8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"14 آذار" لم تقفل التغيير الرئاسي أصلاً ولا تتحمل ارتباكاً ذاتياً

لم تكن شخصيات مارونية بارزة في 14 آذار، موفّقة في الأيام الماضية عندما اعترضت على عدم توجيه رومانيا الدولة التي ترأس القمة المقبلة للفرنكوفونية، الدعوة إلى الرئيس اميل لحود للمشاركة في هذه القمة، وعندما أثارت ما يسمى موقع رئاسة الجمهورية معلنة رفضها "تجاوزه" محوِّلة الموضوع إلى قضية داخلية.
القرار 1559 والقرارات المنبثقة منه
ثمة أمران رئيسيان تجاهلتهما هذه الشخصيات.
الأول هو أن رئيس الجمهورية الممدد له بالقوة من قبل سلطة الوصاية السورية، هو رئيس غير شرعي بموجب "القانون الدولي" أي بموجب القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن مطلع أيلول من العام 2004 . وإذا كان القرار 1559 أتى في حينه ليدعم موقفاً لبنانياً مقموعاً ضد التمديد، فإنه استند في حيثياته الى الدستور اللبناني بالذات ليعتبر التمديد غير شرعي.
ومنذ ذلك التاريخ، غدا الموقف الدولي متعاملاً مع لحود على أساس كونه غير شرعي، وكررت القرارات اللاحقة المبنية على تقارير مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لمراقبة تنفيذ الـ1559، الدعوة إلى انتخابات رئاسية نزيهة وبلا تدخل خارجي على أساس الدستور... وسجلت ـ أي القرارات ـ ان الـ1559 لم يطبق من هذا المدخل أيضاً.
ولذلك، فعندما لا توجه رومانيا الدعوة إلى لحود، فإنها تكون ملتزمة بالقرارات الدولية، ولا يجوز لومها من هذا المنطلق.
مؤتمر الحوار لم يُنهِ ملف التغيير
والأمر الرئيسي الثاني الذي تتجاهله الشخصيات المارونية من ضمن 14 آذار هو أن مؤتمر الحوار الوطني استند اعتباراً من الثاني من آذار الماضي الى القرار 1559 لبحث "بند رئاسة الجمهورية" الذي تحول تباعاً الى بند تحت عنوان ""أزمة رئاسة الجمهورية".
وبنتيجة الحوار، لم يتوصل المؤتمر كما بات معروفاً الى اتفاق إجماعي على تغيير الرئيس بالرغم من تسليم الجميع بداية بأن ثمة ازمة رئاسية. غير ان هذه النتيجة لم تُعلن من قبل مدير الحوار الرئيس نبيه بري بصيغة "اقفال الملف الرئاسي"، ولم تسارع قوى 14 آذار في ضوئها الى اعلان التراجع عن المطالبة بتنحية لحود او اعتبار المسألة منتهية، بل أكدت أن تنحية رئيس التمديد ستُطرح بالارتباط مع ظروف مؤاتية... وفي جميع الأحوال لم تعلن انها تسلم ببقائه حتى نهاية ولايته الممددة.
اذاً، تجاهلت الشخصيات المارونية المنتمية الى 14 آذار والمشاركة في مؤتمر الحوار، هذين الأمرين الرئيسين، لدى اعتراضها على عدم دعوة لحود الى بوخاريست، فيما كان يجب أن تعتبر عدم دعوته نتيجة لموقعه الخطأ من الشرعية الدستورية اللبنانية ومن الشرعية الدولية في آن. وكان يجب اعتبار عدم الدعوة مساوياً للمقاطعة التي يواجهها لحود هنا في بعبدا حيث لا تزوره الوفود الدولية على أنواعها.
خطر تحويل المسألة داخلية... إنعاش لحود
غير أن "الأخطر" في مقاربة هذه الشخصيات للموضوع، تمثل في تحريك جانب داخلي يتعلق برئيس الحكومة، لكأنما الدعوة الرومانية للرئيس فؤاد السنيورة "مؤامرة" حاكها بنفسه، ولكأنما الرئيس السنيورة والفريق الذي يمثله يفتعلان موضوعاً اسمه ازمة رئاسة الجمهورية... وتصوير الأمر وكأن هناك في لبنان من يسعى إلى مصادرة "موقع الرئاسة".
هذا الجانب من الموضوع خطير فعلاً من أوجه عدة. الأول هو، على افتراض ان لبنان أبلغ رومانيا انه يرفض عدم دعوة الرئيس لحود ويرفض تلبية الدعوة على مستوى رئاسة الحكومة، كأن لبنان يطلب من البلد المضيف للفرنكوفونية ان يتخلى عن التزامه بالقرار 1559. والثاني هو داخلي أي ضمن 14 آذار، حيث يبدو وكأن ثمة مزايدة طائفية من قبل فريق مسيحي داخل 14 آذار من شأنها ـ المزايدة ـ أن تميز بين مكونات الرابع عشر من آذار على أساس طائفي وهذا ما لم يكن قائماً حتى الآن. والثالث هو اعادة انعاش لحود من داخل 14 آذار هذه المرة.
أين الجديد لتعديل المواقف؟
و"المؤسف" فعلاً، هو انّ هذا الموقف الأخير لشخصيّات مارونية، يأتي متناقضاً مع مواقف سابقة لهذه الشخصيات نفسها او للجهات التي تمثلها. فإحدى هذه الجهات التي نطق باسمها نائب رئيس هيئتها التنفيذية، لها وزير في الحكومة يقاطع بناء على قرار حزبي جلسات مجلس الوزراء التي يحضرها لحود ويترأسها. كذلك، ينبغي التذكير بأنّ هذه الشخصيات ومن يمثلها، مشاركة في التوقيع على المذكّرة التي رفعتها قوى 14 آذار إلى القمة العربية الأخيرة في الخرطوم في آذار الماضي وتطالب القادة العرب باعتبار لحود غير شرعي بالنظر إلى الدستور اللبناني وبالنظر إلى القرارات الدولية.
من زوايا النظر هذه مجتمعة، ليس ثمة "موقع رئاسة" يجري تجاوزه من قبل الخارج الدولي من جهة وليس ثمة موقف جديد لـ 14 آذار من رئيس الجمهوريّة يقتضي التكيف معه وتأتي الشخصيات المارونية لتذكّر به من جهة ثانية، بل على العكس. هذا مع العلم أنّ ثمة فارقاً بين ان تكون قوى معيّنة في 14 آذار في صدد فتح معركة جديدة الآن وبدون تشاور مع القوى الأخرى، وهذا ليس حاصلاً في واقع الامر، وبين أن تكون المعطيات مستمرة بذاتها ومن ضمنها انّ المجتمع الدوليّ يدعم "القضيّة اللبنانيّة" بأبعادها كافة.
وتأسيساً على كلّ ما تقدم، يمكن القول من دون تردد انّ الشخصيات المارونية التي أثارت هذه المسألة، أخطأت في مقاربتها لأنها كانت تستطيع اعتبار الخطوة الرومانية نتيجة لواقع معروف، وتؤكد ما كانت الشخصيّات نفسها تقوله، لا ان تبدو "محرّضة" ولو بشكل غير مباشر باللعب على وتر انّ رئاسة الحكومة تستفيد على حساب رئاسة الجمهورية، خاصة انّ رئيس الحكومة ليس في هذا الوارد، وانّ الواقع الحالي لرئاسة الجمهورية موقت طالما انّ أيّ تعديل على الممارسة الدستوريّة للصلاحيات لم يطرأ أصلاً.
عون والاستغلال السياسي
على انّ ما يقتضي تسليط الضوء عليه في ضوء تقدير الموقف هذا، يتعلق بـ"الاستغلال" السياسيّ لموقف هذه الشخصيّات من قبل رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون.
كان عون مثقلاً بأخطاء سياسته وبالحصيلة المخيبة لآماله التي انتجتها هذه السياسة، عندما "سقط" عليه موقف هذه الشخصيات برداً وسلاماً، فاستعاد أنفاسه والهجوم، ليستأنف الدعوة الى عدم التعرض لرئيس الجمهوريّة، ولـ"يواصل" المعركة ضدّ الحكومة.
والى ذلك تضاف حقيقة انّه كلما رفع مسيحيّو 14 آذار الصوت مارونياً، أي كلما بدوا باحثين عن "عصب" ماروني أو عن عنوان لنوع من التعبئة المارونيّة بأفق الاستقطاب في "الشارع المسيحيّ"، كان عون هو المستفيد، فكيف اذا كان هناك موقف يقول بصورة غير مباشرة انّ الحقّ مع عون؟.. والحال انّ الموقف الأخير يتماهى مع موقف عون من رئاسة الجمهوريّة، ويستطيع أن يوظفه لصالحه.
"مسيحيّو" 14 آذار" ونصّ الكنيسة المارونية
وهذه مناسبة للقول انّ "مسيحيي 14 آذار" قوى وشخصيات، يتفوّقون على عون في الاطار "الوطني"، اي "اللبناني" ويستطيعون على هذا الأساس تحقيق تقدم في وقت يتأكد انّ خطّ العيش المشترك هو الخطّ "الأنجح". ومؤسف ان يأتيَ موقف شخصيات مارونيّة من 14 آذار، بالتزامن مع نصّ صادر عن المجمع البطريركي لا يؤكد على العيش المشترك فقط بل يعتبر ان لا ضمانة لأي مجموعة لبنانيّة خارجه، وأن لا بديل من عمل سياسيّ مختلط.. أي في وقت "يجب" ان يشكّل النص الصادر عن الكنيسة المارونيّة أساساً لعمل سياسيّ "لبناني" للمسيحيين. وهو خط لا بديل منه لمنع كل ادعاءات احتكار التمثيل الماروني من ناحية ولفتح الطريق مجدّداً أمام 14 آذار من ناحية ثانية.
على كل حال، وبصرف النظر عن الدافع إلى الموقف "المستجد" من رئيس ورئاسة الجمهوريّة لدى كلّ شخصيّة من شخصيّات 14 آذار المارونية، فان هذا الموقف كان بمثابة خطأ، لأن لا معطيات تبرره أصلاً، ولأنه يفيد أن ثمة اختلافاً داخل 14 آذار حول مسألة جوهرية. فإذا كان الأمر كذلك فعلاً، يجب أن يناقش الاختلاف، وان لم يكن ثمة اختلاف فلماذا الايحاء به خارج اللقاءات الكثيرة التي تعقدها حركة 14 آذار؟ وإلى ذلك يضاف أنه إذا كان من حق حركة 14 آذار ان تستفيد من أخطاء الآخرين من غير ان تبني سياستها على اخطاء الآخرين كي لا تكون هكذا سياسة عقيمة، فليس من حقها ان تُهدي أخطاء الى الآخرين.
لذلك "يستفاد" مما حصل لإعادة تنسيق المواقف بين مكونات 14 آذار ولتوحيد الرؤية. لأن حركة 14 آذار لا يمكنها تحمُّل هجمات دمشق وحلفائها وأدواتها من جهة وأخطاء ذاتية من جهة ثانية. ولا مفر من اعادة الاعتبار لتوجهات 14 آذار بما هي في نهاية المطاف توجهات لاستكمال معركة الاستقلال والسيادة، وتوجهات للتغيير تحقيقاً لهدف نقل لبنان الى مرحلة جديدة بكل معنى الكلمة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00