كان طبيعياً جداً أن تشيد القوى السياسية، لا سيما المنتمية منها إلى حركة 14 آذار بالإنجاز الذي حققته مخابرات الجيش في كشف الشبكة التخريبية التابعة للموساد الإسرائيلي وإلقاء القبض على بعض أفرادها ومطاردة الفارّين منها.
لم تتم الإشادة بهذه الخطوة لان حزباً من الأحزاب طلب ذلك مفترضاً ان في الأمر إحراجاً لفريق 14 آذار. كانت الإشادة بمثابة تحصيل حاصل من منطلق القناعة الراسخة لدى 14 آذار بأن إسرائيل، وهي ما هي في العمل المخابراتي، تمتلك شبكة.. وشبكات في لبنان، وانها تشغّلها في تصفية حسابات من جهة وفي استهداف الاستقرار اللبناني "كلما دعت الحاجة الإسرائيلية إلى ذلك" من جهة اخرى. وأكثر من ذلك، فمن مصلحة فريق 14 آذار أن يفاخر بأن الأجهزة الأمنية حققت هذا الإنجاز في عهد الحكومة اللبنانية الأولى بعد انتهاء الوصاية السورية، علماً ان الشبكة المكشوفة أخيراً وكما يتبيّن من سجلها الذي أذاعته قيادة الجيش، عاملة على الأرض اللبنانية منذ نحو ثماني سنوات، أي منذ ما قبل التحرير في العام 2000، واستمرت بعده.
الأمن بوظائف داخلية في مرحلة الوصاية
بيد انه، وفي ما يتجاوز الجانب "المبدئي" من الموضوع، لا بدّ من تسليط الضوء على بعض العناوين "المتفرقة" في هذا المجال.
ثمة عنوان أول "بديهي"، وهو ان الشبكة الموسادية بدأت عملها التخريبي في العام 1999، إذا أخذ في الاعتبار ان أول جريمة قامت بها كانت في هذا العام عندما اغتالت المقاوم علي حسن ديب "أبو حسن سلامة"، أي أنها بدأت في مرحلة الوصاية السورية من ناحية وفي "عزّ" تشكّل النظام الأمني بعد وصول إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية من ناحية اخرى. وأن تكون هذه الشبكة بقيت ست سنوات بعيدة عن عيون الأجهزة الأمنية في تلك المرحلة، فذلك يعني ان الأجهزة الأمنية بقياداتها السابقة وتحت إمرة النظام الأمني المشترك، كانت تضطلع فقط بمهمات داخلية لا علاقة لها بـ"الأمن القومي" للبنان، أي انها كانت معنية فقط بملاحقة الأخصام الداخليين.
أو تخصيص "أمن المقاومة" بإسرائيل؟
هذا في أقل تقدير، لكن ربما ثمة تفسير آخر. فقد تكون "الدولة الأمنية" التي أنشأتها الوصاية السورية، قد أوكلت القضايا المتعلقة بـ"الأمن الوطني" وتحديداً "الاختراقات الإسرائيلية" إلى "أمن المقاومة"، لتنصرف هي إلى الحسابات الداخلية. وفي هذه الحالة لا يمكن إلقاء اللوم على "أمن المقاومة" لانه لم يكتشف هذه الشبكة، لان "أمن المقاومة" كان ـ وربما لا يزال ـ في حرب مخابراتية مفتوحة ومتعددة الأوجه مع العدو. و"قد" يكون ثمة تفسير ثالث، هو ان هذه الشبكة جرى "غضّ النظر" عنها لـ"قصد" سياسي، هو "تخويف" اللبنانيين من إمكان عدم استقرار الوضع الأمني في لبنان في حال اضطرت سوريا إلى الانسحاب من لبنان، أي تبرير بقاء الوصاية السورية بخطر أمني إسرائيلي مستمر، تماماً مثل التخويف الذي حصل من أصولية "قاعدية" متنامية لا يضبطها إلا "الوجود السوري".
إذاً في جميع الأحوال، يشكّل اكتشاف الشبكة الموسادية "الآن" نقطة في صالح البلد أولاً وقبل أي شيء، لكنه نقطة في صالح الأكثرية الحكومية، ونقطة إدانة للمرحلة السابقة.
لماذا تمّ السكوت عن علاقة الحزبيات السورية بالعملاء؟
وثمة عنوان ثانٍ، يتعلق بـ"العملاء" أي أولئك الذين خدموا في ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" أو قدّموا له الخدمات إبان الاحتلال الإسرائيلي.
فكما بات معلوماً، ان هؤلاء العملاء ممن عادوا إلى لبنان بعد فرار إلى إسرائيل، وممن نفّذوا أحكاماً قضائية، حظوا في قسم كبير منهم بحمايات سياسية وأحياناً أمنية من حزبيات موالية لسوريا في مناطق الشريط الحدودي المحرر، وذلك لغايات وحسابات ومصالح انتخابية. وإذا كان صحيحاً ان العديد من المرجعيات المسيحية على رأسها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، طالبت بعد العام 2000 بالعفو عن "المتعاملين" ما عدا رؤوسهم الأمنية الحامية، وذلك انطلاقاً من اعتبار هذه المرجعيات ان هذا "الملف" يُعدّ من مخلّفات الحرب اللبنانية، فالصحيح أيضاً أن نظام الوصاية السورية وافق ـ أو غض النظر ـ عن العلاقة الناشئة بين الحزبيات الموالية له وهذه الفئة، وأن "حزب الله" الذي كان يعرف هذه المسألة، تشدّد حيال المطالبة السياسية للمرجعيات المسيحية بالعفو عن هذه الفئة في مقابل قبوله ـ ربما بالاضطرار ـ بوجود تلك العلاقات الناشئة. ولعلّ قليلين هنا يعرفون أن ثمة ملفاً مشتركاً كان موجوداً بين وليد جنبلاط و"الحزب التقدمي الاشتراكي" من جهة والسيد حسن نصرالله و"حزب الله" من جهة ثانية، في مرحلة العلاقة الوطيدة المفتوحة بين الجانبين.
إذاً، في العنوان الثاني السالف، لا يمكن فصلُ إعادة تشكيل إسرائيل لشبكتها أو شبكاتها الاستخباراتية التخريبية، عن مناخ سياسي في عدد من بلدات "الشريط" حيثُ شكّلت علاقة الحزبيات الموالية لدمشق بـ"عملاء" عاملاً مريحاً لإسرائيل عنى بالنسبة إليها أن الاستنفار الأمني السابق لم يعد موجوداً.
جرائم ضدّ "صنف" سياسي واحد:
المقاومون "الأمنيون" خلف خطوط العدو
وبعيداً من العنوانَين الأول والثاني اللذين تمّت إثارتهما للتدليل على طبيعة "العقيدة الأمنية" للأجهزة في المرحلة السابقة بما هي "عقيدة" اضطهاد خصوم الداخل بالدرجة الأولى، وللتدليل على التوظيف السياسي للأمن من قبل سلطة الوصاية و"جماعتها"، ثمة عنوان ثالث قائم بذاته يجدر التوقّف عنده.
فمن مراجعة "السجل" الذي أذاعته قيادة الجيش حول الشبكة، يبدو واضحاً أن جرائمها استهدفت "فئة" محددة بين المقاومتَين اللبنانية والفلسطينية، ولم تستهدف فئة السياسيين اللبنانيين المعارضين للنظام السوري ولوصايته على لبنان، علماً أن المعارضة اللبنانية لوصاية النظام السوري بدأت فعلياً بعد تحرير الجنوب في الخامس والعشرين من أيار 2000. وإذ يبدو ذلك واضحاً، فإنه "مفهوم" أيضاً. فمفهوم أن تستهدف إسرائيل مقاومين "مباشرين" لها. لكن يجب أن يكون مفهوماً أيضاً أن الأشخاص الذين استهدفتهم شبكة الموساد الإسرائيلي هم من المقاومين "الأمنيين" لإسرائيل، أي أن من طاولتهم الجرائم الإسرائيلية معروفون جميعاً بأنهم عاملون أمنيون "خلفَ خطوط العدو"، وخطّطوا ونفّذوا عمليات في "الداخل". وبكلام آخر، إن جرائم الاغتيال التي نفّذتها الشبكة، تدخل في إطار حرب أمنية بين المقاومة والعدو ولم تتمّ "بدون سبب".
طبعاً، ليس في هذا الكلام أي انتقاص من الشهداء بل على العكس، لكن فيه تحديداً لـ"طبيعة" المسألة بما هي حرب أمنية مفتوحة، يشكل لبنان إحدى ساحاتها.
محاولة حلفاء دمشق ربط الجرائم كلها بإسرائيل
في ضوء هذه العناوين جميعاً، يبدو أنه من المهم جداً "التنبيه" الى عدد من الملاحظات والاستنتاجات.
لقد تزامن الإعلان عن اكتشاف الشبكة الموسادية التخريبية مع كلام سياسي لحلفاء دمشق، فيه أن اكتشاف هذه الشبكة يجب أن يدفع فريق 14 آذار الى التراجع عن اتهاماته للنظام السوري بارتكاب الجرائم "الأخرى" التي حصلت في لبنان العام الفائت ومن ضمنها جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وفي كلام حلفاء دمشق أيضاً، مسارعةٌ الى الحديث عن تشابه في "التقنيّات" بين جرائم الشبكة وجرائم أخرى، وسط تسريبات من هؤلاء عن أن الشهيدين جورج حاوي وسمير قصير تم اغتيالهما بالطريقة نفسها التي اغتيل بها ضحايا الشبكة الموسادية.
بطبيعة الحال، إن رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني، مناهضون لإسرائيل ومقاومون لها كل على طريقته. غير أن مسارعة حلفاء دمشق الى ربط كل العمليات الإجرامية بإسرائيل، مسألة مشبوهة. ففي المبدأ، ثمة عدوّ واحد لكل اللبنانيين هو إسرائيل، لكن هذا لا "يمنع" أن النظام السوري اختار عداوة مع بعض اللبنانيين "يصدف" أنهم ليسوا قليلي "الجذرية" في صراعهم ضد إسرائيل، وأنهم بسبب جذريّتهم هذه كانوا نقديين للدكتاتوريات العربية.
لقد كان ولا يزال الأجدى بحلفاء دمشق ألاّ يربطوا الجرائم كلها بـ"خيط" واحد، وأن يفصلوا بحكم طبائع الأمور بين جرائم إسرائيلية وأخرى يقف وراءها النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، لا أن يستغلوا اكتشاف شبكة الموساد لتبرئة النظام السوري مسبقاً من جرائم هي قيد التحقيق الدولي "المتقدّم". وبدلاً من ذلك كله، ليعلنوا تضامنهم مع "ضحايا" جرائم النظام الأمني كما يتضامن الجميع مع "ضحايا" الإرهاب الإسرائيلي.
الدولة ثم الدولة
وبعد،
ثمة عدد من بين الذين أفرحهم إنجاز المؤسسة العسكرية ومخابراتها، دهشوا بالفعل من كثرة "التبجيل" و"التمجيد" بالجيش من قبل سياسيين في خط التحالف مع دمشق، كانوا حتى الأمس القريب يبهّتون قدرة الجيش على أن يمسك بناصية الاستراتيجية الدفاعية في وجه إسرائيل. وعليه، فإن هذين "التبجيل" و"التمجيد" اما انهما مجرد تناقض مع مواقف اخرى، أو انهما يخفيان أمراً آخر سينكشف "سرّه" عاجلاً.
لكن بصرف النظر عن كل شيء، فإن الإنجاز المتحقق يدفع إلى تأكيد ضرورة تعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية تحقيقاً للأمن الوطني المتكامل، وإلى تأكيد أهمية دور الدولة بما في ذلك في الإطار الأمني السيادي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.