8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط لا يرى في ميثاق الشرف هدنة سياسية

من المؤكد أن التقرير الذي سلّمه رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان مساء السبت الماضي، يتضمّن معلومات أقل بكثير من تلك التي توصّل إليها فعلياً في التحقيقات التي قادها بشأن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وذلك بمقياس رئيسي هو مقياس حديثه في التقرير نفسه عن "تقدّم كبير" في التحقيق.
في اتجاه ميليس
ومع ذلك، ففي التقرير عناصر مهمة تذهبُ في الاتجاه الذي عبّر عنه تقريرا سلفه ديتليف ميليس. فهو إذ يحسم بنسبة عالية أن تفجير موكب الرئيس الشهيد تمّ من فوق الأرض لا يقفل نهائياً احتمال أن يكون قد حصل تفجير ثانٍ من تحت الأرض، وهو يجزم بأن فرضيّة أن يكون أحمد أبو عدس هو من نفّذ التفجير انتحارياً غير صحيحة. وإلى ذلك، يقيم براميرتس رابطاً بين الجريمة وبنك المدينة، والأهم أنه يقيم رابطاً وثيقاً بين جريمة اغتيال الحريري وسائر محاولات وجرائم الاغتيال الأخرى، وينتهي الى عدم إلغاء الاشتباه بالضبّاط الأربعة الموقوفين في إطار التحقيق المستمر، الممدّد الآن سنة إضافية.
التقرير لا يسلّح 14 آذار سياسياً
لكنه لا يسمح لدمشق بالهجوم
في التعليقات الأولية على هذا التقرير، قال كُثر إنه مهني قضائي محترف، وهذا صحيح تماماً. بيدَ أن ما يقتضي قوله إن تقرير براميرتس الذي لا يسلّح فريق 14 آذار في المباشر تسليحاً سياسياً بحيث يبني هذا الفريق على أساسه استنتاجات وعناوين وشعارات سياسية فورية، لا يتيح في المقابل للنظام السوري وحلفائه في لبنان أن يظهروا ارتياحاً حيال ما يتضمّنه. فدمشق الذي يذكرُ التقرير أن تعاونها كان "مرضياً" ويشير الى أنها استجابت لثلاثة مطالب من أصل ستة عشر مطلباً للجنة التحقيق الدولية، مدعوّة من قبل براميرتس الى تعاون كامل تحت عنوان أن تعاونها "أساسي" في استكمال التحقيقات. كذلك، فإن البتّ ببقاء الضبّاط الأربعة قيد التوقيف، يحبط محاولات الرئيس إميل لحود وحلفاء النظام الأمني اللبناني ـ السوري "السابق" الإفراج عنهم. كما أن التقرير يضع ملفّ بنك المدينة في مرتبة متقدّمة من التحقيق، بكل ما يعنيه ذلك من دور أكثر من محتمل لهذا المصرف في تمويل الجريمة.
بين ألاّ يكون التقرير سلّح 14 آذار سياسياً، وبين ألاّ يكون أتاح لفريق دمشق والموالين لها قدرة الاستقواء، يبدو واضحاً أن القاضي البلجيكي اختار نوعاً من "التهدئة"، أي تأجيل "المواجهة" الى حين تشكيل المحكمة الدولية وتكوين الادعاء العام الدولي. فمن المعروف، أن التوقيع على "بروتوكول" المحكمة الدولية بين لبنان والأمم المتحدة يُفترض أن يتمّ في تموز المقبل، ومن المعروف أن هذا "البروتوكول" الذي يتوّج بحثاً لبنانياً ـ دولياً مستفيضاً، يأتي في ظل موافقة دولية شاملة على قيام هذه المحكمة، و"قد" يجد مجلس الأمن أن من الضروري اتخاذ قرار آخر في هذا الخصوص.
تأخير الاستنتاجات الحاسمة الى المحكمة الدولية
وبهذا المعنى، يبدو أن براميرتس ارتأى انطلاقاً من أسلوبه الخاص في التعاطي مع الملفّ الذي بين يديه، تأجيل تقديم الوقائع والأدلة النهائية والاتهامات، الى حين تشكّل المحكمة الدولية الذي لن يتأخّر، فيحول بذلك دون "تفجير" أي معطيات حيال هذه المحكمة في وقت مبكّر من جهة ويحول دون انقلاب النظام السوري على "التعاون" في حدوده الدنيا، خصوصاً أن ثمة أموراً لا يزال براميرتس في حاجة الى توثيقها مع دمشق من جهة ثانية، فيذهب والحالة هذه بقرار اتهامي الى المحكمة مباشرة من جهة ثالثة.
في ضوء هذه المقدمات، وحيث يبدو أن ثمة شهراً أو شهرين الى أن تنجلي الصورة "الختامية" للتحقيق الدولي لجهة الاتهام، وبالاستناد الى تجارب سابقة مع تقارير التحقيق الدولي، كان ولا يزال ثمة توقّع بهجوم سوري مضاد على الوضع اللبناني، بالصلة مع هذا التحقيق.. ولكم كان وزير الإعلام السوري "مكشوفاً" خلال مقابلة تلفزيونية أول من أمس حين طالب رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري بالاعتذار من دمشق عن مواقفه(!). وفي الأساس، ثمة منذ أسابيع عدة هجوم سوري على الوضع اللبناني من مداخل عدة، بالصلة مع التحقيق. فالامتناع عن التجاوب مع مقررات الحوار الوطني بشأن العلاقات اللبنانية ـ السورية، مدخل أول للهجوم، والسلاح المسمّى "فلسطينياً" خارج المخيمات مدخلٌ ثانٍ، ورعاية فوضى السلاح مدخلٌ ثالث... والمحاولات البائسة لتشكيل جبهة موالية مدخلٌ رابع.
جنبلاط
وميثاق الشرف "الداخلي"
في هذا الإطار، ينبغي أن تتمّ قراءة الخطاب الأخير لرئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط في بيت الدين الذي سبق صدور تقرير براميرتس لكنه أتى بعدَ يومَين من إعلان الاتفاق بين المتحاورين على ما سمّي ميثاق شرف.
من الطبيعي من وجهة نظر جنبلاط وعديدين أن لميثاق الشرف وظيفة داخلية تختصّ بشركاء "الطاولة" أساساً أي أنه لا يشمل فرقاء "خارجيين"، علماً أن النظام السوري لا يزال يتصرّف بوصفه طرفاً داخلياً في لبنان. ومِن الطبيعي أيضاً من وجهة نظر جنبلاط وعديدين أن ميثاق الشرف الذي أريدَ له أن "يهذّب" الصراع السياسي، يفترض ألاّ يكبّل هذا الصراع، وألاّ يعطّل التعبير عن الخلافات العميقة بين أطراف الحوار.
"سلاح الكلمة"
وعندما يقول جنبلاط أن لا ميثاقَ شرف مع النظام السوري والمؤتمرين به، فإنه لا يعبّر فقط عن قناعته بأن النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك يقف وراء جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الاغتيالات ومحاولات الاغتيال الأخرى، إنما يعكس أيضاً إرادة سياسية بعدم منح النظام السوري و"أدواته" أي فرصة للانقضاض والهجوم بحجة أن تقرير براميرتس الأخير لا يقول شيئاً في المسؤوليات عن الجرائم المشار إليها مثلاً. وأكثر من ذلك، "لعلّ" جنبلاط يحاول من خلال تأكيده أن لا ميثاق شرف مع النظام السوري، أن يردع أي احتمال لعمليات أمنية سورية تستهدف في ظل ميثاق الشرف، شخصيات من 14 آذار.. وهو الذي ما فتئ يكرّر أن هذا الفريق لا يملك في وجه آلة القتل سوى "سلاح الكلمة".
"حزب الله" مثلاً تابع إطلاق قناعاته
وعندما يؤكد جنبلاط أن ميثاق الشرف لا يعني "محو" الذات، فإنه لا يعكس فقط نيّة متابعة الصراع السياسي واعتباره أن مؤتمر الحوار هو أحد ميادين هذا الصراع "الديموقراطي"، إنما يلاحظ أيضاً أن ثمة فريقاً سياسياً رئيسياً على طاولة الحوار لم يوقف صراعه مع سياسات فرقاء آخرين، وهو "حزب الله" ولا يمكن لومُه على ممارسته حقاً طبيعياً بالفعل.
وفي الأمثلة على ذلك، أن "حزب الله" اتخذ بعد 8 حزيران ـ تاريخ الميثاق ـ مجموعة من المواقف. فقد أعلن الحزب، في وقت لا يزال الحوار دائراً بشأن ما سمّي "الاستراتيجية الدفاعية"، أن ما طرح من أفكار ـ مِن جانب فرقاء 14 آذار ـ في هذا الخصوص لا يرقى الى مستوى استراتيجية دفاعية، مكرراً القول إن المقاومة هي وسيلة الدفاع عن لبنان. وفي موقف آخر، متناقض مع ما أقرّه مؤتمر الحوار، دعا الحزب الى حفظ السلاح "الفلسطيني" من أجل حقّ العودة. وفي موقف ثالث ذات دلالة، وإذ أشاد بإعلان الجيش عن توقيف مشتبه في جريمة اغتيال المناضلَين مجذوب في صيدا، سارع "حزب الله" الى استنتاج أن الكشف عن رأس شبكة إسرائيلية من شأنه أن يقود الى الكشف عن دور هذه الشبكة وسواها في الاغتيالات الأخرى، مستبقاً التحقيق في جرائم الاغتيال الأخرى من ناحية ومحاولاً وضع هذه الجرائم في الخانة الإسرائيلية سلفاً من ناحية أخرى. هذا، عدا عن مواصلة الحزب انتقاده للأكثرية التي يصفها بأها ظرفية، وعدا عن مشاركته في مهرجانات محلية للموالين لدمشق.
النصّ "الحرفي" للميثاق
إذاً، في خطابه الأخير في بيت الدين، لم يخرج جنبلاط عن النصّ الحرفيّ للميثاق الذي يقضي بعدم "شخصنة" المواقف السياسية وبعدم استخدام مفردات "شتائمية". وإذا كان لآخرين أن يعتبروا أنهم إنما يمارسون حقّهم في التعبير عن مواقفهم واختلافاتهم مع الآخرين، فإن من حقّ وليد جنبلاط أن يمارس قناعاته بالقدر نفسه، وهو حرص على مخاطبة "المقاومة" كمقاومة معرباً عن اعتقاده أن التنوّع والتعدّد يحميانها ما يعني أنه لم يكن يقصد طرفاً بعينه على طاولة الحوار.
صحيحٌ أن "الأصل" في التوصل الى ميثاق الشرف كان ما اتّفق المتحاورون على تشخيصه بأنه احتقان على مستوى الشارع. بيدَ أن هذا الاحتقان نتجَ أساساً عن ممارسات وعن بعض "اللفظيّات"، ولم يكن نتاجاً لتعبير مختلف عن قضايا خلافيّة.
بين التهدئة والهدنة اختلاف
وإلى ذلك، يضاف أمران رئيسيّان من وجهة نظر رئيس "التقدّمي".
الأول، هو أن التهدئة لتخفيف الاحتقان شيء، والتهدنة السياسية شيء آخر. وفي هذا المجال، يعتبر جنبلاط ومعه كثيرون في 14 آذار أن البلد في صراعاً سياسياً لا هدنة فيه، وهو أكد مراراً أن لا تسوية مع النظام السوري.. إلاّ على قاعدة استجابة دمشق للمطالب اللبنانية المدعّمة بقرارات دولية لا سيما القرار 1680. وأكثر من ذلك، سبق لجنبلاط أن حذّر من محاولة هذا النظام تقويض فرصة الذهاب الى المحكمة الدولية، ولذلك كان تشديده في بيت الدين على أن هدف 14 آذار يجب أن يكون قيام المحكمة الدولية لسوق المتّهمين بجريمة العصر إليها.
الحماية من النظام السوري
أما الأمر الثاني، فهو أن جنبلاط لم يخفِ مرّة اقتناعه بأن حمايته من النظام السوري تتحقّق في مواجهته معه، أو في "عدائه" له، لأنه بذلك يحدّد سلفاً المسؤولية عن تعرّضه لأي عمل أمني سوري، خصوصاً أنه يملك الكثير من المعطيات والوقائع عن محاولات سورية متكرّرة لإلغائه. وقناعته راسخة في هذا المجال: إن الهدنة مع نظام دمشق هي لمصلحة هذا النظام، ولـ"مصلحة" قيامه بعمليات أمنية. ولا يستطيع وليد جنبلاط في أي لحظة من اللحظات أن ينسى أن والده الزعيم الراحل كمال جنبلاط تم اغتياله في لحظة تهدئة بينه وبين النظام السوري آنذاك في العام 1977.
هذان الأمران السالفان أساسيان في تعاطي جنبلاط مع الأوضاع الراهنة، فكيف إذا كان يخاطب شباب الحزب ومناصريه المستنفرين دفاعاً عن قائدهم والمدعوّين الى مزيد من الاستنفار في المرحلة المقبلة دفاعاً عن عناوين حركة 14 آذار؟ فهل يحقّ لفريق من الفرقاء أن يراعي جمهوره ولا يحقّ لجنبلاط ذلك؟
مرة أخرى، ثمة أسلوب مختلف لدى كل زعيم سياسي في مقاربة الصراع السياسي وموضوعاته. لكن جنبلاط لم يخرق الميثاق بل نأى به عن النظام السوري.
فعلى سبيل المثال، شنّ أحد مسؤولي "القيادة العامة" في لبنان غداة ميثاق الشرف هجوماً على رئيس "اللقاء الديموقراطي" وعلى رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وانتهى الى طلب شموله بميثاق الشرف وشمول سلاح جبهته في الاستراتيجية الدفاعية. هل يمكن القبول بذلك والتغاضي عما تمثّله هذه المجموعة كأداة تخريب على الوضع اللبناني باسم أن هناك ميثاق شرف؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00