يمكن أن يحصل مع هؤلاء المتهمين ـ الشهود انتحاراً أو استنحاراً، فإنه يفضّل أن تتشكّل المحكمة الدولية أولاً وأن تتكوّن لوجستيّتها فيكون لها سجنُها ثانياً، فيقدّم "القرار الظني" الى المحكمة الدولية والادعاء الدولي مباشرة.
من هنا، وخلافاً لـ"الظاهر" من الأمور، فإن ثمة رعباً سورياً من براميرتس في وقت لم يعطِ رئيس الفريق الدولي أيّ ذريعة لنظام دمشق لمهاجمته. ولذلك، كان حديث الأسد موارباً في هذا المجال، إذ حيّد براميرتس عن هجماته ليصبّ هجومه على المحكمة الدولية، معلناً أنه "لا يجوز" تشكيلها إلاّ بعد انتهاء التحقيقات، خصوصاً أن الأسد يعلم أن تقدماً حصل على مستوى البحث بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة بشأن "بروتوكول" المحكمة، وأن بتّه لبنانياً بات وشيكاً قبل أن تنشأ المحكمة فعلياً في الخريف المقبل، قبيل التقرير الثالث لبراميرتس أو في موازاته.
هذا هو إذاً الجانب الأهم من الحديث الصحافي للأسد. أما الجوانب السياسية التي يوحي من خلالها باستمرار نفوذه لا بل باتساعه في لبنان فمجرّد تفاصيل.
وهذا هو المدخل الذي يحرّك مشروعه الانقلابي في لبنان.. وصولاً الى "محاولة" فك لبنان عن مسار المحكمة الدولية.
الكلام عن "القاعدة".. و"ماضي" المخابرات السورية
على أن ثمة جانباً آخر في حديث الرئيس السوري، يكمّل الجانب الأول السابق. إنه الجانب المتعلّق بتهديد لبنان بـ"القاعدة"، مع إشارته الى أن "القاعدة" كانت موجودة في لبنان حتى في مرحلة الوجود السوري. والكلام عن "القاعدة" هو ذو "مفعول رجعي" من ناحية وذو وظيفة مستقبلية من ناحية أخرى.
هو ذو "مفعول رجعي" لأنه لا يزال يتماشى مع الادعاء السوري بأن من ارتكب جريمة اغتيال الرئيس الحريري، جهة أصولية، وهذا ما دأب عليه النظام السوري منذ الجريمة، ومنذ اختراعه أحمد أبو عدس.
وهو ذو وظيفة مستقبلية لأنه ـ أي النظام في دمشق ـ يعدّ التهمة الجاهزة لـ"القاعدة" بأي عملية اغتيال مقبلة.
ماذا عن حسين خطاب؟
بيد أن الأسد في حديثه الصحفي وقع في هذا المجال في "فخ". ذلك أن المخابرات السورية خلال وجودها "الرسمي" في لبنان تعاملت مع "أصوليين" ضمن شبكاتها، وتعاملت استخباراتياً مع مجموعات مسلّحة، لا سيما مع "القيادة العامة" وسلاحها خارج المخيمات الفلسطينية.
فبالأمس القريب، وضع الجيش اللبناني عبر مديرية المخابرات يده على شبكة متعاملة مع "الموساد" الإسرائيلي. وتبين من التحقيقات ان ثمة شخصاً يعاون الجاسوس محمود رافع هو حسين خطاب. وتبين ان حسين خطاب هذا، كان المسؤول عن أنفاق الناعمة العائدة إلى "القيادة العامة"، وأنه مقيم في سوريا، بعد اشتراكه في اغتيال جهاد أحمد جبريل. لم يسمع أحد "تعليقاً" من "القيادة العامة" على هذا الموضوع ولا تعليقاً سورياً.
والمقصود قوله هنا هو أن النظام السوري لا يستطيع تهديد لبنان بـ"القاعدة" إن كانت موجودة فعلاً لأنه إذ يعترف بأنها وجدت خلال حضور جيشه ومخابراته في لبنان، عليه أن يعترف في الوقت نفسه بـ"تشغيله" لها.. وحتى لو كانت "قاعدة" ما قامت بـ"تنفيذ" اغتيال الرئيس الحريري فإن "التخطيط" و"الإمرة" في مكان "آخر". كذلك، لا يستطيع أن "يتبرأ" من عملاء "مزدوجين" من أمثال خطاب حتى لو اكتُشف أنه عضو في شبكة إسرائيلية... لأن "عدة الشغل" المخابراتية السورية في لبنان تنكشف أكثر فأكثر ولا تقيم حدوداً "وطنية" للمتعاملين معها.
على أن حديث الأسد الذي "يبشّر" بأن ثمة فراراً لعناصر "قاعدية" من سوريا الى لبنان، وتأكيده أنه ينطلق في ذلك من "معلومات"، إنما يطرح تحدّياً على مؤتمر الحوار الوطني الذي ينعقد في جولة التاسعة غداً.
الاستراتيجية الدفاعية عبر الدولة: إسرائيل عدوّ والإرهاب أيضاً
فمعلوم أن هذه الجولة التاسعة تعود الى مناقشة الاستراتيجية الدفاعية عن لبنان، لاستكمال الاستماع الى مداخلات أطراف الحوار في هذا الموضوع.
وفي هذا المجال، ثمة كلام صريح "جداً" ينبغي أن يقال.
بداية، لا شك أن هناك تسليماً بالإجماع من قبل المتحاورين بأن إسرائيل عدوّ، وأنه لا بد من أن تكون وجهة الاستراتيجية حماية لبنان من هذا العدو. غير أنه سيكون عقيماً جداً أن يتبارى المتحاورون في تقديم خطط عسكرية لأن ذلك ليس شأنهم وليس مهمتهم. ثمة فكرة رئيسية يجب أن يتمسك بها فريق 14 آذار على طاولة الحوار، هي أن لا استراتيجية دفاعية خارج الدولة والجيش. لكن ثمة فكرة رديفة هي الآتية: إنّ سياسة الدولة يجب أن تكون سياسة حماية لبنان من التداعيات الإقليمية أيضاً، أي سياسة حماية لبنان من أن يكون ساحة مفتوحة "تستقبل" التداعيات و"تصدّر" خدمات إقليمية. وعليه، فإن الاستراتيجية الدفاعية هي سياسة "دفاع" حيال إسرائيل العدو، وسياسة الحؤول دون تحويل لبنان الى ساحة مفتوحة في آن. وهذه هي حماية لبنان.
غير أن حديث الأسد يفتح العيون على أمر آخر يتصل بالاستراتيجية الدفاعية أيضاً. فقد كشف الأسد أنّ في لبنان إرهاباً وجهات إرهابية "ناشطة" على أرضه، وأن الحدود اللبنانية ـ السورية تشكل معبراً لهذا الإرهاب.
فهل يمكن لمؤتمر الحوار الوطني ألاّ يضع الإرهاب، الموظف سياسياً وإقليمياً في قسم كبير منه، في مصافّ العدو؟ وهل يمكن لاستراتيجية دفاعية أن تُعتبر مبتوتة ومحسومة إن لم تقارب هذا الموضوع أيضاً؟ وهل ينام اللبنانيون ملء جفونهم وأبوابهم مفتوحة إن اكتفى المتحاورون بإعادة اكتشاف العداوة مع إسرائيل فقط؟
ترسيم الحدود والسلاح خارج المخيمات
حتماً لا. إن ما ذكره الرئيس السوري يفترض أن يعيد الاعتبار لمقررات سبق لمؤتمر الحوار أن اتخذها بالإجماع. وفي هذا السياق ينبغي القول أن ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية وإنهاء السلاح خارج المخيمات، ليسا مجرّد مطلبَين "سياديّين" ولا مجرّد حثّ لسوريا على الاعتراف باستقلال لبنان ضمن حدوده المعترف بها دولياً. إن هذين المطلبَين هما جزء لا يتجزّأ من الاستراتيجية الدفاعية عن لبنان في وجه الإرهاب وشبكات التخريب لاستقرار البلد.
وحقيقة الأمر في هذا المجال أن لا تنسيقَ أو تعاونَ أمنياً ممكناً بين لبنان وسوريا، كما تطالب دمشق بـ"مناسبة" الحديث عن "قاعدة" في لبنان، متى كانت الحدود مفتوحة ومشرّعة على النحو الذي هي عليه حالياً. لا يمكن حصول هذا التعاون الأمني إلاّ وكلّ دولة من الدولتين اللبنانية والسورية سيّدة على حدودها وداخل أراضيها.
إذاً، تنعقد الجولة التاسعة من الحوار غداً على إيقاع تصعيد سوري وتهديدات سورية. وإذا كان من البديهي التساؤل في هذه الحالة عن أفق الحوار الذي قال الأسد إنه ينتظر "انتهاءه" ليقرّر وجهة التعامل مع الوضع اللبناني، وإذا كان من الطبيعي التساؤل عن مقاصد الأسد في انتظاره "نهاية الحوار"، فمن الطبيعي والبديهي أكثر مطالبة المتحاورين بـ"تفحّص" ما وراء التصعيد السوري لتأكيد التمسّك بما تقرّر سابقاً من جهة ولتصويب البحث في ما يسمى الاستراتيجية الدفاعية من جهة أخرى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00