8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأسئلة الصعبة أمام "حزب الله".. وأجوبتها الأصعب أيضاً

إذ يلتئم مؤتمر الحوار الوطنيّ الوطنيّ اليوم، ثمّة حاجة إلى مخاطبة "حزب الله" بمجموعة من الملاحظات الصريحة انطلاقاً ممّا جرى في الأيّام الماضية من احداث، صحيح انّ كلاماً كثيرا قيل فيها وعنها، لكن الصحيح أيضاً انّ هناك ما لا يزال ممكناً قوله ممّا هو مفيد.
بالنسبة الى أحداث الجنوب اولا، ان ما جرى بعد جريمة اغتيال المناضلَين في "الجهاد الاسلاميّ"، أتى يشكّل خرقاً كبيراً للمعادلة القائمة، والتي أكد الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله غير مرة انه ينطلق منها في مشروعه للاستراتيجيّة الدفاعيّة، والتي إذا أريد تلخيصها فهي الاستراتيجيّة القائمة على ثنائية المقاومة والجيش.
طبعاً، لا جدال في أنّ المواجهات التي دارت مباشرة بين "حزب الله" ومقاومته من جهة واسرائيل من جهة ثانية، انّما تجاوزت المدى والرقعة اللذين حدّدهما الحزب في وقت سابق اي المقاومة "المسلحة" ضمن مزارع شبعا وبوتيرة محدّدة "كل بضعة اشهر"، وبوظيفة "تذكيريّة"، فاذا بمواجهات الاحد قبل الماضي تتجاوز المزارع و"الخط الأزرق" والحدود معاً.
مناخ العودة الى ما قبل 1982
والحساسيّة الجنوبيّة ـ الشيعيّة
بيد أن ذلك، على أهمية تسجيله، ليس الجانب "الأكثر اثارة" في ما حصل ذلك الاحد. فالأكثر اثارة بحقّ، هو انّ الصواريخ التي اطلقت تحت عنوان الردّ على جريمة الاغتيال في صيدا، ليست مجهولة فعلاً، بالنسبة الى "حزب الله" في اقل تقدير. وسواء كانت هذه الصواريخ فلسطينيّة الهويّة بالفعل أو كان الحزب هو من اطلقها لـ"سبب" فلسطيني، فمعنى ذلك انّ الحزب ليس فقط يسمح بدور فلسطينيّ مسلح في الجنوب أو انّه هو نفسه يقوم بـ"مهمة" فلسطينيّة، بل انّ الأخطر هو انّ "حزب الله" يخلّ بتعهد كان قطعه منذ بدايات انطلاق مقاومته وجدده في مناسبات قريبة، من انّ الجنوب "لن يعود" إلى مرحلة ما قبل العام 1982 وفوضى العلاقة بين القوات الفلسطينيّة و"القوات المشتركة" آنذاك.
ويقتضي تذكير الحزب في هذا المجال بأنّ هذا التعهد لم يكن فقط من اجل ان تكون الأوضاع مضبوطة جنوباً، ولا فقط من أجل تأكيد وحدانيّة "المقاومة الاسلاميّة" على ساحة القتال ضد الاحتلال الاسرائيلي، بل أساساً حرصاً على الحساسيّة الجنوبيّة ـ الشيعيّة خصوصاً حيال الوضع الذي كان قائماً قبل الاجتياح الاسرائيلي في مثل هذه الأيّام قبل اربع وعشرين عاماً.
وعلى الأرجح انّ الحزب يعرف جيداً هذه الحساسيّة، وعلى الأرجح أيضاً انّه بلغه الكثير عن تململات شيعيّة ممّا حصل ذلك الأحد. وفي مطلق الأحوال، ولأنّه يدرك هذه الحساسيّة، ذُكر انّه رفض قيام قاعدة أو أكثر لفصيل موال لسوريّا في منطقة عمليّاته قبل ان تقام هذه القاعدة التي ربّما تكون سحبت بعد أحداث ذلك اليوم.
اذاً، في ما هو مفيد ذكره على هذا الصعيد، التذكير المطلوب لحزب الله بما سلف تشديداً على ان لا علاقة بما جرى باستراتيجيّة دفاعيّة تحت عنوان حماية لبنان، فضلاً عن كون ما جرى يثير مخاوف الجنوبيين قبل غيرهم، وواجب "حزب الله" ان يستمع الى هذه الملاحظات وأن يشرح ما عنده.
وفي الموضوع نفسه، أي الجنوب والسلاح والاستراتيجيّة الدفاعيّة، المطروحة لمرحلة ما بعد تحرير المزارع مع تشديد كبير على كلمة "ما بعد" تجدرُ الإشارة الى ملاحظات أخرى.
المقاومة الفرنسية لم تكن "مقاومة حدوديّة"
يطيبُ لبعض مسؤولي "حزب الله" في الآونة الأخيرة ان يستحضر مثال المقاومة الفرنسيّة في سياق يناسب هؤلاء المسؤولين. فالمقاومة الفرنسيّة "انتهت" عندما هزم "الحلفاء" المانيا النازيّة وعندما طُرد الاحتلال النازي. ولم تستمر المقاومة لاستعادة أراض فرنسيّة عبر الحدود، أي انّ طبيعتها الأصلية انها ليست مقاومة "حدوديّة" بل كانت مقاومة مجتمعيّة "داخليّة". وبانتهاء الاحتلال وعودة "الدولة" استلم بعض المقاومة السلطة (الجنرال ديغول) واندمج بعضها الآخر في "أحزاب المقاومة" وفي الحياة السياسية وفي الحياة المدنية.
الاستراتيجيّة الدفاعيّة = مشروع الدولة
والمرور السريع على هذه الفكرة، يهدف الى قول مجموعة ملاحظات دفعة واحدة. الأولى هي انّ الخلاف بين 14 آذار و"حزب الله" ليس على مبدأ وجود استراتيجيّة دفاعيّة بل الخلاف هو حول من يتولى تنفيذها. والثانية هي ان لا مكان لاستراتيجيّة دفاعيّة خارج الدولة. والثالثة هي ان "حزب الله" لا يستطيع ولا يحقّ له ان يطرح استراتيجيّة دفاعيّة وفي نفس الوقت يقوم بالحطّ من امكانات الدولة وقدراتها كما يفعل في هذه الايام أو ان يستقيل من دوره في المساهمة بتقوية الدولة.. أو أن "يتذرع" بأنّ الدولة غير قويّة ليحتفظ بسلاحه "الى أن تقوم الدولة القويّة". والملاحظة الرابعة هي انّ الخلاف بين 14 اذار و"حزب الله" يتعلق بـ "هوية" الاستراتيجية الدفاعيّة، فعندما يتمّ انجاز التحرير، ليس من ضامنٍ لخطة دفاعيّة لبنانيّة الا الدولة نفسها وليس فريق من اللبنانيين. ثم ان الأهمّ، هو انّ الاستراتيجية الدفاعية هي اسم لمسمى "دفاعي"، أي ان ليس للاستراتيجية وظيفة "تنظيم المقاومة" بعد التحرير، بل المطلوب منها ان تؤدي الى الدفاع عن لبنان ضدّ أيّ عدوان اسرائيلي. ولذلك فان مصطلحات من نوع "توازن الردع" أو "توازن الرعب" أو "التوازن الاستراتيجي" تنتمي الى خطط "حربية" وليس الى الخطط الدفاعيّة لأن المطلوب من الخطط الدفاعيّة ان تمتلك مقومات الرد على العدو وليس تحقيق "توازنات" من أي نوع كان.
المقاومة "الاسلامية" قبل الـ2000 وبعده
ويقتضي لفت نظر "حزب الله" أيضا الى انّ النقاش لم يبدأ قبل العام 2000، مع ان علاقة المقاومة بسوريا وايران كانت معروفة، ومع ان المقاومة كانت معلنةً بصفتها اسلامية. وحقيقة الامر هنا، ان السجال حول المقاومة لم يحصل قبل العام 2000، لان المقاومة كانت تؤدي دوراً وطنياً معترفا له وبه من الجميع بتحرير الارض، ولأن تسمية "الاسلامية" لم تكن لتشكل "حاجزاً امام الطابع الوطنيّ لـ"المهمة" التحريريّة. ويجب ان يقدّر "حزب الله" انّ السجال الدائر منذ ما بعد الـ 2000 والذي ازداد حماوة في الاشهر الماضية، يعود الى عدة اسباب من بينها انّ البحث طبيعي جدا في استمرار وجود مقاومة بعد انجاز التحرير، وطبيعي جدا لان السلاح بعد انجاز التحرير يغدو سلاحاً فئوياً، ولأنّ تسمية "إسلاميّة" تغدو بعد التحرير أكثر تعبيراً عن واقع فئوي ـ مذهبيّ ويغدو سلاحها "امتيازاً" دون الطوائف الأخرى.
خلاصة القول في هذا المجال، ان ثمة ما يجب ان يلفت انتباه "حزب الله" الى حقيقة انّ الحوار أو السجال الدائرين ينطلقان من معطيات أي أنهما ليسا مفتعلَين، وليس صحيحاً ان "حزب الله" يستطيع ان "يحل" المسألة بمهاجمة الآخرين واتهامهم بأجندات شتى، وعليه تحمل مسؤولية النقاش "الفعلي" في قضايا "فعلية".
الضاحية أيضاً لا ترتاح الى "صورتها"
أمّا بالنسبة الى ما جرى في بيروت بصرف النظر عمّا اذا كان عفوياً أو مرتباً، فانه يستدعي ايضا ملاحظات صريحة.
الأولى، هي انّه اذا كان صحيحاً ان الانتقادات التي وجهت ضد اعمال الشغب تحدثت عن هذه الاعمال في بيروت وأحيائها "الغربية" و"الشرقية"، فليس معنى ذلك انّ ما جرى في الضاحية الجنوبيّة مشروع أو غير مهم. وهنا ايضا يجب الالتفات الى ان الشيعة سواء في الضاحية أو في بيروت لم يكونوا راضين عمّا حصل، وكثر هم الشيعة في المنطقتين الذين لم يريدوا للتضامن مع "حزب الله" وأمينه العام ان يكون على تلك "الصورة" غير الحضاريّة، لأنّ الشيعة ليسوا غوغاء.
والثانية، ان ما جرى في بيروت، كان "الحادثة" الثانية بعد صواريخ الجنوب، التي تحصل ويقول "حزب الله" انّه لا يعرف عنها، أو أنّها بغير موافقته، بالرغم من انه تضامن في وقت لاحق مع "المحتجين".
لا قداسة في السياسة: "حزب الله"
في النظام والسلطة منذ 1992
والثالثة، هي انّه اذا كان صحيحاً ما قاله "حزب الله" عن اساءة وجهت إلى السيّد حسن نصر الله، وهذا صحيح، فانّ الاستنكار كان يجب في السياسة ان يحاذر أمرين رئيسيين. الأول أن ليس ثمّة قداسة في السياسة، حتى المقاومة ليست مقدسة وقائدها غير مقدس. والسبب هنا واضح: تبقى المقاومة "مقدسة" بمعنى ما طالما انها لم تسيس داخلياً او انها لا تريد شيئاً لنفسها، والحال انّ "حزب الله"، "حزب المقاومة" اتخذ قرارا استراتيجياً بالتحول منذ العام 1992 عندما قرر الانخراط في المجلس النيابيّ، واستكمل قراره هذا بالدخول الى الحكومة، أي الى "السلطة" أيضاً، في العام الماضي. وعندما يدخل الحزب ليس فقط الى الحياة السياسيّة الداخليّة بل الى السلطة أيضاً، فإنه يغدو طرفاً متساوياً مع الاخرين. أما الامر الثاني فهو أن ليس طبيعياً في معرض التحذير من تكرار الاساءة أن يضرب "حزب الله" خطاً أحمر حول فئة معينة، اي حول مذهب من المذاهب لوحده. وهنا، من المؤسف الاعتراف أمام الحزب بأن ما جرى أساء اليه: ففي 8 اذار 2005 قدم "حزب الله" نفسه بأدائه على انّه وريث الموقع السوريّ في لبنان، لكنه عاد واستدرك قبل الانتخابات النيابية فأبدى انفتاحاً على قوى 14آذار، ساعده عليه رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط... الى ان كانت جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني وما استتبعته من مواقف متصلة بالمحكمة الدولية وتوسيع التحقيق الدولي فبدا متصرفا كجهة شيعية بالرغم من رفضه آنذاك التعامل معه كطائفة بل كحزب سياسي.. ثم سعى الى الانفتاح لكن هذه المرة رداً على 14 آذار وذلك باتجاه العماد ميشال عون... الى أن كانت أحداث الاسبوع الماضي حيث بدا انه حاضن لـ"انتفاضة في الضاحية وجوارها". ثمّة انتكاس في الاداء، ليس صديقاً لحزب الله ولا محباً له من لا يصارحه به. وعلى كل حال ليسأل الحزب الناس بعيداً من كاميرات "المنار" وليسمع آراءهم.
البلد أعطى.. وينتظر الحزب
وهنا، مثال المقاومة الفرنسية يُستحضر أيضاً. قال عدد من مسؤولي الحزب الاسبوع الماضي انّ المقاومة الفرنسيّة كُرّمت وهذا صحيح، لكن هؤلاء المسؤولين تجاهلوا انّ البلد كله كرم مقاومته إذ رفعها الى مرتبة ميثاقية وتضامن معها ضد استهدافها داخلياً وخارجياً ولا يزال.. في حين كان "حزب الله" يختار بين فترة وأخرى الانحياز الى دمشق لا بل يشكل محور استقطاب للموالين لها.
إذاً، لا يستطيع "حزب الله" عزل مجموعة من التطورات عن أدائه ونتائجه.. ولا يمكن ان يكون عصبياً حيال الآخرين وأن لا يرى الأسباب، بعضها على الاقل، في خطابه وأدائه السياسيين.
ثمّة "ضغوط" اقليمية (سوريّة) على "حزب الله" تستدرجه الى مواقف "لا يحبها". هذا ما يقوله بعضهم في 14 آذار، وقد يكون ذلك صحيحاً على الارجح. لكن "حزب الله" معنّي بألاّ يدفع من رصيده ومن حساب البلد في النهاية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00