8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط يحذّر من النوايا الانقلابية للنظام السوري ويؤكد دور "الرأي العام" في المعركة

في زيارته الأخيرة الى فرنسا وبلجيكا، عرضَ رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط أمام من التقاهم من مسؤولين فرنسيين وبلجيكيين وأوروبيين قراءته للوضع اللبناني بـ"صعيده" المستقلّ وبعلاقته مع الوضع الإقليمي، واستمعَ الى مواقف أوروبية "حازمة" بدعم استقلال لبنان وسيادته وحريّته.
لا شك أن اللقاء المعلن الأبرز كان مع الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا الذي كان شديد الحرص على الاستماع الى تشخيص جنبلاط للوضع الراهن وعلى سؤاله عن المطلوب من أوروبا لمساعدة لبنان. وليس خافياً أن اللقاء مع سولانا اكتسب أهميته ليس فقط من موقعه في الاتحاد الأوروبي إنما من كونه المكلّف أوروبياً بالتفاوض مع إيران حول ملفها النووي في مقابل ما سمّي بـ"سلّة الحوافز" المعروضة على طهران بديلاً من سيرها ببرنامجها النووي.
جنبلاط يشدّد على المحكمة الدولية ويثير الموضوع الفلسطيني
في هذا اللقاء ـ كما في اللقاءات الأخرى ـ أثار جنبلاط عدداً من النقاط الرئيسية. وفي هذا الإطار، كان من الطبيعي، في ظل التفاوض الأوروبي ـ الدولي مع إيران وفيما هذا التفاوض لا يزال حتى اللحظة مفتوحاً على كل الاحتمالات، أن يسعى الى الاطمئنان الى أن أي تسوية محتملة مع الجمهورية الإسلامية لن تكون على حساب لبنان، أو أن ينصرف الاهتمام عن لبنان في أي حال من الأحوال.
كذلك، أكد جنبلاط على أهمية تشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة المتورّطين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وشدّد على ما يمثّله تشكيل هذه المحكمة من حماية للبنان واستقراره السياسي. وإذ رحّب بالقرارات الدولية الداعمة للبنان، دعا الى استكمال تنفيذ القرار 1559 الذي لا يرى فيه أي تعارض مع اتفاق الطائف. غير أن جنبلاط ركّز الى جانب الوضع في لبنان على الموضوع الفلسطيني مطالباً بتدخّل أوروبي "أعلى" لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، ودعا الى احترام الخيار الديموقراطي للفلسطينيين وإلى وقف معاقبة الشعب الفلسطيني بذريعة معاقبة "حماس".
تأكيد أوروبي على دعم لبنان والتحقيق والمحكمة
حيال النقاط التي أثارها جنبلاط، كان ردّ سولانا ـ وسواه من المسؤولين في فرنسا وبلجيكا ـ حاسماً وواضحاً. فثمّة قناعة أوروبية ودولية راسخة ومتجذّرة بأن لبنان كيان مستقلّ لا يتمّ ولن يتمّ التعامل معه بوصفه ملحقاً بأي بلد آخر، وبأنه لن يكون موضوعاً لصفقة لا مع إيران ولا مع غير إيران.
وكان تأكيدٌ أوروبي على التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وعلى أن هذا المسار القضائي سيستكمل الى نهاياته. وكان تشديد أوروبي على عدم السماح بأي معوّقات أمام قيام المحكمة الدولية، لا بل تأكيد على أن تشكيل هذه المحكمة سيكون في "أسرع وقت ممكن".
وفي الموضوع الفلسطيني، أبدى المسؤولون الأوروبيون تفهّمهم لملاحظات جنبلاط، واقتناعهم بأن إغلاق الباب أمام "حماس" من شأنه أن يؤدي الى نقل المسألة الفلسطينية الى "الحضن الإيراني"، وبأن المساعدات للشعب الفلسطيني يجب أن تستمرّ.
وإلى ذلك، يضاف أن المسؤولين الأوروبيين الذين أكدوا دعمهم للحوار الوطني في لبنان، أبلغوا جنبلاط أن المطلوب تنفيذ مقرّرات هذا الحوار جنباً الى جنب مع تنفيذ القرارات الدولية، خصوصاً أن قسماً رئيسياً من مقرّرات الحوار اللبناني بات جزءاً لا يتجزأ من القرارات الدولية نفسها.
في ضوء هذه الحصيلة المطمئنة، عاد جنبلاط مرتاحاً، لا سيما الى "حقيقة" أن لا تغيير في المواقف الأوروبية والدولية حيال لبنان، وأن لا تراجع في "وتيرة" الدعم. ويؤكد أعضاء في الوفد الذي رافقه في زيارته الأخيرة، أن هذه الزيارة التي تمّ ترتيبها عبر "الاشتراكية الدولية" كانت ناجحة جداً. وإذ يلفتون الى أن "الاشتراكية الدولية" تتعامل مع جنبلاط بوصفه "مرجعاً" لها في قضايا المنطقة، يشددون في الوقت نفسه على دورها المؤيّد لمعركة الاستقلال اللبناني في كل مراحلها والداعم للقوى الاستقلالية اللبنانية كافة.
ضرورة المتابعة الخارجية
عاد جنبلاط مرتاحاً، لكنه عاد مقتنعاً بأن الأمور تحتاج الى متابعة، أي أنه لا يمكن ترك المتابعة الى زيارات تتمّ في فترات متباعدة، وأنه لذلك لا بد من تأسيس المكاتب الضرورية لحركة 14 آذار وتنشيطها، لا سيما ما يتّصل منها بالعلاقات السياسية الخارجية.
إذاً، كان الاطمئنان من جانب وليد جنبلاط الى "سلامة" الموقف الأوروبي ـ الدولي ضرورياً على أبواب الجولة التاسعة من الحوار الوطني التي تنعقد بعد غد، لا سيما أن الفترة الفاصلة بين الجولة الثامنة في 8 حزيران والجولة الآتية في 29 حزيران، شهدت التطوّر الإقليمي الأبرز منذ فترة، والمتمثّل بالتفاوض الأوروبي ـ الغربي ـ الإيراني.
نوايا النظام السوري: معلومات ومعطيات وتصريحات
بيدَ أن أبرز زعماء حركة 14 آذار، أي جنبلاط، ليس مطمئناً في المقابل الى أن التطوّرات اللبنانية ستكون "طبيعية" أو أنها ستكون "سهلة".
يؤكد جنبلاط في مجالسه وبحسب أوساطه القريبة أن لدى النظام السوري "نوايا" للانقلاب على الوضع السياسي اللبناني بتوازناته الراهنة، وأن النظام السوري لن يوفّر وسيلة في هذا الاتجاه. وفي هذا المجال، لدى رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" معلومات ومعطيات. وإذا كان جنبلاط يُبقي المعلومات ملكه، فإن المعطيات ـ وهي ملك الجميع ـ تشير الى أن نظام دمشق لا همّ له سوى الانقلاب على 14 آذار و"الانتقام" من هذه الحركة ومن لبنان ككل. فهو ـ أي النظام في سوريا ـ لم يستجب لأي مسعى عربي وآخره في القمة التي جمعت الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس المصري حسني مبارك قبل أيام. وفي تقدير جنبلاط بحسب أوساطه أن المخطّط الانقلابيّ السوري سيتصاعد على مشارف تشكيل المحكمة الدولية من ناحية وعلى مشارف انعقاد مؤتمر بيروت ـ 1 من ناحية ثانية. وعلى كل حال، يلخّص حديث الأسد الى صحيفة "الحياة" أمس النظرة الى لبنان والنوايا الانقلابية ويظهرها على نحو واضح وفاضح.
غير أن المسألة هنا لا تتوقّف على المعلومات والمعطيات. ذلك أن ثمة تصريحات موالية لسوريا في لبنان تكشف النوايا السورية المشار إليها.
فثمّة من نقل عن دمشق أن الحكومة اللبنانية الحالية لا يمكن أن تستمر لوقت أطول، وأنه يجب تشكيل ما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" تعيد "استحضار" فرقاء من المرحلة السابقة إليها. وثمة من قال صراحةً أن هناك فترة ستّة أشهر لتغيير التوازن القائم حالياً في لبنان، رابطاً ذلك بـ"فاعلية" هذا النظام وقدرته خلال هذه الفترة "فقط". حتى رئيس حزب "التيّار الوطني الحرّ" العماد ميشال عون حذّر قبل أيام من أن الأكثرية ستتغيّر خلال أمد منظور.
إذاً، النوايا السورية، معلومات ومعطيات وتصريحات، تكشف أن هدف النظام السوري إنقلابيّ بامتياز. وإذا كان تحقيق دمشق لهدفها "مسألة أخرى" أي أن فيه أوهاماً عديدة، فإن الاحتساب لـ"الأذيّة" ضروري، ما يرتّب على حركة 14 آذار "رصّ الصفوف" أكثر، والانتقال من "الدفاع السلبي" الى "الهجوم الإيجابي".

إشراك "الرأي العام" في نقاش الاستراتيجية الدفاعية نموذجاً
في "الهجوم الإيجابي" هذا، ثمة عناوين كثيرة تندرج في إطار ممارسة الأكثرية لأكثريّتها، في الحكومة وفي المجلس النيابي. غير أن ثمة مثالاً يشير إليه جنبلاط في مجالسه بحسب أوساطه.
فالجولة التاسعة من الحوار بعدَ غد الخميس ستعود الى مناقشة الاستراتيجية الدفاعية. وفي هذا المجال، معلومٌ أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قدّم في جلسة سابقة مطالعة حول استراتيجيته الدفاعية، وقد تولّى بنفسه شرحَها أمام جمهوره وأمام اللبنانيين عموماً. وفي المقابل، ثمة لدى 14 آذار ورقة تتضمّن نظرتها المختلفة الى هذا العنوان، وهي الورقة التي أعدّها "اللقاء الديموقراطي" وتمّ تسليمها من قبل وليد جنبلاط الى مدير الحوار و"أمين سرّه" نبيه بري. وفيما تسرّب بعض الأفكار مما طرحه أركان في 14 آذار على طاولة الحوار، بقيت الورقة أي الخطة الدفاعية بشروحها غير معروفة.
يرى جنبلاط بحسب أوساطه القريبة أن المسألة أمام "الناس" غير متكافئة. و"الناس" هؤلاء هم "الرأي العام اللبناني". وفي تقديره أن إشراك الرأي العام في الحوار، أي في النقاش ضروري، فلا يكون لحزب الله "امتياز" مخاطبة اللبنانيين والمبادرة الى تقويم خطة فريق 14 آذار للدفاع الوطني وتفسيرها من وجهة نظره، في وقت لا يكشف هذا الفريق خطته ولا يشرحها ولا يفنّد خطة "حزب الله"، وأصل الاختلاف بين الخطّتين.
وبحسب الأوساط القريبة منه، يميل جنبلاط وهو الذي طالب في جولة سابقة من الحوار بنشر المحاضر، الى نشر الخطة الدفاعية على "الرأي العام" كي يصار الى النقاش فيها شعبياً.
"الأسلحة" المتكاملة لدى 14 آذار
"الناس".. أو "الرأي العام"، ميدانٌ لم تَلِجْه حركة 14 آذار إلاّ في مناسبات "كبرى"، ويبدو الآن أنه في غاية الأهمية. فمنذ 14 شباط الماضي، يوم "التحرك المليوني" في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الرئيس الحريري، وبعد الدخول الى الحوار في الثاني من آذار الفائت، يبدو أن "الرأي العام" محسومٌ من تحرك 14 آذار فيما حلفاء النظام السوري وأدواته يحاولون اقتحام هذا الميدان ولو بفشل سياسي حتى الآن.
من هنا، وعلى ما يبدو من تفكير الزعيم البارز في حركة 14 آذار وليد جنبلاط، ثمّة "أسلحة" متكاملة لا بد لهذه الحركة من استخدامها: سلاح الموقف الدولي المحسوم لصالحها طالما أنه لصالح استقلال لبنان وسيادته وحريّته، سلاح الموقف العربي الذي وإن كان متردّداً في الحسم مع النظام السوري فإنه مساند لمقرّرات الحوار الوطني، سلاح "تنظيم" صفوف قوى 14 آذار.. وسلاح "الناس".. سلاح "الرأي العام".
إن كل ذلك، يرتكز من وجهة نظر وليد جنبلاط الى حقيقة أن معركة استكمال الاستقلال وبناء الدولة لم تكن ولن تكون "سهلة"، وإنها ليست قصيرة الأمد، الأمر الذي يجعل من عدم استخدام الأسلحة المذكورة متكاملةً، أمراً سلبياً وفق كل المقاييس.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00