لا بد أن رئيس "التيّار الوطني الحر" العماد ميشال عون يمرّ منذ نحو شهر بـ"أسوأ" أيامه السياسية منذ عودته من المنفى في السابع من أيار 2005. ذلك أن الأحداث التي شهدتها البلاد خلال هذه الفترة أتت تعاكس على طول الخط طروحه وتحالفاته السياسية وأتت "تفضح" عقم المسار الذي انخرط فيه منذ عام ونيّف.
فخلال الشهر المنصرم، أكدت التطوّرات التي حصلت نقيضَ ما كان الجنرال يبشّر به من أن سوريا التي انسحب جيشها من لبنان في نهاية نيسان 2006 باتت خارج الحدود فعلاً، وأن ما كان يقوله من أن الأكثرية تحارب طواحين الهواء بـ"ادعائها" وجود مسألة سورية في لبنان، لم يكن صحيحاً ولو لحظة واحدة.
الاعتداء على الجيش في البقاع ومذكّرات الإحضار
فقد جاء الاعتداء الذي أقدم عليه عناصر من "فتح الانتفاضة" في البقاع على الجيش اللبناني ليثبت صحة ما كانت الأكثرية تؤكده على الدوام من أن ثمة سلاحاً موالياً للنظام السوري بمسمّى فلسطيني، خارج المخيّمات، يؤدي دوراً تخريبياً في لبنان تحت الإمرة السورية المباشرة.
وجاءت مذكرات الجلب والإحضار السورية بحق رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط والوزير مروان حمادة والزميل فارس خشّان، لتعلن ليس فقط أن ثمة تدخلاً سورياً مستمراً في البلد بل أن ثمة استهدافاً سياسياً وأمنياً سورياً للحياة السياسية والإعلامية اللبنانية لا يزال مستمراً وداهماً.
أخذ الجنرال وقته قبل أن يدين الاعتداء على الجيش في ينطا وراشيا الفخّار، وقبل أن يستنكر مذكرات الإحضار ويتضامن مع المستهدفين منها.. لكنه فعل أخيراً، فدان الاعتداء وصوّت نوّابه على التوصية التي تقدّم بها فريق 14 آذار في المجلس النيابي. بيدَ أنه بدا في الخطويتن "مضطراً"، أي أنه بدا مقبلاً عليهما بفعل "الحشرة" لا على خلفيّة اقتناع راسخ بمواجهة سياسة سورية قيد التنفيذ داخل لبنان وليس من خارجه.
أحداث الجنوب والخلل في "وثيقة التفاهم"
الى أن كانت أحداث الأسبوع الفائت. فقد دلّت التطورات في الجنوب التي تلت جريمة اغتيال عضوَي "الجهاد الإسلامي" في صيدا، على أن ثمة خللاً في ما سمّي "ورقة التفاهم" الموقّعة بين "التيّار" و"حزب الله"، وهي الورقة التي ملأ الجانبان الدنيا "صخباً" حول جدّيتها ومقاربتها "الدقيقة" للاستراتيجية الدفاعية، حتى وصل الأمر بالجنرال عون في أكثر من مقابلة إعلامية له الى "مراهنة" 14 آذار إن كان يستطيع أن يتوصّل الى ما هو أفضل منها من خلال مؤتمر الحوار الوطني، لا بل الى تحدي 14 آذار بأن يجدَ صيغة "أسلم".
وللأسف الشديد، أعطت أحداث الجنوب الأخيرة "نموذجاً" عن الخلل الذي تشكو منه الخطة الدفاعية التي ينادي "حزب الله" باستنادها الى ثنائية المقاومة والجيش، أي ببقاء الوضع القائم حالياً على ما هو عليه. فإذا كانت الصواريخ "المجهولة الهُوية" التي أطلقت فجر الأحد الأسبق معلومةً من قبل "حزب الله" فهذا يعني أحد احتمالين، فإما أن إطلاق الصواريخ تمّ بتنسيق معه وإما أن الأمر حصل تجاوزاً له، ولذلك مؤدى واحد هو أن الحزب إما أنه يفتح الأرض لـ"مقاومات" أخرى وإما أنه لا يمسك بالأرض. أما في المواجهة التي تولاّها "حزب الله" بنفسه بعد الصواريخ "المجهولة"، فقد تجاوز الحزب ما كان يعلنه مراراً لجهة أن مقاومته محصورة في مزارع شبعا وإنها ذات طابع "تذكيري". وبكلام آخر، إن الحيثيات التي أسند الحزب نظريّته حول الاستراتيجية الدفاعية إليها، ارتكزت على مقولتين رئيسيّتين: الأولى أن لا شريك للمقاومة الإسلامية على أرض الجنوب، والثانية أن المقاومة في حدود المزارع. والحال أن ما جرى يوم الأحد الأسبق يشكّل تجاوزاً لما هو "معلن" و"معروف".
وعلى هذا الأساس، يمكن القول من دون تردّد أن "ورقة التفاهم" بين "التيّار العوني" و"حزب الله"، اهتزّت اهتزازاً كبيراً. لكن، إذا كان صحيحاً أن عون وتيّاره أعلنا موقفاً من أحداث الجنوب الأخيرة، وسلّطا الضوء على الصواريخ المجهولة، فالصحيح أيضاً أن الموقف كان مرتبكاً لأن "التيّار" معنيّ بما هو أكثر من ذلك، لكونه شريكاً في رؤية معيّنة للوضع الجنوبي المستقبلي.. ولم يفعل ما هو منتظر منه أي التذكير بالضوابط والتعهّدات.
أعمال الشغب
في بيروت تُحرج الجنرال
ثم كانت مساء الخميس الماضي أحداثٌ أخرى. خرجَ مناصرون لحزب الله الى الشوارع في الضاحية وبيروت احتجاجاً على تعرّض برنامج "بس مات وطن" للأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله.
حتى الآن، ليس في الأمر مشكلة والمسألة طبيعية. غير أن المحتجين مارسوا أعمال شغب على تخوم أحياء من طبيعة طائفية معينة، ووصلوا الى قلب العاصمة، وأطلقوا شعارات تحريضية مذهبياً وسياسياً. وإذا كان من الطبيعي أن يبادر العماد عون الى الاتصال بالسيد حسن نصرالله لحظة وقوع أعمال الشغب وإن لم يجده في تلك الليلة، وإذا كان مفهوماً بعد ان تم الاتصال في اليوم التالي أن تجري محاولة لملمة الوضع وأن ينوه الجنرال بمساعي نصرالله للتهدئة، فلم يكن طبيعياً ولا مفهوماً أن يتحدث عون في اليوم التالي عن "إشاعات" عن اضطرابات حصلت في الليلة السابقة.
ليس المقصود طبعاً التصعيد السياسي، لكن المقصود هو أخذ الأمور بحجمها وعلى حقيقتها. ذلك أن من "حق" الجنرال وهو مرتبط مع "حزب الله" بـ"ورقة تفاهم" أن ينتقد، لكن من واجبه أن يقول للحزب: لقد أحرجتموني في غضون أربعة أيام بحدثين، في الجنوب من ناحية وفي بيروت من ناحية ثانية، لا بل "كشفتم" وضعي تماماً، في البيئة المسيحية.. بيد أن ذلك لم يحصل، إذ اكتفى الجنرال بـ"التململ" أمام من التقوه في الأيام الأخيرة، وبالقول ان العلاقة بحزب الله هي علاقة تفاهم وليست علاقة تحالف، وهذا ما عاد وكرره في مقابلة تلفزيونية مساء أول من أمس.
الهروب الى انتقاد الحكومة
كان أداء الجنرال ولو مرتبكاً ليمرّ لولا أنه بسبب حشرته، ذهب باتجاه تحميل الحكومة المسؤولية سواء في الجنوب أو في بيروت.. كما في البقاع، مع أنه يعلم تماماً أن لا وجود للدولة ولجيش الدولة في منطقة عمليات المقاومة في الجنوب وأن هذا الأمر لا يزال مطروحاً على طاولة الحوار، ويعلم تماماً أن الدولة ساعية سياسياً بالدرجة الأولى الى تطبيق قرار الحكومة ومؤتمر الحوار في خصوص السلاح الموالي لسوريا خارج المخيمات، علماً أن الحكومة يجب أن تأخذ في الاعتبار مطالبة عون بـ"الحسم" مع هذا السلاح علّه يساعدها عليه.. كما يعلم الجنرال تماماً أيضاً أن ما كان في شوارع بيروت ليل الخميس ـ الجمعة ليس أقل من فتنة، الأمر الذي اقتضى ولا يزال معالجته بالحكمة قبل المعالجة بالأمن وإن كان ما جرى أساء الى الأمن وهيبة الأمن، حتى يمكن بعد استيعاب الأمور أمنياً التحرك سياسياً.
الإنسحاب من مهرجان طرابلس:
خطوة جريئة... ومتأخرة
إذاً، أعطى الجنرال حيال أحداث الشهر المنصرم إشارات "استياء"، لكنه بدا محشوراً ومرتبكاً، و"هرب" باتجاه التحامل على الحكومة.
حتى كان مساء الجمعة حيث كان "التيار" متحمساً جداً للتبليغ عن انسحاب وفده من مهرجان الذكرى السنوية لإستشهاد الرئيس رشيد كرامي بسبب الهتافات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد التي أطلقت خلال هذا المهرجان.
ولا شك في أن الانسحاب خطوة ايجابية. لكن أسئلة كثيرة تطرح على عون و"التيار" في هذا المجال. هل يعني الانسحاب احتجاجاً على الهتافات للأسد "فقط" موافقة في المقابل على سائر مجريات المهرجان ومنها أنه تحول الى استحضار التحريض الطائفي والمذهبي، والى اعتبار رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع قاتلاً بالرغم من موافقة كتلة "التيار" في المجلس النيابي على قانون العفو؟. هل فعلاً ذهب وفد من "التيار" وكتلته النيابية الى المهرجان وكان يجهل أنه "مهرجان سوري" بامتياز حتى يبدو متفاجئاً بالهتافات للأسد؟ وهل كان من الضروري بعد أن حاول التيار "بيع" خطوة الانسحاب على انها خطوة باتجاه اللبنانيين لتأكيد الولاء اللبناني للتيار، أن يجري على لسان عون في مقابلته التلفزيونية "تفطيس" الخطوة سياسياً واعتبارها مجرد "رسالة" لا ترتب استنتاجات سياسية؟. وهل كان طبيعياً ـ وعلى لسان عون ايضاً ـ أن يتم الهروب من "الحزم السياسي" حيال من تحالف عون معهم الى الهجوم على رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري في المقابلة نفسها لأنه قال قبل يومين إن رئيس الجمهورية غير موجود ويجعل الرئاسة غير موجودة، مع أن ذلك واقع الحال فعلاً؟
أسئلة كثيرة لا تطرح بهدف احراج الجنرال، لكن للقول له إن التهرب من مراجعة السياسة المعتمدة حتى الآن لا يغطيه الهجوم على 14 آذار. فيا جنرال، إذا كان وفدك انسحب من مهرجان طرابلس احتجاجاً على "سوريته" فقد تأخرت كثيراً في الاستنتاج، وإذا كان وفدك انسحب تعبيراً عن استياء "جزئي" فلا تبيعنّ الخطوة الى اللبنانيين بوصفها "إنجازاً" كبيراً.
الاهتزاز في الشعبية
وأكثر من ذلك، لا بد من القول للعماد عون ان الارتباك الذي ينوجد فيه هذه الأيام، ناجم عن معطيات يعرفها أكثر من غيره. فمن المفترض أن الجنرال يعلم أن مهرجان "الفوروم" الذي نظّمه "التيّار" في أيار الماضي في الذكرى السنوية الأولى لعودته الى لبنان، كان "انتكاسة" جدية على مستوى الالتفاف الشعبي. ومِن المفترض أيضاً أن الجنرال يعلم أن الاستجابة الشعبية المحدودة ـ المسيحية ـ لدعوته الى المشاركة في تظاهرة العاشر من أيار الفائت، كانت "جرس إنذار". ومن المفترض حتماً أن يعلم الجنرال أنه "أعطى" حلفاء سوريا ولم "يأخذ" منهم إلاّ توريطاً له في بيئته وعلى المستوى اللبناني العام. ومن المفترض أخيراً أن يحسب الجنرال بدقّة ما إذا كان في وسعه إن لم يكن "رابطاً" في مكان ما أو في موضوع ما مع دمشق، أن يعيدَ بعدَ كل هذه التطوّرات و"دروسها" النظر في خطابه وأدائه، تجاوباً مع ما يطالبه به "التيّار" والناس من إعادة تموضع.
14 آذار لا يقفل الباب
والحقّ يُقال في هذا المجال، إن فريق 14 آذار لا يقفل الباب أمام استئناف العلاقة بالعماد عون وتيّاره. كان تقويمُ عدد من قيادات 14 آذار ليكون إيجابياً حيال تململ الجنرال وإزاء إشارات الاستياء التي يطلقها، لولا أنه لا يزال في دائرة المراوحة عند حدود التململ.
ففريق 14 آذار يتطلّع الى أن يقوم عون بـ"مراجعة" حقيقية لمرحلة العام الفائت، ويتطلّع الى أن يكتشف الجنرال أنه غطّى قوى ورموز المرحلة السورية ولم يستفد منها شيئاً، كما يتطلّع الى أن يعيدَ مع "حزب الله" قراءة "وثيقة التفاهم" بما يخدم الحوار الوطني. ويأمل فريق 14 آذار أن يكتشف عون بسرعة أن الهجوم السوري المضادّ موقت ومحكومٌ بـ"الانحدار".. ويفترض أن يلاحظ هزال المهرجان الذي انسحب منه ممثلوه وأن يستنتج منه.
الخلاف بين 14 آذار والعماد عون سياسي جذريّ. لكن مراجعةً ولو متدرّجة للمرحلة السابقة، من شأنها أن تفتح أبواب التلاقي من جديد، وهذا ما يأمله 14 آذار.. على مشارف عدد من الاستحقاقات الأساسية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.