8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التتمة اللاحقة مطالبة عون في 29 الجاري بوجود لحود على الطاولة

ليس ثمة ما يفاجئ في مواقف العماد ميشال عون وأدائه، لا بل يمكن القول أن تعاطيه مع موضوع المجلس الدستوري، يشكّل صورة طبق الأصل عن "تفكيره" وعن "الذاتية" التي تطبع أسلوبه في العمل العام.
فلا يخفى أن التمسّك بالمجلس الدستوري "القديم"، هو تمسّك بأحد معالم سلطة الوصاية السورية والنظام الأمني لجهة تركيبته و"توازنه"، فضلاً عن كونه موقفاً غير قانوني إذ يريد عون "ترميم" مجلس قسمٌ من أعضائه منتهية ولايته وقسمٌ آخر منقطع عن العمل وبحكم المستقيل.
إسقاط الأكثرية والحكومة
بيدَ أن الجنرال لا يأبه، لأن الهدف الذي يسعى إليه هو تغيير وجه الأكثرية في المجلس النيابي عبر طعون يعتقد أن المجلس الدستوري "القديم" قادرٌ على بتّها لصالحه بقوة الهجوم المضاد لسوريا وحلفائها. وبهذا المعنى، فإن إعادة الحياة الى المجلس القديم تحلّ ـ في التحرك العوني ـ بديلاً مرحلياً مما كان عون يطالب به، أي الانتخابات النيابية المبكرة.
وإذا كان يمكن تفسير انكفاء الجنرال عن المطالبة بانتخابات مبكّرة لمصلحة إحياء "رميم" المجلس الدستوري السابق، بالتراجع الملموس في نسبة التأييد الشعبي له، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن الهدف هو إسقاط الأكثرية وإسقاط الحكومة التي شكّلتها الأكثرية.
كان يمكن لعون أن ينتظر إعادة تشكيل المجلس الدستوري لينظر بالطعون المقدّمة إليه، لكنه رفض الانتظار. ومن الواضح أن رهانه ليس على مجلس دستوري مشكّل على أساس الكفاءة والنزاهة، يشارك القضاء في اختياره عبر دعم الترشيحات إليه، بل أن رهانه منعقد على التوجه السياسي لمعظم أعضاء "الدستوري" السابق الذين يدينون بوجودهم فيه لسلطة الوصاية السابقة. كذلك، كان يمكن لعون أن ينتظر، لكنه حريص على محاولة ضرب صدقيّة "الدستوري" الجديد على أساس القانون الجديد، تماماً لأنه يريد تعويق عملية استكمال بناء الدولة.
المستفيد هو النظام السوري
والسؤال هنا بديهي: لمصلحة من يقوم عون بهذا التحرّك؟ والجواب بديهي أيضاً: أن التحرك العوني يصبّ مباشرة في مصلحة النظام السوري وحلفائه وامتداداته، وقد جعلوا جميعاً من عون متراساً أمامياً لهم. وليس سراً أن المصلحة "السورية" هي أن يتوّج الهجوم المضاد الذي بدأ قبل أسابيع عدة بـ"إنجاز" ليس أقل من إسقاط الحكومة. وفي هذا السياق، يغدو التحرك العوني حول موضوع المجلس الدستوري مشابهاً لتحرّك 10 أيار الماضي تحت عناوين مطلبيّة مزعومة. لكن، وبما أن الهجوم المضادّ لم يأت بنتيجة "سياسية" تُذكر، يصبح التحرّك العوني الحالي رأس حربة المرحلة التالية من هذا الهجوم.
عون يطرح في الجولة الحوارية المقبلة حضور لحّود
إن هذا الاستنتاج ليس مفتعلاً. والدليل الموازي هو موقف عون من رئاسة الجمهورية.
وفي هذا المجال، ينقل زوّار للجنرال عنه أنه سيطرح في الجولة التاسعة المقبلة من الحوار الوطني في 29 حزيران الجاري، حضور الرئيس إميل لحّود الى طاولة الحوار، وإلاّ فليتوقف الحوار.
ما هي حجج الجنرال؟
"يزعم" عون أن الحوار الوطني طالما أنه لم يتوصّل الى اتفاق على تغيير رئيس الجمهورية، فمعنى ذلك، ليس فقط أن لحود باق حتى الدقيقة الأخيرة من ولايته الممدّدة سورياً وبالقهر، بل أن لحّود والحالةُ هذه رئيس "كامل" الشرعية. أما المقارنة التي أجراها عون بين لحود والرئيس الفرنسي جاك شيراك فمعيبة. ذلك أن هذه المقارنة علاوةً على كونها تطاولاً على رئيس فرنسا، تتغاضى عن أن الرئيس شيراك ليس في ولاية ممدّدة مفروضة من ألمانيا مثلاً وخلافاً للدستور الفرنسي، وتتحدّث عن تراجع شعبية شيراك الأمر الذي لا علاقة له ـ إن صحّت استطلاعات عون ـ بدستورية الرئيس الفرنسي.
و"يزعم" عون أن رئيسي مجلس النواب نبيه بري ومجلس الوزراء فؤاد السنيورة موجودان على طاولة الحوار في ظلّ "تغييب" لرئيس الجمهورية، محاولاً بذلك اللعب على أوتار طائفية. والحال أن لحّود غير موجود على طاولة الحوار لأسباب عدّة: الأول هو أن إميل لحّود كان ولا يزال الموضوع الأساسي لطاولة الحوار، والثاني هو أن جدول أعمال الحوار تركّز على القرار الدولي رقم 1559 الذي يشمل بنوداً عديدة في مقدّمها المسألة الرئاسية.. والثالث هو أن مؤتمر الحوار أقرّ بالإجماع أن ثمة "أزمة رئاسة" في لبنان..
وهنا أيضاً المستفيد هو نظام دمشق
إذاً، لا مبرّر لوجود إميل لحّود على طاولة الحوار. لكن توجه الجنرال الى طلب وجوده يعني أنه ـ أي الجنرال ـ ضاقَ ذرعاً بالحوار، ويعني أن الحوار لم يعد يمثّل له شيئاً طالما أنه لم يتوصّل الى اختياره رئيساً للجمهورية بديلاً من لحّود.. ويعني أن الجنرال يسعى الى تصفية الحسابات مع كل الذين لم يربطوا التغيير الرئاسي به.. ويعني أخيراً أن عون يريد انتهاء الحوار.
وهنا أيضاً، يبدو السؤال بديهياً: لمصلحة من هذا الطرح؟ والجواب بديهي أيضاً: إنه لمصلحة النظام السوري وحلفائه وأدواته المتمسّكين بلحّود. وليس مقنعاً على الإطلاق أن عون "المتمادي" في الدفاع عن إميل لحّود، إنما يفعل ذلك دفاعاً عن "موقع الرئاسة"، لأن الفارق واضح بين "الرئاسة" و"الرئيس"، والرئيس الحالي هو من يضرب موقع الرئاسة في الصميم.
إذاً، إن التزامن بين التحرّك لإحياء "رميم" المجلس الدستوري القديم وبين الانتقال الى مزيد من حماية لحّود "الشخص"، يعني شيئاً واحداً: تصفية الحساب مع أكثرية 14 آذار من جهة وتسديد فواتير لمصلحة النظام السوري وحلفائه وتوابعه من جهة ثانية، أي أن الأمرين يتكاملان في "سياق سوري" لن يستره انفعال الجنرال من هذه "التهمة".
أسباب انفعال الجنرال من تهمة "التسوْرن"
وعلى سيرة انفعال الجنرال كلّما رُمي بـ"التسوْرن"، يبدو أن الأصل في الانفعال هو عدد من الأمور. فداخل "التيّار الوطني الحر" ثمة "جدلٌ" حول سياسة العماد عون وما قادت إليه من تخلّ عن مبادئ تمّ النضال على أساسها في مراحل سابقة. وداخل "التيّار" أيضاً ثمة تهميشٌ يحصل على نحو متمادٍ لـ"النواة" الأساسية التي واكبت المراحل الصعبة من النضال لمصلحة أشخاص "مستجدّين". وعلى مستوى "الناس" ثمة تراجع في نسبة التأييد، وعون يعرف ذلك وقد ذُكر أنه يجري استطلاعات دوريّة للرأي، وقد أعطاه آخر استطلاع نتيجة "مذهلة".
روجيه عزام وإعادة إطلاق "مكتب التنسيق":
عون يهدم نفسه بنفسه
كثيرون هم الذين يغادرون الجنرال في الآونة الأخيرة، لا سيما على مستوى فاعليات كانت حتى فترة قريبة في "الفلك العوني"، وآخر هؤلاء مسؤول "تاريخي" في "مكتب التنسيق المركزي" الذي حمل قضية عون و"التيّار" وسيادة لبنان على أكتافه طيلة فترة وجود الجنرال في المنفى. وهذا المسؤول هو روجيه عزّام الذي يعتزم عقد مؤتمر صحافي أواخر الشهر الجاري أو مطلع تموز المقبل، يعلن فيه إعادة إطلاق "مكتب التنسيق" باستقلال عن عون و"التيّار الوطني الحر".
يقول عزّام لمن يتصل به أنه ليس في صدد تأسيس صيغة حزبيّة. ويضيف أنه غير معنيّ بـ"انشقاق" داخل "التيّار"، موضحاً أن "عون يهدم نفسه بنفسه" ولا حاجة لأن يسعى أحد الى تأليب الرأي ضدّ عون. لكنه يلفت الى أن ثمة تحلّقاً لـ"عونيين" سابقين ولطاقات كثيرة من الشمال والجنوب والبقاع والجبل حول "مكتب التنسيق" الذي يريد له عزّام أن يتمحور حول رؤية متناسقة مع تاريخ النضال من أجل الاستقلال والسيادة. ويشير الى أنه أصدر قبل فترة كتاباً بالفرنسية عن الحرب اللبنانية، هو الآن قيد التعريب، يتضمّن قراءة نقدية لهذه الحرب وتقديماً لدروسها وعِبرها.
إذاً، إن لانفعال عون كلّما رُمي بـ"التسوْرن" أصلاً، هو تذكّره أن هذا "التسوْرن" خلقَ له متاعب داخل البيئة المسيحية الأوسع وداخل "التيّار" وضمن الأصدقاء والمؤيدين. إنه يخسر بفعل خيار سياسي يجعل منه متراساً سورياً بامتياز، وإضافة الى ذلك، إنه يخسر من دون أفق لـ"تعويض" مستقبلي، لأنه يربط نفسه بـ"الماضي"، أي بمشروع من الماضي، وليس منفتحاً على المستقبل بانسجام مع مبادئ ناضلَ مؤيّدوه ردحاً من الزمن لتحقيقها.
ومع ذلك، لا يبدو أن في الأفق احتمالاً ولو بنسبة واحد في المئة أن يراجع الجنرال "سياسته". وثمة على ذلك مثالٌ "إضافي".
عون والذهاب الى دمشق
فعلى طاولة الحوار في الجولة الثامنة السابقة، طالب عون بتشكيل وفد من المؤتمر للحوار مع سوريا حول العلاقات اللبنانية ـ السورية، وما توصّل إليه المؤتمر من مقرّرات يحتاج تنفيذها الى تعاون سوري. تذرّع عون في طلبه هذا بأن الحكومة لم تحسن فتح الباب مع دمشق، والأنكى أنه برّأ سوريا من وضع العصي في الدواليب. غير أن السبب الفعليّ هو تطلّعه للذهاب الى دمشق بـ"أي طريقة"، وفي ظنّه أن النظام السوري سوف "يبيعه" المطالب اللبنانية فيغدوَ عندئذٍ في "موقع تفاضليّ" بالنسبة الى رئاسة الجمهورية. والسبب الآخر، هو أن عون كان حتى الآن لا يتجرّأ على الذهاب الى دمشق بمفرده كي لا تثبت عليه تهمة "التسوْرن". لكنه إذا استمرّ في رفض الاستماع الى ما يقوله الناس، ناسُه هو قبل غيرهم، فلن يكون وجوده في العاصمة السورية ذات يوم مفاجئاً.. علماً أنه يخفى على الجنرال عون، على ما يبدو، أن النظام السوري الذي لم "يسلّف" السيد حسن نصرالله شيئاً "يروي" الحوار اللبناني، لن يسلّفه هو، وأنه في نظر هذا النظام جزء من خطّته ليس أكثر.
إذاً، خلاصةُ القول أن تحرّك عون في موضوع المجلس الدستوري، جزء لا يتجزّأ من نسق سياسي "متكامل"، لا يزال مأمولاً أن يلعب مناضلو "التيّار" دوراً في وضع حدّ له.. لمصلحة لبنان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00