8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

وبفكرة الدولة المدنية ويعكس تقدّماً للكنيسة على السياسيين الترجمة الكنسيّة المُحدَثة لاتفاق الطائف من أجل لبنان حديث

في زحمة الأحداث التي يشهدها البلد، "مرّ" منذ بضعة أيام نصّ صادر عن المجمع البطريركي الماروني يعيّن الخيارات الراهنة ـ المستقبلية لمجموعة لبنانية هي الطائفة المارونية. ومن مطالعة هذا النصّ، يتبيّن "فوراً" أن أهميّته لا تكمن فقط في كونه صادراً عن الكنيسة المارونية، بل لتجنّبه على امتداد فقراته الحديث عن المسيحيين بوصفهم فئة "مستقلّة" أو "متميّزة" أو "منعزلة" عن سائر اللبنانيين.
الوعي العميق لفكرة العيش المشترك
عباراتٌ من نوع "مصير كل واحد مرتبط بمصير الآخر"، و"خلاص لبنان يكون لكلّ لبنان أو لا يكون"، و"ليس من حلّ لمجموعة دون أخرى ولا لمجموعة على حساب أخرى"، تشكّل عبارات مفتاحية في النصّ المذكور الذي يقرأ "المسألة المسيحية" في لبنان في مرآة "المسألة اللبنانية" العامة. ولعلّ هذا "المنطق" في النصّ هو الذي يجعله لا يخاطب المسيحيين بشكل خاصّ إلاّ مرتين تقريباً، مرة للتذكير بدور الكنيسة على المستوى الوطني في النضال من أجل السيادة والاستقلال والقرار الحرّ، ومرة ثانية ليوجّه إليهم ما يمكن تسميته إصطلاحاً "أمر اليوم": "الموارنة مدعوون الى تجديد صيغة العيش المشترك". وحتى في طرحه مهمة أمام المسيحيين الموارنة، يطرح النصّ مهمة لبنانية، أي أنها ليست مهمة مسيحية مطلوبة من المسيحيين.
النصّ إذاً مسكونٌ بوعي عميق لـ"فكرة" العيش المشترك، بإرادة حاسمة لتجديد هذه الصيغة، وبعزم على إبراز أن لا مكان في لبنان اليوم من وجهة نظر الكنيسة المارونية لـ"التنافر" أو "التقابل" الطائفيَين على الرغم من أن السمة الغالبة على الوضع اللبناني الراهن هي الاستنفارات الطائفية والمذهبية.
استقلال 2005 بين نداء الكنيسة
واستشهاد الحريري
يحسمُ نصّ المجمع البطريركي الماروني أمراً رئيسياً في غاية الأهمية، وهو أمرٌ لا يزال موضع تشكّك وتشكيك لدى البعض.
يقول النصّ "لعبت الكنيسة المارونية دوراً رئيسياً على مستوى الوطن كان من أبرز محطّاته النداء الشهير في 20 أيلول 2000 بعدَ تحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي في 25 أيار 2000".
وإذ يضع النصّ النداء ـ الحدث في موقعه التاريخي بقوله إن "هذا النداء وضع الأساس لإنهاء سلطة الوصاية السورية واستعادة السيادة والاستقلال والقرار الحرّ"، ينتقل فوراً ليُعلن أن "انتفاضة الاستقلال إثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري شكّلت محطة تاريخية فتحت الباب للخلاص الوطني بتوحّد غالبية الشعب على نحو غير مسبوق". أما الاستنتاج فبليغٌ تماماً: "إن استقلال لبنان في العام 2005 قام على موقف مشترك مسيحي ـ إسلامي".
وإذا كان من الطبيعي القول إن هذا النص ربطَ عدداً من السياقات التاريخية ببعضها ليصل الى النتيجة المشار إليها، فإنه يحيلُ جدلَ بعض السياسيين حول "الأحقيّة" في "ملكيّة" الاستقلال الى حيث يجب أن يُحال عملياً، والأهم أنه إذ ينطلق من التمسّك بفرادة الكيان اللبناني، يعيد الاعتبار لحقيقة كادَ سياسيون "ذاتيون" يضيّعونها. والحقيقة هذه، هي أن استقلال لبنان الثاني كما استقلاله الأول، وليدا اتفاق مسيحي ـ إسلامي.
"فلسفة" العيش المشترك: لا تراتبيّة ولا امتيازات
مِن هذا المدخل ـ المفتاح، العيش المشترك ووحدة المسيحيين والمسلمين، يحدّد النصّ موضع المناقشة العيش المشترك على أنه "نمط حياة يقوم على احترام الحياة في تنوّعها وغناها، من دون إخضاعها لتراتبية تفقدها غناها". وفي هذا التحديد، ثمة "تحريرٌ" للعيش المشترك من "النفاق" الذي طالما لازمَ الكلام فيه وعنه، والأهم أنه "يحرّره" ـ بهدف مستقبلي ـ من وطأة التجارب المريرة التي لازمته منذ نشأة الكيان.. فلا "تراتبية"، أي لا طائفة أولى وطائفة ثانية إلخ.. ولا صحّة لمقولات مرّت في تاريخ الكيان من أن لبنان لا يقوم إلاّ على "عصبيّة" طائفية معيّنة من دونها يفقد مبرّر وجوده. والأكثر أهمية في هذا المجال، هو أن الطائفة المارونية تعلن أمام اللبنانيين أنها "متساوية" مع الطوائف الأخرى، وأن لا امتياز ـ ولا امتيازات ـ لطائفة دون أخرى، وهذا أمر بالغ "المعنى" في ظروف لبنان الحالية حيث لا يخفى أن بعضاً من الأزمة اللبنانية يتعلق بصراع ما على امتيازات ما.
الدولة الحديثة = الدولة المدنية لا "دولة المحاصصة"
ويُتابع النص، منحكماً الى منطلقات العيش المشترك، ليحدد "التحديات أمام المسيحيين والمسلمين"، وليطرح دوراً محدداً للبنان خارجياً، عربياً ودولياً. وفي "التحديات" هذه، يلفت الى "استكمال بناء الدولة المدنية الحديثة" والى "إعادة بناء علاقات طبيعية مع سوريا"، والى "تطبيع العلاقات بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية" في انتظار قيام "الدولة الفلسطينية المستقلة العتيدة".
مسألة العلاقات مع سوريا ومع الفلسطينيين مهمة بالطبع. غير أن ما يميز النص الأخير للمجمع البطريركي الماروني أنه يعتبر هذه المسألة تأكيداً لانتماء لبنان العربي، الذي يدرجه ـ أي الانتماء العربي ـ من ضمن مكونات الدولة الحديثة.
ثمة في تعريف "المجمع" للدولة المدنية الحديثة، كلام في غاية الوضوح والدقة. ثمة تعريف حديث (من الحداثة)، يدعو الى "التمييز بوضوح، الى حد الفصل، بين الدين والدولة بدلاً من اختزال الدين في السياسة أو تأسيس السياسة على منطلقات دينية لها صفة المطلق". ويدعو الى تحقيق "الانسجام بين حق الأفراد (..) وحق الجماعات (..)"، وكذلك الى "الانسجام بين استقلال لبنان ونهائية كيانه وبين انتمائه العربي وانفتاحه على العالم".
التقاطع مع فكر الإمام شمس الدين
لا مبالغة في القول إن في ما يطرحه نص المجمع البطريركي الماروني في هذا المجال، أساساً لكل "إصلاح" في الدولة. إن هذا الطرح يشكل النفي المباشر لـ"دولة المحاصصة" التي لا يمكن أن تكون دولة حقيقية، لأنه بالضبط يدعو الى "تحرير" الدولة من الطائفية. ولعله يمكن القول إن في النص إعادة اعتبار لحقيقة أن الدولة في لبنان "مدنية" في الأصل أو في مفهومها الأصلي قبل أن تتحول على مر العقود الى ما يسمى "مزرعة طوائفية". وثمة من المفكرين من يقول إن العلمانية في الغرب آخذة في السنوات الماضية في التحول في هذا الاتجاه.. اتجاه الدولة المدنية، ما يعني أن ما يطرحه المجمع البطريركي في هذا المجال يجمع بين "الأصالة" منظوراً اليها من زاوية ما كان يجب أن تكون عليه الدولة في لبنان وبين "الحداثة" منظوراً اليها من زاوية التطور الطبيعي للمجتمع اللبناني والتطورات الكونية.. إضافة الى "تحرش" النص بما يسميه "مطلقات الدين". وفي الإطار نفسه، كم يبدو "ضرورياً" لتعليق "مسلم" على نص "ماروني"، أن يصار الى التذكير بالاستنباطات الفكرية للإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين في الدولة المدنية، بحيث "يقترن" النصان في ورشة عملية "استكمال بناء الدولة المدنية الحديثة" كما يقول النص الراهن.
دور لبنان الحضاري والانتماء العربي مكون من مكونات الدولة
وفي تسلسله، ينتقل نص الكنيسة المارونية الى رسم دور للبنان، ذلك الدور الذي قليلون هم الذين ينظرون إليه بـ"شمول" و"رؤية"، أي الدور المندرج في إطار "حوار الحضارات".
يقول النص إن "تجديد تجربة العيش المشترك لا يوفر ضماناً لمستقبل اللبنانيين فحسب بل يشكل ضرورة لمحيطهم العربي"، معرفاً العروبة على أنها "رابطة حضارية تقرب بين العرب لا مشروعاً سياسياً يباعد بينهم". وإذ لا داعي للتأكيد على أهمية هذا الكلام في الظروف التي يعيشها الجوار العربي حيث الصراعات الدامية بين المذاهب والأعراق والإثنيات، يعلن النص أن "لبنان يشكل من خلال عيشه المشترك المؤسس على الحرية والمساواة والقائم على التنوع في إطار وحدة تحترم الاختلاف على الصعيد العام، حاجة مستمرة لتفاعل خلاق بين المسيحية والإسلام". ويسارع الى القول إن المسيحيين والمسلمين "مدعوون بشكل خاص الى محاربة بعض النظريات في الغرب التي تنظر الى المسلمين وكأنهم يشكلون تهديداً، وتؤدي الى رسم حدود دامية بين الإسلام والمسيحية". وبكلام آخر، فإن ما "يعرضه" المجمع البطريركي الماروني هو قيام مسيحيي لبنان ومسلميه بدور مشترك هو دور لبنان الحضاري الأول في مواجهة "التطرف النظري" الغربي الذي ليس مجرد تطرف نظري بل هو تطرف سائد في أكثر من مركز قرار في العالم.
النص ينجح في الاختبار الأولي إسلامياً
في ما تقدم، ثمة تقدير كبير لما انتهى اليه المجمع البطريركي الأخير في نص يجد المسلم نفسه فيه كما المسيحي... أي لو أن المجمع أجرى اختباراً مسبقاً على النصّ في البيئة المسلمة المؤمنة بالعيش المشترك، لأتى هذا الاختبار بنتيجتين مؤكدتين: الأولى أن لهذا النصّ صدىً لدى المسلمين، والثانية أن العيش المشترك معرّفاً كما في النص أساساً ناظماً لحياة اللبنانيين، ليس "خداعاً" وليس تراكماً لتجارب مريرة وخيبات أمل طالما أن في البيئتين المسلمة والمسيحية من يستخلص من عبر التاريخ ومن يطوّر تفكيره بأفق المستقبل.
الكنيسة متقدّمة على السياسيين المسيحيين
النصّ الوارد في كتاب "ضخم" يجب قراءته إسلامياً ومسيحياً. فهو نصّ حديث ليس فقط بقياس فكري بل بقياس زمني باعتباره أحدث نصّ من نوعه زمنياً علّه يحفز المجموعات اللبنانية الأخرى على عمل مشابه. وهو بدقّة يمثّل الترجمة الكنسيّة لاتفاق الطائف، الترجمة التي إذ تقدّم فلسفة الكنيسة للعيش المشترك والدولة المدنية ودور لبنان، إنّما تعيدُ تقديم فلسفة اتفاق الطائف نفسه.
وأمام نصّ بمثل هذه الرؤية وتلك الروحية، يحضر سؤال "سياسي" كبير: متى يتوصّل السياسيون الموارنة، كلّهم أو بعضهم، الى الخلاصات التي انتهى إليها "المجمع"؟ متى يستخلصون العبر ويقرّون مع كنيستهم بأن لا ضمان للمسيحيين ـ كما للمسلمين ـ إلاّ في الإطار اللبناني العام وفي رحاب دولة حديثة؟ وإذا كانت الكنيسة أثبتت ـ أقلّه قبل الطائف وبعده ـ إنها متقدمة على السياسيين، فإلى متى تبقى متقدّمة عنهم ويبقون متخلّفين عنها؟
دور البطريرك.. والمطران بشارة
لقد استغرق إعداد "الكتاب" والنصّ من ضمنه، أي "المجمع" ككلّ ثلاث سنوات، ما يعني أنه بدأ قبل زوال الوصاية السورية وانتهى بعدَها، وكان بإشراف المطران يوسف بشارة الأمين العام للسينودس وبجهد منه، ما دفع البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير عند تسلّم النصّ الى توجيه شكر خاص إليه. لكن "العالِمين" يلفتون الى لمسات أساسية للبطريرك عليه، ما يؤكد أنه لولا "أنفاس" سيد بكركي لما كان النصّ "معطى" بين أيدي اللبنانيين، ومَن يُداني البطريرك معرفة بـ"الاستراتيجية" الوجودية للكيان في زمن البحث في الاستراتيجيات على أنواعها. "المجمع" والمساهمون في النصّ والمطران بشارة والبطريرك صفير يستحقّون الإشادة بـ"إنجاز" في مستوى الطائف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00