8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كيف تدير حركة 14 آذار السياسة في الأسابيع الصعبة المقبلة؟

غنيّ عن القول أن الوضع في لبنان يرتبط ارتباطاً شديداً بمسألتين رئيسيّتين في الإطار الإقليمي: مآل العلاقة الإيرانية ـ الأميركية ـ الغربية من ناحية وعلاقة دمشق بالتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري من ناحية ثانية.
إيران والولايات المتحدة: الدور الإقليمي لطهران
بالنسبة الى المسألة الأولى، أي العلاقة الإيرانية ـ الأميركية ـ الغربية، فعلى الرغم من التفاؤل الذي يبديه العديد من الأوساط حيالَ التطوّر في هذا المجال بعدَ "سلّة الحوافز" التي عرضت على طهران لقاء عدم امتلاكها السلاح النووي، لا يزال مبكراً في اللحظة الراهنة الحسم بأن الأمور ستسلكُ بشكل "طبيعي" فيتمّ الانتقال من التوتّر الى التفاهم.
صحيحٌ أن لا مصلحة الولايات المتحدة خصوصاً في حصول مواجهة بينها وبينَ الجمهورية الإسلامية لأن من شأن هكذا مواجهة أن تعقّد أوضاع المنطقة ككل وأوضاع واشنطن في المنطقة، خاصةً وأن أميركا لا ترغبُ في إضافة مزيد من المشكلات على نفسها في العراق فيما "التعاون" بينها وبين إيران مفيد ومجدٍ في هذا البلد.
وصحيحٌ أيضاً أن لا مصلحة لإيران في المواجهة مع الولايات المتحدة لأنها بذلك قد تؤذي واشنطن لكنها ستواجه عزلةً إقليمية ودولية شديدة.
غير أن الصحيح أيضاً أن إيران التي تعاطت مع "سلّة الحوافز" التي عرضت عليها أوروبياً بتنسيق مع الولايات المتحدة بإيجابية، لا تعتبر أن في هذه "السلّة" إعترافاً بها كدولة ذات دور إقليمي. والصحيح كذلك أن "السلّة" من وجهة نظر الغرب الأميركي والأوروبي طُرحت في مقابل تشجيع طهران على عدم امتلاك سلاح نووي، لكنها لا تعطي الجمهورية الإسلامية إعترافاً صريحاً بها كقوة إقليمية.
إذاً، على الرغم من أجواء التفاؤل السائدة حالياً والمسار الديبلوماسي القائم، لا مفرّ من القول أن الإشكالية لا تزال موجودة: فإيران التي أعلنت تحوّلها الى قوة نووية إنما كانت تنطلق من كونها قوة إقليمية لها حقّ امتلاك الطاقة النووية في مرحلة أولى والسلاح النووي في مرحلة لاحقة، وكانت في العمق تفاوض على موقعها الإقليمي. فيما رفضت الولايات المتحدة والدول الأوروبية امتلاك إيران للطاقة النووية إعتراضاً على موقعها الإقليمي.. أي أن ما يجري التفاوض عليه الآن، في ما يتجاوز التخصيب، هو بالضبط دور إيران إقليمياً.. وهذا التفاوض لا يبدو أنه وصل الى نتائج نهائية حاسمة حتى الآن.
ومن الواضح أن "الوجهة الأخيرة" لن تتّضح قبل انقضاء بضعة أسابيع، وإن كانَ كثيرون يعتبرون أن الأفق ليس مغلقاً أمام احتمال التوصّل الى نتيجة إيجابية.
دمشق.. وانتهاء دورها الإقليمي
في هذه الأثناء، لا شك أن النظام في سوريا، عينُه على ما يجري حالياً بين طهران وواشنطن والعواصم الكبرى. لا يستطيع البناء على مواجهة محتّمة لأن الأمر ليس كذلك، لكنه أيضاً لا يستطيع أن يأمل في أن يتمّ إدراجُه ضمن تسوية إقليمية ـ دولية.
ثمة رفض دولي للاعتراف بدور إقليمي لسوريا في ظل هذا النظام. وثمة قرارات دولية متّخذة منذ نحو عامين تطوّق النظام السوري وتحاصره بعد أن تراجع دوره الإقليمي المعترف به سابقاً. وثمة أزمة عميقة في العلاقات السورية ـ العربية من مختلف البوّابات.. وثمة تدخّل تخريبي للنظام في العديد من الدول المجاورة، في لبنان وفلسطين والأردن.. والعراق.
وإلى ذلك، تضاف مشكلة النظام السوري مع التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وإذا كان صحيحاً القول أن التقرير الأخير لرئيس فريق التحقيق سيرج براميرتس لا يتضمّن إتهامات "جديدة" في الجريمة، فإنه لا ينقض الاتهامات السابقة لسلفه ديتليف ميليس، ويعِد بأن يكشف تقريره في الخريف المقبل كل المعطيات المتعلّقة بكيفية تنفيذ الجريمة، علماً أن المحكمة ذات الطابع الدولي يفترض أن تكون تشكّلت خلال هذه الفترة وأن تحال إليها قرارات إتهامية.
بين الموعد "التقريبي" لمعرفة مآل العلاقة الإيرانية ـ الأميركية ـ الغربية ـ الدولية في الخريف المقبل وبين الموعد "المحدّد" في الخريف المقبل أيضاً لحصول تقدّم نوعي في التحقيق الدولي، يبدو من الواضح أن أمام لبنان أسابيع صعبة.
"14 آذار" لا تستطيع الاكتفاء بأخطاء "الآخرين"
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذه الآونة هو كيف ستدير حركة 14 آذار سياستها خلال هذه الأسابيع الصعبة؟
بدايةً لا بد من الإقرار بأن الواقع الحالي لحركة 14 آذار لا يرقى الى مستوى تنظيم الطاقات والتخطيط لـ"الصمود" ومواجهة الهجمة السورية المضادّة. ذلك أنه لا يخفى أن النظام السوري، سواء في حالة توصّل طهران وواشنطن الى نوع من التفاهم أو في حالة الفشل.. والمواجهة، سيعتمد "نهج" التصعيد في لبنان، وإن كان ثمة من يتوقّع، في حال التقدّم على خطّ طهران ـ واشنطن، أن يضعف "حيْله".
ويجب الإقرار أيضاً بأن حركة 14 آذار لا تستطيع أن "تعتاش" باستمرار من أخطاء الآخرين. فمن الواضح أن حركة 14 آذار استفادت كثيراً خلال الفترة بين نهاية الجولة السابعة من الحوار الوطني والجولة الثامنة من هذا الحوار في 8 حزيران من أخطاء عديدة، لا سيما ما حصل في الجنوب وما جرى من أحداث شغب في الأول من حزيران.
ويمكن لحركة 14 آذار أن تستفيد من الحصاد الهزيل للهجوم السوري المضاد خلال الأسابيع الماضية، من فشل تظاهرة العاشر من أيار، الى بؤس المهرجانات المتنقّلة شمالاً. لكن ثمة من يقول هنا أن النظام السوري وحلفاءه قد لا يرون حصاداً هزيلاً، وإنهم في حال اقتنعوا بأن نتيجة حركتهم كانت فاشلة بالفعل فإنهم قد يعمدون الى مزيد من التصعيد وأن الاغتيالات قد تتجدّد.
"14 آذار" أصعدة شتى يجب تفعيلها
إذاً، لا مبالغة في القول أن حركة 14 آذار بحاجة الى عوامل قوة "ذاتية" بحيث لا تكتفي بالاستفادة من "التناقضات" في جبهة "الخصوم" وأخطائها.
لا شك هنا أن المدخل الرئيسي الى تصويب أوضاع 14 آذار، هو التعاطي مع أصعدة مستقلّة بذاتها تترابط في نهاية المطاف. فحركة 14 آذار هي الإطار السياسي "العام". والحكومة بقدر ما هي حكومة تتمثّل فيها حركة 14 آذار بأكثرية "موصوفة"، هي في المقابل صعيد مستقلّ، أي أن دورها يجب أن يكون غير دور الحركة السياسية. والأكثرية النيابية هي صعيد آخر، أي أن المجلس النيابي يمثّل ميدان عمل مختلفاً يجب "توظيفه". و"الجمهور" هو صعيد قائم في ذاته كذلك.
من هنا، إن حركة 14 آذار مطالبةٌ بـ"تفعيل" كل صعيد على حدة، أي أن "تواجه" على المحاور كافة: قيادة سياسية تدرس وتخطّط وتوحّد الموقف، وحكومة تقوم بدورها على مستوى قضايا الناس وأمنهم، وأكثرية نيابية تحوّل المجلس الى ورشة.. وجمهور يدعى الى المشاركة في التقويم فلا يتمّ تسريحه بين مناسبة وأخرى.
معطى إيجابي: نصّ المجمع البطريركي
وفي السياق نفسه، ينبغي القول أن تفعيل حركة 14 آذار لدورها على المحاور كافة، يجب أن يستفيد من معطيات إيجابية قائمة وأن يستعدّ لملاقاة معطيات قد تبرز في المقبل من الأيام بالعلاقة مع تطوّرات إقليمية معيّنة.
لا شك بدايةً أن حركة 14 آذار تلقّت في الأيام الماضية "أوكسيجيناً" فعلياً من بكركي في ضوء النصّ السياسي الذي أصدره المجمع البطريركي. والنصّ الذي يركّز على العيش المشترك ويحدّد موقع المسيحيين في إطار هذا العيش المشترك، لا بد أنه مظلّة "وارفة" لـ"دينامية 14 آذار"، وهو أساسٌ في دور الكنيسة السياسي في الفترة المقبلة، أي أنه يمكن أن يكون باباً نحو استعادة الكنيسة حضورها السياسي ـ الوطني بعدَ فترة من "الانكفاء" فرضتها ظروف "الساحة السياسية" المسيحية بشكل أو بآخر.
ولا شك ثانياً، أن التطوّرات في الأسابيع الماضية دلّت على تراجع "ما" في شعبية العماد ميشال عون، وإن كان الجنرال لم يعترف بتراجع هذه الشعبية إلاّ بنسبة ثلاثة في المئة. وإذا كان صحيحاً أن مواقفه المتتالية "الغريبة" عن بيئته قادت الى هذه النتيجة لأنها ـ أي المواقف ـ أحرجته أمام جمهوره، فالصحيح أنه يمكن افتراض أن نصّ المجمع البطريركي يؤسّس لخيار مسيحي وطني مختلف.
"حزب الله" بين إيران وسوريا
ولا شك ثالثاً أن "حزب الله" المقيم على تقاطع إيراني ـ سوري إقليمياً، يستدعي "المتابعة".
وفي هذا المجال، ثمة من يقول أن لا علاقة لـ"الجانب" الإيراني من "حزب الله" بالمواقف الأخيرة التي اتخذها ما أثار ردود فعل سلبية تجاهه. وثمة من ينسب بعض المواقف والممارسات الى ضغوط سورية شديدة مورست عليه، في ما يتصّل بالوضع في الجنوب أو ما يتعلق بالسلاح خارج المخيّمات أو حتى ما يتعلّق بـ"المظهر" الذي بدا عليه في الأول من حزيران.
ومَن يقول ذلك يشرحه بأنه إذا كانت لإيران مطالب معيّنة من "حزب الله" أو إذا كانت إيران تربط الحزب باستراتيجيّتها الهادفة الى تأكيد كونها قوة إقليمية عظمى ذات امتدادات، فإن هذه المطالب الإيرانية آجلة" فيما المطالب السورية "عاجلة". ومن يقول ذلك يخلصُ الى تقدير أن الحزب "محرج" من المطالب السورية ومن ضغوط دمشق عليه، وكان يفضّل إلاّ يلبّيها وإلاّ يستجيب إليها. ومن يقول ذلك، يعربُ عن اعتقاده أن "المتغيّرات" التي طرأت على مواقف الحزب وأدائه بين دخوله الى مؤتمر الحوار مطلع آذار الماضي وبين ما هو عليه اليوم ناجمٌ عن الضغوط السورية. وبطبيعة الحال، فإن أحداً لا يريد "التخفيف" من وطأة المواقف والممارسات، لكن الإشارات السابقة تطرح الجانب "الاضطراري" من هذه المواقف والممارسات، من منطلق أن "حزب الله" في مقدّم "المتضرّرين" منها.
على أي حال، ومهما كان من أمر هذه التحليلات والتقديرات، فإن حركة 14 آذار معنيّة بـ"تفعيل" أصعدتها كافة كي تكون قادرة على الصمود وعلى إدارة مرحلة الأسابيع المقبلة.. وعلى استقبال أي تطوّرات خارجية وداخلية مؤاتية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00