تعربُ حركة "حماس" عن استيائها الشديد من أجواء "التشنّج" على مستوى العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، وتعتبر ان استمرار هذه الأجواء لا يساعد على انطلاق البحث في أمور هذه العلاقات، لا بل تنتقد تركيز فريق 14 آذار على مسمّى "السلاح الفلسطيني" الذي يخلق من وجهة نظرها نوعاً من التعبئة السياسية اللبنانية ضدّ الفلسطينيين ككل.
وكي لا يُفهم موقفها في "اتجاه واحد"، يسارع قيادي بارز في الحركة إلى القول ان "حماس" تعتبر ان كلَّ من أعلن مواقف من الفلسطينيين خصوصاً باتجاه الداخل اللبناني، مخطئ، في إشارة إلى تصريحات فلسطينية هاجمت قياديين لبنانيين كرئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وهي ـ أي "حماس" ـ كانت اعترضت غير مرة على استهداف رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري وعلى مهاجمة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة.
وتأسيساً على هذه المقدمة التي تسعى إلى الايحاء بنوعٍ من "الوسطية" على الخارطة السياسية الفلسطينية، يؤكد القيادي البارز في الحركة انها لا تملك سلاحاً في لبنان، لا داخل المخيمات ولا خارجها. والسبب ان "قرارنا ألا يكون لدينا سلاح في لبنان لقناعتنا بأن معركتنا داخل فلسطين".
اللقاء مع السنيورة وعناوين "الملف"
ويروي انه التقى الرئيس السنيورة أكثر من مرة، وآخر لقاء كان منذ فترة غير بعيدة بعد المقررات التي توصل اليها مؤتمر الحوار الوطني في ما يخص المسألة الفلسطينية في لبنان. ويلفت إلى ان لقاءه برئيس الحكومة كان مسبوقاً بموقف ترحيبي من جانب "حماس" بقرار مؤتمر الحوار لانه تناول الموضوع الفلسطيني سياسياً ككلّ متكامل، ويشير إلى ان هذا الموقف الترحيبي لاقى امتعاضاً من فرقاء معينين على "الساحة الفلسطينية".
في هذا اللقاء، دعا القيادي في "حماس" إلى الأخذ في الحسبان ان ثمة أربعة جوانب لـ"الملف الفلسطيني" في لبنان لا بد من معالجتها بالتوازي.
الجانب الأول سياسي. وهنا يوضح ان المشروع السياسي الفلسطيني في لبنان هو العمل من أجل عودة اللاجئين إلى ديارهم، وبما ان الموقف اللبناني العام هو رفض التوطين، فالعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية لا بدّ أن تتأسس على تناغم بين الموقفَين بحيث يكون لبنان مطمئناً إلى ان الهدف الفلسطيني هو العودة ويكون الجانب الفلسطيني مطمئناً إلى أن ثمة "ممانعة" مشتركة للتوطين الذي يعتبر القيادي في "حماس" انه مشروع دولي خطير لكنه حقيقي.
والجانب الثاني هو الذي يسمّيه الجانب الانساني ويلخّصه بعنوان "بسيط" هو تمكين الانسان الفلسطيني من العيش بـ"كرامة" في لبنان، وهذا العنوان يشمل مجموعة من الإجراءات القانونية والإدارية التي يؤدي اتخاذها إلى تحسين الوضع الانساني للفلسطينيين اللاجئين.
والجانب الثالث هو في تعريف المسؤول البارز في "حماس" الجانب القانوني وفيه نقطتان رئيسيتان. الأولى ضرورة وجود تعريف مشترك لبناني ـ فلسطيني للوضع القانوني للفلسطينيين في "الشتات اللبناني"، أي انهم لاجئون في لبنان بالاستناد إلى قرار إنشاء منظمة "الاونروا"، وليسوا "جالية". ولا يخفى ان في هذا التشديد على وضعية "لاجئين" حرصاً على اعتراض مشروع التوطين من مدخل قانوني أيضاً. أما النقطة الثانية في الجانب القانوني فتتعلق بحسب المسؤول القيادي بالقضايا القانونية والقضائية العالقة داخل المخيمات، ومعظمها ليست قضايا خطيرة تمسّ الأمن اللبناني بل يمكن إدراجها في خانة القضايا "البسيطة".
أما الجانب الرابع والأخير فهو الأمني، وفي إطاره يدخل موضوع السلاح خارج المخيمات وداخلها.
يشدّد المسؤول في "حماس" على عدم تجزئة الملف، وعلى ضرورة الحوار بشأنه كلاً متكاملاً، مشيراً إلى ان التقدم في الجوانب الأولى يخلق مناخاً مؤاتياً لمعالجة الجانب الأخير، أي الجانب الأمني. وفي تقديره ان هذا لا يعني تأجيل الجانب الأمني المتعلق بالسلاح أو تأخيره إلى مدى غير منظور، لا بل يؤكد انه في التسلسل الذي اعتمده لجوانب الملف لا يجعل من أي جانب شرطاً للثاني.
استعدادات "حماس": لا لتحويل لبنان ساحة
ويضيف انه إذ عرض للرئيس السنيورة هذه المعطيات، أكد أمامه أن "حماس" مستعدة لمساعدة لبنان وحكومته في أكثر من اتجاه. فهي مستعدة ليس فقط لتكوين إجماع فلسطيني حول تعريف الملف الفلسطيني وتحديده، بل لتكوين إجماع حول النقاط التي يريد الفلسطينيون في لبنان التوصل اليها بنتيجة الحوار. وهي مستعدة للتقدم نحو الحوار مع لبنان بوفد فلسطيني موحد ستساعد على تشكيله. وهي مستعدة للتحاور مع الفرقاء اللبنانيين لا سيما من منهم لديه هواجس أو قلق أو شكوك، وذلك للمساعدة على ايجاد مناخٍ من الثقة يؤسس لانطلاق الحوار. وهنا يرفع القيادي في "حماس" شعاراً يستوي على المعادلة الآتية: نحن ضد التوطين في لبنان ومع العودة إلى فلسطين، لكننا في جميع الأحوال ضد تحويل لبنان إلى "ساحة" مجدداً.
وإذ يؤكد ان الحركة دانت بوضوح وبشدة "حادث ينطا" عندما تعرّض الجيش لاعتداء من موقع لـ"فتح الانتفاضة"، يوضح ما التبس في أذهان عدد من اللبنانيين عندما طرح من أجل عدم تكرار "الحوادث" الأمنية مع الجيش وجود "قنوات اتصال" بين الجيش ومسؤولي المواقع الفلسطينية كي لا يتكرر سقوط دم لبناني أو فلسطيني. ويقول انه لا يتمسك بهذا الاقتراح لكنه في جميع الأحوال لا يقصد تشكيل لجان تنسيق أو لجان ارتباط مما يذكّر بحقبة السبعينات والثمانينات، أو باتفاق القاهرة.
غير ان المصدر نفسه، يبدو ميّالاً في أكثر من محطة في حديثه إلى ما يسمّيه "عدم تضخيم" مسألة السلاح الفلسطيني، ويؤكد ان "الحركة لا تعرف حتى الآن من أطلق الصواريخ في الجنوب" باتجاه صفد، لكنه بدا إلى حدّ كبير مستبعِداً أن تكون الصواريخ "فلسطينية".
الأشهر الستّة: مهلة حثّ
على انه ينطلق من كل ما تقدّم لتكرار تأييده قيام الحوار اللبناني ـ الفلسطيني في مناخات هادئة، انطلاقاً من قرار مؤتمر الحوار الوطني اللبناني من جهة ومن الجوانب الأربعة التي اقترحها في لقائه برئيس الحكومة من جهة اخرى. ويؤكد انه لا يعترض على مهلة الستّة أشهر التي حدّدها مؤتمر الحوار، لكنه يفضّل اعتبارها "مهلة حثّ" بمعنى ان هذا التحديد لا يمنع التوصل إلى تسوية لبنانية ـ فلسطينية ايجابية قبل هذا التاريخ مع انه لا يتوقع ذلك، لكنه ـ التحديد ـ لا يمنع من تجاوز المهلة إذا كانت الأمور انتقلت إلى الطاولة.
وعندما يُسأل عمّا يؤخّر الحوار طالما ان الحكومة اللبنانية جاهزة، يعود القيادي في "حماس" إلى التأكيد على أهمية تشكيل مناخ الحوار، لكنه "يعترف" بأن ثمة إشكاليات فلسطينية حالت حتى الآن دون تشكيل الوفد الفلسطيني الموحد وإعلانه.
قيادة سياسية عليا للحوار وليس المكتب التمثيلي
يعتبر ان فتح المكتب التمثيلي الفلسطيني كان في ظروف غير مناسبة، ويكاد يقول ان الخطوة كانت متسرعة. ويوضح ان "حماس" كانت اقترحت فلسطينياً تشكيل قيادة سياسية عليا تمثل مرجعية للوضع الفلسطيني في لبنان، ينبثق منها وفد من عدد من المسؤولين الفلسطينيين للحوار. ويؤكد ان هذه هي الصيغة الأفضل للواقع الفلسطيني في لبنان. ويضيف ان "لا جدال في شرعية تمثيل المكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية" ولكن "ثمة تجربة في داخل فلسطين حيث مقر منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية في غزة، وحيث الرئاسة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية"، ومع ذلك "شكّلنا جميعاً في غزة لجنة للمتابعة يتحاور أطرافها ويحدّدون التوجهات وهم أصحاب قرار". ويلفت إلى ان هذا الطرح من قبل الحركة، اعترضت عليه "فتح" إذ اعتبرت ان القيادة السياسية العليا التي اقترحت "حماس" تشكيلها هي بمثابة إطار بديل من منظمة التحرير. أما "حماس" فترد على ذلك بأنها ومنذ العام 1989 بدأت تناقش علاقتها ايجاباً بمنظمة التحرير وهي تعترف بـ"موقعيتها" فلسطينياً "لكن المطروح إعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة إصلاحات كثيرة مطلوبة" كما يقول المصدر القيادي الذي ينفي بشدة وجود نيّة لدى حركته لما يسمّى "الاستيلاء" على منظمة التحرير.
عند هذا الحد تنتهي وجهة النظر الفلسطينية "الاخرى" التي يعرضها القيادي البارز في "حماس" الذي يختم بنقطتين: التشديد على أهمية "مناخ الثقة" من جهة وتأكيد ان العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية في الداخل لن تصل إلى "المواجهة" و"الانفجار" من جهة ثانية.
أسئلة حول إمكانيات الفصل عن سوريا
من المنطقي أن تُناقش وجهة نظر "حماس" وأن تُتابع، لانها بقدر ما تبدو "متماسكة" تستثير أسئلة عديدة من بينها الأسئلة الآتية: هل فعلاً يمكن فصل السلاح الفلسطيني خارج المخيمات بما هو سلاح في يد فصائل موالية لسوريا عن السياسة السورية التي تريد لهذا السلاح دوراً تخريبياً في لبنان؟ وهل فعلاً يمكن للحوار اللبناني ـ الفلسطيني أن ينطلق في الظروف الحالية في ظل السياسة السورية المعروفة؟ وهل تستطيع "حماس" أن تلعب دوراً معيناً مع دمشق؟ وهل يكفي ما قاله القيادي البارز في الحركة لتستقيم الأمور بين لبنان والفلسطينيين في وقت يلعب "العامل" السوري دوراً تخريبياً؟ وهل ان إشكالية تشكيل الوفد الفلسطيني الموحد إشكالية فلسطينية ـ فلسطينية فقط؟ وكيف السبيل إلى "تقديم" موضوع السلاح في وقت يدهم هذا الموضوع كل الأولويات؟ وأسئلة كثيرة غيرها يمكن أن تطرح، وإن كان ما عرضه القيادي في "حماس" يستحق التفكير.. خصوصاً من زاوية الحؤول دون أن تقود ممارسات دمشق و"فصائلها" إلى إسقاط الأحكام على الوضع الفلسطيني ككل وإلى خلق تشنجات حيال "الجمهور" الفلسطيني، علماً ان النظرة اللبنانية "العامة" تفصل بالفعل بين الأمرَين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.