8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الخطة الرامية إلى التفجير في كل لحظة

مع اقتراب موعد استئناف مؤتمر الحوار الوطني في الثامن من حزيران حيث يحتل موضوع الاستراتيجية الدفاعية موقع الصدارة، عاد "العامل"الفلسطيني، اي السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الى البروز بقوة، لاسيما في ضوء الاحداث التي شهدها الجنوب الاسبوع الفائت.
وفي هذا المجال، وكي يأخذ مؤتمر الحوار في الحساب ما يحيط بهذا الموضوع من وقائع ومعطيات، طالما ان البحث في الاستراتيجية الدفاعية "محكومٌ" بأن يمر مجدداً بـ"المسألة الفلسطينية" في لبنان لـ"تفقّد" الموقف السابق الذي قضى بنزع السلاح خارج المخيمات خلال ستة أشهر ـ مضى منها اكثر من شهرين ـ فإنه لا بد من تقديم المعطيات المتوافرة على هذا الصعيد.
كان معروفاً حتى الآن ان السلاح خارج المخيمات يخصّ فصيلين مواليين للنظام في دمشق، ويتخذ صيغة مواقع عسكرية في عدد كبير من المناطق اللبنانية لا سيما جنوب بيروت والبقاع.. والفصيلان المعنيان هما "الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" بزعامة أحمد جبريل و"فتح الانتفاضة" بزعامة أبو موسى. بيد ان الاسابيع الماضية حملت تطورات "مثيرة" يجدرُ أخذها في الاعتبار.
إمرة سورية مباشرة
على سلاح "القيادة العامة" و"الانتفاضة"
ففي المعلومات ان النظام السوري اتخذ قرارين رئيسيين في هذا المجال.
القرار الاول قضى بإنهاء الإمرة المباشرة لكل من جبريل وابو موسى على قواتهما ومواقعهما خارج المخيمات، وأخضع القوات والمواقع للإمرة العسكرية السورية المباشرة بواسطة ضباط سوريين تم "فرزهم" لهذه المهمة. وبموجب هذا القرار جرى استبدال "الجسم المقاتل" عند الفصيلين المذكورين على اساس انه جسمٌ مترهل بآخر جديد يضم مقاتلين فلسطينيين مطعّمين بـ"مقاتلين" سوريين. وكذلك بموجب هذا القرار السوري نفسه اقيم معسكر قرب منطقة حلوى باتجاه دير العشائر لتدريب نخبة من المقاتلين على عمليات خاصة.
.. وقواعد عسكرية في الجنوب
أما القرار السوري الثاني فقضى بإنشاء قاعدة عسكرية على الأقل باسم "القيادة العامة" او بـ"يافطة القيادة العامة" في منطقة مزارع شبعا أي في منطقة عمليات "المقاومة الإسلامية". وذُكر في هذا المجال ان "حزب الله" اعترض على إقامة قاعدة أو أكثر في هذه المنطقة إلاّ انّ الموضوع سلك اتجاهاً مغايراً فيما بعد.
هذان التطوران المتمثلان بالقرارين السوريين الآنفين، لا يضيفان جديداً سياسياً الى ما كان معروفاً من قبل عن الهوية السياسية للسلاح الفلسطيني خارج المخيمات بما هو سلاح سوري في نهاية المطاف، لكنهما يؤشران الى تنظيم متجدد لهذا السلاح بصيغة مركزية تحت الامرة السورية المباشرة.
السيطرة على المخيمات
على ان الامور لا تقف عند هذا الحد، اي عند حد السلاح الموالي لسوريّا خارج المخيمات، بل تتجاوزه الى "السياسة" بمعنى محاولة صياغة الوضع السياسي الفلسطيني ـ اي الخارطة الفلسطينية ـ بطريقة تمكّن دمشق من تحقيق سيطرتها على التمثيل السياسي الفلسطيني في لبنان.
وبما ان الامر كذلك، أضافت سوريا الى اهتمامها بـ"مركزة" السلاح خارج المخيمات تحت أمرتها المباشرة، اهتماماً آخر بالإمساك بالوضع الفلسطيني داخل المخيمات نفسها. لماذا؟.
بعد الانسحاب العسكري السوري من لبنان نشأت ظروف سياسية جديدة على صعيد الملف الفلسطيني، هي ظروف مؤاتية مبدئياً للبحث فيه بغية اعادة الامور الى نصابها، بمعنى معالجة كل شوائب العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية من اجل استعادة العلاقة "السياسية" بين لبنان وفلسطين الى وضع طبيعي. ومعلوم في هذا المجال ان ملف العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية بقي معلقاً طوال الفترة التي تلت اتفاق الطائف، بسبب الوصاية السورية على لبنان التي وتحت عنوان الاحتفاظ بـ"الورقة الفلسطينية"، حالت دون تحقيق مصالحة لبنانية ـ فلسطينية مبنية على تفاهمات واضحة.
وبما انّ هذا البحث بات متاحاً بنسبة أكبر بعد الانسحاب السوريّ وصولاً إلى تبلور وفاق وطنيّ لبنانيّ في مؤتمر الحوار حول معالجة شؤون العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينيّة في مختلف مجالاتها بما يحفظ حقوق الكتلة الفلسطينية في لبنان وبما يحفظ للدولة حقوقها السيادية في آن، كان من الطبيعي ان تتجه الانظار الى حوار لبناني ـ فلسطيني، مرجعيته من الجانب اللبنانيّ هي الحكومة على ان يكون ثمة مرجعية فلسطينية موحدة في "المقابل".
من المنطقي أن لا تتدخل الدولة اللبنانية في تشكيل المرجعية الفلسطينية في لبنان، ومن المنطقي أيضاً ان تسعى الى تفاهم مع السلطة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني، ومع منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها عربياً ودولياً بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ومن المنطقي أيضا ان تتوقع الحكومة اللبنانية من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير "ابتكارات" خلاقة لإشراك القوى الفلسطينية التي هي خارج السلطة وخارج منظمة التحرير ولمشاركة فصيل رئيسيّ باتَ في جزء من السلطة أي الحكومة الفلسطينيّة وهو حركة "حماس".
الهدف اخضاع التمثيل السياسيّ الفلسطيني
وبالفعل بدأت الحكومة حوارا مع وفدين فلسطينيين منفصلين، وما زالت تنتظر الوفد الموحد الذي لا يتشكّل. وفي هذه الاثناء وافقت الحكومة على فتح مكتب تمثيلي فلسطيني في لبنان، وفُتح هذا المكتب تحت يافطة منظمة التحرير.. لكن الموضوع لا يزال بعيدا عن الحل.
والسبب الذي تم "اكتشافه" في الآونة الاخيرة هو ان ثمة "سياسة" فلسطينية لسوريا، وان ثمة دعماً ايرانياً لهذه السياسة، وفي اطارها يجري ضخّ السلاح الى داخل المخيمات في جنوب لبنان لا سيما مخيم عين الحلوة، بهدف كسر نفوذ حركة "فتح" في مخيمات الجنوب، وقطع الطريق على مفاوضات تقوم بها منظمة التحرير بتركيبتها وتوازنها الراهنَين، مع الحكومة اللبنانية، واظهار المحاور الفلسطيني باسم منظمة التحرير بمظهر من لا "يمون" على شيء.
وحقيقة الأمر أيضا ان النظام السوري راهن بعد تسلّم حركة "حماس" الحكومة الفلسطينية ليس فقط على صراع على السلطة في فلسطين بين "فتح" و"حماس"، بين الرئاسة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية، بل هو يراهن على مواجهات بين الحركتين ويشجع عليها بحيث تنتج انهيارا للسلطة الفلسطينية من ناحية وانعكاسات على التوازنات في الشتات من ناحية ثانية وسيطرة موالية لدمشق على التمثيل السياسي الفلسطيني "الرسمي" في لبنان من ناحية ثالثة.. أي انّ النظام السوريّ يستغلّ عدداً من الاشكاليّات الفلسطينيّة "الذاتيّة" لتنفيذ مآربه.
وهدف آخر: تحويل مشكلة سوريا مع المجتمع
الدولي إلى مشكلة إقليمية "كبرى"
اذاً، خلاصة القول عند هذا الحد، ان النظام السوري يمسك مركزياً بالسلاح خارج المخيمات ويواكب الإمساك بالسلاح بخطة "سياسية" وأمنية للإمساك بالمخيمات في الجنوب بهدف محاولة القبض على التمثيل السياسي الفلسطيني وترهيبه وقطع الطريق امام حوار لبناني ـ فلسطيني. ولا يخفى هنا ان لهذه "السياسة" السورية أبعاداً تتجاوز لبنان وإن كانت تركز عملياً على "الساحة اللبنانية". ذلك ان دمشق "تربط" نفسها بعناوين اقليمية إشكالية من أجل جعل مشكلتها مع لبنان ومع المجتمع الدولي مشكلة اقليمية، على قاعدة "تكبير" المشكلة لـ"تصعيب" حلها. ولذلك تمد سوريا يدها في العراق وفلسطين وتستفز الجوار العربي، اضافة الى الاستقواء بإيران التي تدير هي ايضا سياسة في المواقع نفسها.
لبنان اذاً في الموضوع الفلسطيني امام مشكلة مزدوجة اذا صح التعبير، أمام مشكلة سورية بامتياز ـ وايرانيّة أيضاً ـ تعطل استقرار البلد من جهة وتمنع تصحيح العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية من جهة أخرى. ومجمل التطورات المشار اليها آنفاً على صعيد الاداء السوري، تعني انّ النظام السوري الذي كان خلال سيطرته ووصايته على لبنان يمسك بما يسميه "الورقة الفلسطينية" من خلال وجوده المباشر انتقل بعد الانسحاب العسكري الى نوع من "التنظيم المركزي" للسلاح خارج المخيمات بأمرته المباشرة والى التحرك للامساك بالمخيمات بـ"الواسطة" مراهناً على تغذية الصراع داخل فلسطين.
هذان التطوران على مستوى السلاح خارج المخيمات وعلى مستوى المخيمات نفسها، لا بد ان يكونا حاضرَين في أذهان المتحاورين في الثامن من حزيران الجاري.
عبّاس زكي: المهمّة المجهضة
وعلى خلفية هذين التطوّرين، يمكن فهم بعض أسباب عدم تمكّن رئيس المكتب التمثيلي الفلسطيني في لبنان عباس زكي من التوصّل الى معالجة قضايا "البيت الفلسطيني" تسهيلاً لأمور العلاقة مع لبنان.
كان في ذهن عباس زكي، الى جانب المكتب التمثيلي، أن يعيد تشكيل "اللجنة السياسية الفلسطينية العليا" التي كانت قائمة في لبنان الى جانب مكتب المنظمة. كان في رأيه أن تضمّ هذه اللجنة السياسية العليا جميع قادة الفصائل الفلسطينية في لبنان لتتصرّف بوصفها قيادة سياسية للفلسطينيين في البلد، فتتولى ضبط أمور الفصائل وضبط المخيّمات، ودراسة المشكلات وتكوين الملفات على أن تتولى "السفارة" أي المكتب التفاوض مع الحكومة اللبنانية. وكان مستعداً لمناقشة كل الاقتراحات الآيلة الى تعزيز اللجنة العليا كقيادة سياسية، وكل الاقتراحات التي تدعم حضورالمكتب كتمثيل سياسي ـ ديبلوماسي بعد توقيع "اتفاقية المقرّ" مع الدولة اللبنانية. بيدَ أن العراقيل وضعت في وجهه من جانب "جماعة سوريا"، وتجلّى ذلك في تصريحات أخيرة لجبريل أساء من خلالها إلى المكتب التمثيلي ورئيسه إضافة الى المشكلات المنتقلة من الداخل الفلسطيني الى لبنان بعدَ التحوّلات السياسية في فلسطين.
هكذا إذاً، التطوّران على مستوى "العلاقة" السورية ـ والإيرانية ـ بالوضع الفلسطيني في لبنان، وجدا ترجمتهما في تعطيل مهمة عباس زكي.
الملف المتفجّر
لذلك، لم يخطئ رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عندما اعتبر أن مسألة السلاح خارج المخيمات التي اتُخذ فيها قرار بالإجماع في مؤتمر الحوار الوطني، بقدر ما هي في "الظاهر" مسألة لبنانية ـ فلسطينية، هي أيضاً مسألة تعني الدول العربية ليس فقط لأن لبنان بلد عربي ولأن فلسطين دولة عربية، بل لأن المشكلة عند سوريا الدولة العربية، وهي مشكلة في وجه طرفين عربيين في المباشر، أي لبنان وفلسطين، ولأن هذه المشكلة ضدّ العرب جميعاً لأنها ضدّ استقرار شعبين على الأقل، وضدّ استقرار المنطقة ككلّ.
لم يخطئ الرئيس السنيورة في التقدير. لكن ذلك لا يمنع من استنتاج متشائم وإن كان واقعياً: لا يبدو في الأفق الآن أي احتمال لمعالجة ملف السلاح خارج المخيمات، لأن للنظام السوري هدفاً واضحاً هو جعلُه متفجراً في أي لحظة، وقد يكون معداً سورياً للتفجير في أقرب وقت.
طرفان إثنان يستطيعان المساعدة: "حزب الله" لبنانياً إن أراد وإذا رفع غطاءَه عن هذا السلاح و"حماس" فلسطينياً إن أدركت انّ اموراً كثيرة قد تستغل وادركت ان استقرار لبنان من استقرار فلسطين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00