في مهرجان الهتاف للرئيس السوري بشار الأسد في طرابلس مساء الجمعة، كان ثمة "كلمة سر" معمّمة على خطباء المناسبة تقضي بالتركيز على رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع وبمخاطبته تحت مسمى "القاتل" أو "الجاني".
قد يكون مفهوماً في مناسبة أقيمت في الأصل في ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي قبل أن تتحوّل الى مناسبة سورية بحتة، أن يمرّ خطيبٌ أو إثنان على ظروف الجريمة التي أودت بحياة رئيس وزراء لبنان الراحل فيربط بينها وبين جعجع على قاعدة أحكام قضائية صدرت قبل أعوام. غير أن هذا التركيز على الموضوع بدا مثيراً للشكوك في استهدافاته السياسية، فضلاً عن أن الاحتفال في معرض التركيز على هذا العنوان، أعاد استحضار أجواء الحرب اللبنانية من ناحية وبدا وكأن المهرجان مقامٌ في ذكرى أسبوع الشهيد وليس في ذكرى مرور تسعة عشر عاماً على الجريمة من ناحية ثانية.
العفو عن جعجع دستوري وغير قابل للطعن
ثمة في البداية جانبٌ سياسي ـ لا أخلاقي في ما تمّ الاستماع إليه من كلمات "مدشّمة". فسمير جعجع وبغض النظر عن ظروف القضاء في مرحلة التسعينات، وبصرف النظر عن حقيقة أن سجنه كان قراراً سياسياً ـ سورياً بامتياز ـ حوكم ونفّذ العقوبة. وفي القانون أن الأحكام التي لا تقبل أي طريق للمراجعة كونها صادرة عن المجلس العدلي، أمامها سبيلان، فإمّا عفو رئاسي "خاص" وإمّا قانون للعفو يصدر عن مجلس النواب. وإذا كان الرئيس سليم الحص باعتباره شديد الحماس لذكريات الماضي، لا يريد أن يعترف بحقّ المجلس النيابي في إصدار قانون للعفو فهذا شأنه، لكنه لا يغيّر في واقع هذا الحق الدستوري قيد أنملة، وليس في الأمر أي اعتداء لا على القضاء ولا على مبدأ فصل السلطات الذي تشكّل تجربة الحصّ في الحكم خيرَ نموذج لاحترامه!
نعم، مارست الأكثرية النيابية ـ السياسية ـ حقّها الدستوري في إصدار عفو عن جعجع، في ظرف سياسي مؤاتٍ، ولسببين سياسيين رئيسيين: الأول هو أن سوق جعجع الى السجن في العام 1994 كان سياسياً وقد "ركّبت" له تهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة آنذاك لاستدراجه الى السجن للنفاد منها الى إعادة فتح ملفّات الحرب، والثاني هو أن خروج جعجع من السجن كان شرطاً لازماً لاستكمال المصالحة الوطنية.. تماماً كما كانت عودة العماد ميشال عون من المنفى شرطاً لازماً آخر. وأكثر من ذلك ينبغي تذكير خطباء "ذلك الجمعة" بأن الأكثرية، وكانت لا تزال في المعارضة سعت لدى الرئيس عمر كرامي لإقناعه بأن يأتي العفو بموافقته.. لكنه امتنع لأسباب صارت معروفة وتحدث عنها جعجع، وتتعلق بفشل المفاوضات مع "القوات" حول الانتخابات النيابية العام الماضي.
إذاً، يتجلّى البعد اللاأخلاقي ـ السياسي في العودة الى الموضوع، في أن الرجل ـ أي جعجع ـ حرّ بقانون دستوري لا غبار على دستوريّته من جوانبه كافة، وفي أن العودة الى الموضوع تتم بـ"أمر عمليات" بدليل أن النائب السابق سليمان فرنجية كان أعلن استعداده للمصالحة مع جعجع فإذا به يوم الجمعة الفائت يعود الى الحديث عنه كقاتل، وفي أن هذه العودة اقتضت تجييشاً وتهييجاً يذكّران بالحرب واستُخدم لهذه الغاية كلامٌ عن "أهل السنّة" على لسان كرامي.. والأهم أن أياً من الخطباء، على الأقل كي يعطي مصداقيّة لموقفه، لم يتجرّأ على المطالبة بفتح ملفّات الاغتيالات الأخرى من كمال جنبلاط الى رينيه معوّض والمفتي حسن خالد وغيرهم.
استهداف الخطاب السياسي القواتي الجديد
لكن ليس هذا البعد اللاأخلاقي ـ السياسي هو الموضوع، على أهميّته. فالأكثر أهمية هو البعد السياسي المباشر.
وفي هذا المجال، يمكن التوقّف عند جانب سياسي يتعلق بـ"القوات اللبنانية" وبـ "مسيحيي 14 آذار" وعند جانب آخر له علاقة باستحقاقات قريبة.
لا شك في أن لمهاجمة سمير جعجع علاقةً بالخط السياسي الذي يلتزمه. فهو بناء على تقويمه للحرب اللبنانية واستخلاصاته منها من جهة وفي ضوء قراءته لمرحلة الوصاية السورية من جهة ثانية، خرجَ من السجن بقناعة بالعيش المشترك، وبـ"إيمان" عميق بالدولة فكرةً ومشروعاً، وبالتزام صلب بالسيادة والحرية والاستقلال، وبأن لا حياة للمسيحيين بالانعزال ولا ضمانة لهم غير الدولة التي يطيب له أن يسمّيها "فعلية".
هذا الخط السياسي في البيئة المسيحية هو المستهدف. والمراجعة التي قادت الى هذه الاستخلاصات هي التي يجري التصويب عليها. والعلاقات والتحالفات التي نجح في نسجِها على هذه الخلفية هي التي تتم "مطاردتها".
.. ومحاولة فاشلة لتعويم عون
بيدَ أن ثمة سبباً إضافياً أيضاً. فـ"الحليف المسيحي" لخطباء مهرجان الولاء للأسد، أي العماد عون يمرّ في أسوأ مرحلة في علاقته بالمسيحيين، فضلاً عن أزمة علاقته بالقوى الأكثر تمثيلاً في بيئاتها. وافترض الناطقون بلسان السياسة السورية أن الهجوم على جعجع بالتركيز على استعادة "صورة الميليشيا" زمن الحرب من شأنه أن يضرب جهوده الرامية الى إعادة بناء تيّاره في البيئة المسيحية وأن ينفّر المسلمين مجدداً، فيتمكن عون من التقاط الأنفاس. لكن فات هؤلاء أن المسلمين والمسيحيين قرّروا منذ فترة طويلة عدم العودة الى أي خطوط تماس، سياسية كانت أم أمنية، وأن اللبنانيين سئموا محاولات إعادتهم الى الوراء.. وفاتَهم أن ما يهدفون إليه تفكيكاً لحركة 14 آذار من مدخل استهداف "مسيحيي 14 آذار" لا يملك أي قابلية للتحقّق في وقت يدلّ مهرجان طرابلس نفسه على أن الولاء للنظام السوري لا يستقطب شعباً وأن الانقلاب على 14 آذار ـ كما في حال الجنرال ـ يُطعم خيبات أمل كثيرة.
إستحقاق تقرير براميرتس
ومع ذلك، فإن كل ما تقدّم ذكره ليس سوى الظاهر من وراء الهجوم على جعجع.
ثمة جانبٌ خبيث جداً يجدر التنبه إليه. فبعد أيام قليلة يصدر رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس تقريره الثاني حول ما توصّل إليه التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
قد يقول براميرتس أشياء ويخفي أشياء. قد يسمّي أشخاصاً وقد لا يسمّي. لكنه حتماً يُفترض أن يبلغ المجتمع الدولي وعبره الرأي العام اللبناني بما أنجزه من تقدّم في التحقيقات. ومن المفترض كما صار معلناً أن يتمّ الذهاب في وقت قريب الى ادعاء عام دولي وإلى محكمة دولية.
التوتّر في دمشق عال جداً. وكذلك التوتّر في صفوف حلفائها "الموعودين" بأن التحقيق الدولي لا طائل منه، وبأن هذا "المتراس" الذي تقف خلفه قوى 14 آذار سينهار.. وتعود الأمور الى ما كانت عليه قبل 14 آذار 2005. والتوتّر لدى حلفاء النظام السوري ملحوظ جداً في الآونة الأخيرة لكأن هؤلاء أو بعضهم يتصرّفون.. على الأقل كمتضرّرين من التحقيق.
والتوتّر في دمشق وفي صفوف حلفائها ناجمٌ عن أن ثمة احتمالاً ما لأن يجري طلب مسؤول سوري أو أكثر ومسؤولين لبنانيين سابقين الى التحقيق أو الى المحاكمة في وقت لاحق.
ومع أن كل "التكتيكات" لن تنفع في هذه الحالة، أي حالة الاستدعاء، فإن الهجوم الموالي لسوريا على سمير جعجع يبدو كأنه خطوة استباقية، أي نوعاً من "التحريض الوقائي".
الغاية من تسمية جعجع قاتلاً
يحاول هؤلاء ـ جماعة مهرجان الهتاف للأسد ـ أن يقولوا إن سمير جعجع قاتل ومحكوم بأنه قاتل، وإنه قتل رئيساً للوزراء قيد الممارسة أي ليس رئيساً سابقاً للحكومة. ويحاولون أن يقولوا لـ14 آذار وللبنانيين وللرأي العام الخارجي أن هذا "القاتل" جرى العفو عنه. ولسان حالهم يسأل: إذا كان هذا هو حال قاتل رئيس وزراء ممارس، فلماذا لا يكون حال قاتل ـ أو قتلة ـ رئيس وزراء "سابق" مماثلاً؟
وبالتأكيد أن للهجوم الموالي لسوريا على جعجع علاقة "ما" بالتحقيق الدولي الجاري. وصحيحٌ أن ليس كلّ ما تفعله دمشق وحلفاؤها عاقلاً، لكن المتتبّع لما يجري هذه الأيام يعرف أن ليس ثمة "عقل" في العديد من الخطوات.
هل المطالبة بإطلاق الضبّاط الأربعة الموقوفين بطلب من التحقيق الدولي على خلفية "الاشتباه" بضلوعهم في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، مطالبة عاقلة؟
هل الهجوم على كلفة إنشاء المحكمة الدولية فيه ذرّة من فهم؟
هل مذكّرات الإحضار والدعوى الصادرة عن القضاء العسكري السوري، فعلٌ عاقل؟
هل المسارعة بعد تصويت مجلس النواب على رفض تلك المذكرات، الى المطالبة بتصويت استباقي في "مجلس الشعب" السوري على توصية مماثلة للتوصية اللبنانية، تنمّ عن عقل؟
وهل من سيُستدعى الى التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري سيُستدعى الى القضاء اللبناني أصلاً؟
لا شك إذا أن هجوم "موالي سوريا" على سمير جعجع، إنما يدخل في إطار الحملة المضادّة "الوقائية"، وفي إطار نوع من "الهستيريا" على خلفيّة التحقيق الدولي.
ثمنٌ آخر يدفعه "الحكيم"
ولذلك، من الواضح أن وراء تركيز الهجوم على رئيس "القوات" أهدافاً سياسية عدة، يبدو أن أهمها الهدف المتعلق بالتحقيق، إضافة الى كل الأهداف السياسية المشار إليها.
غير أن الجانب اللاأخلاقي الأبرز في هذا الهجوم، هو جعل جعجع الذي افتتح صفحة جديدة من حياته السياسية، ضحية لمآرب سياسية لمدافعين عن نظام انتهك كل شيء في لبنان خلال وصايته عليه، ولمجموعة خائفة ومذعورة من تطوّرات محتملة. طبعاً، لا ينفع أن يقال لهؤلاء "عَيب"، لكن ما ينفع أن يُقال لجعجع أنه ثمنٌ آخر يدفعه ولا بأس، وإن ما أسسه منذ أن كان لا يزال سجيناً لن يذهب هباءً وانّ "الحكيم" محكومٌ بمواصلة السير في الخطّ الذي اختاره.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.