8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

السياسةُ الروسية في المنطقة تنطلقُ من الشعور بـ"الخطر الإيراني"

قيل الكثير وكُتب الكثير حول زيارة رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري الى موسكو وأهميّتها. وجرى تناول ما سمّي الجديد الروسي في السياستين الإقليمية والدولية. بيْدَ أن معظم المقاربات انطلق من زاوية كشف ما سعَت دمشق الى ستره والتضليل بشأنه بمحاولاتها الدائبة لـ"تفسير" المواقف الروسية على هواها وللإيحاء بأن هذه المواقف تناسب مصالحها.
إذاً، إن الحديث عن جديد روسي كان أشبه بالردّ على مزاعم ـ معظمها سوريّ المصدر ـ بأن روسيا على حالها وكأن روسيا لا تزال الاتحاد السوفياتي الذي قامت سياسته في الشرق الأوسط، في شطر رئيسي منها، على دعم "الأنظمة التقدمية" في مواجهة "الإمبريالية". لكن الأدقّ هو تناول "تطوّر" الموقف الروسي تبعاً للتطوّرات على المسرحين الإقليمي والدولي.
وفي هذا المجال، يلفتُ بعض من أُتيح لهم مشاركة سعد الحريري في محادثاته في العاصمة الروسية الى مسألة جوهرية تشغل اهتمام الكرملين في هذه المرحلة، هي "المسألة الإيرانية".
موسكو: رفض حاسم للتسلّح النووي الإيراني
ثمة قناعةٌ في موسكو بأن إيران يجب ألاّ تمتلك السلاح النووي، لا بل ثمّة موقف روسي "محسوم" بعدم تمكين إيران من تملّك السلاح النووي. ليس لدى روسيا اعتراض على قيام طهران بتخصيب اليورانيوم لأغراض علمية وسلمية، لكنها تعارض بشدّة قيام إيران النووية.
في موقفها هذا، تعتبر روسيا أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى لو أنتجت القنبلة النووية فإن مداها لا يمكن أن يصل الى "الشيطان الأكبر" أي الولايات المتحدة بالمصطلح الإيراني ولا الى "الشيطان الأصغر" أي إسرائيل بالمصطلح نفسه. وبهذا المعنى، فإن امتلاك إيران للقنبلة النووية لا يشكّل خطراً لا على أميركا ولا على إسرائيل، ولا يعدّل تالياً في "التوازن الدولي". لكن القنبلة النووية في يد إيران تمثّل خطراً في المقابل على جوارها، أي روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة من جهة ودول الخليج والجزيرة العربية من جهة ثانية. وبكلام آخر، إن من شأن امتلاك إيران السلاح النووي أن يصيب "التوازن الإقليمي" في المباشر وأن يمنح الجمهورية الإسلامية مجالاً للتفوّق على جيرانها العرب والروس، ومجالاً لتدخّل أكبر في شؤون الجوار لا سيما في الجمهوريات الإسلامية من الاتحاد السوفياتي السابق.
.. وتؤيّد قراراً إجماعياً في مجلس الأمن
لذلك، تؤكد روسيا أنها لن "تسمح" بوصول إيران الى مرحلة التسلّح النووي. وستحاول إقناع طهران بشتى الطرق بأن لا تسير في هذا الاتجاه. لكنها ـ أي موسكو ـ تؤكد أيضاً أن مواصلة إيران التحدّي سيضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي مجتمعاً، وروسيا مع قرار يصدر عن مجلس الأمن "ضدّ" التسلّح النووي الإيراني، وتعتبر أنه سيكون قراراً إجماعياً، وموعد صدوره لن يتأخر في حزيران المقبل.
إذاً، ثمة نقطة انطلاق أولى في السياسة الروسية الحالية، هي الشعور بـ"الخطر الإيراني".
التحالف مع إيران لا يحمي النظام السوري
وفي امتداد النظرة القلقة حيال إيران النووية، تعتبر موسكو أن النظام السوري يجعل من سوريا رهينة عند إيران. وفي هذا السياق يلفت عددٌ من المسؤولين الروس الى أن "التحالف الإقليمي" لا يحمي النظام السوري، وإن ما يمكن أن يحميه فعلاً هو "التحالف الدولي"، أي أن موسكو لا ترى في التحالف السوري ـ الإيراني حمايةً للنظام في دمشق، وتؤكد أن المجتمع الدولي هو الذي يمكنه أن يحميه. ويذهب المسؤولون الروس الى حدّ القول أن ما يطرحونه هو بمثابة "قاعدة" سلوك للحماية الذاتية.
وعلى هذا الأساس، سعَت موسكو لدى دمشق خلال المرحلة السابقة من أجل إقناعها باحترام القرارات الدولية وبتنفيذها، وأكدت لسوريا أنها هي نفسها ـ أي روسيا ـ مع هذه القرارات الدولية. وكلَّ لسانُ الديبلوماسية الروسية لإفهام دمشق أن الامتناع عن التصويت على بعض القرارات ليس اعتراضاً عليها أو على جوهرها، بل هو يدخل في باب "الأداء المدروس" لموازنة الحركة والأداء الأميركيين.
لا تجاوب سورياً مع موسكو
غيرَ أن المسؤولين الروس لا يترددون في القول أنهم لم يروا تجاوباً سورياً حتى الآن مع دعوة موسكو الى تنفيذ القرارات الدولية، ويعتبرون بناءً عليه أن دمشق ستخسر إن هي مضت في مواجهة المجتمع الدولي. حتى إن المسؤولين الروس يعتبرون أن ليس أمام النظام السوري لإنقاذ نفسه سوى السير بـ"النموذج الليبي" حيث سلّمت القيادة الليبية بما طُلب منها حرفياً، بما في ذلك وأساساً، تسليم من جرى الادعاء الدولي عليهم، في مقابل العودة إلى الأسرة الدولية.
في جانب آخر، يقول مسؤولون مرموقون في موسكو حتى من كان منهم متعاطفاً مع سوريا من زاوية كونها بلداً عربياً "حليفاً"، أنهم لا يؤكدون تورّط النظام السوري في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكنهم لا يستبعدون هذا التورّط أو تورطاً ما في مكان ما.
بريماكوف ورسالة الرئيس الشهيد
يروي السياسي الروسي المخضرم يفغيني بريماكوف، وهو لا يزال ذا رأي مسموع في الكرملين، أنه أتى الى بيروت قبل أيام قليلة من جريمة الاغتيال والتقى الرئيس الشهيد وحملَ منه رسالةً الى الرئيس السوري بشار الأسد. يؤكد الرئيس الحريري في الرسالة التي حملها بريماكوف بالفعل الى دمشق، على أنه مستعدّ لتأكيد رفض أي صلح منفرد مع إسرائيل بنصّ قانوني ـ دستوري. وأنه مستعدّ لتقديم كل الضمانات لحماية المصالح السورية، في مقابل انسحاب المخابرات السورية تماماً من الأمن اللبناني ومن الحياة السياسية اللبنانية. قابل بريماكوف الأسد، وسمع منه تقبّلاً إيجابياً للرسالة، واستعداداً للاجتماع بالرئيس الحريري.
لكن الجريمة وقعت بعد أيام قليلة فقط. وبنى بريماكوف على واقعة الرسالة أنه "يستحيل" أن يكون النظام في دمشق وراء الجريمة، "كلّه" على الأقل. ويؤكّد اليوم بعد مرور نحو خمسة عشر شهراً على الجريمة الإرهابية أنه إذا أسفر التحقيق الدولي عن اتهامات معيّنة في سوريا، فعلى دمشق التعاون.
وبالمناسبة فإن الرواية الآنفة لبريماكوف وردت في فصل كامل من كتاب له قيدَ الصدور حالياً.
من هنا يبدو واضحاً أن نقطة الانطلاق في السياسة الروسية الإقليمية الراهنة، هي الشعور بـ"الخطر الإيراني" النووي، وإن التعاطي الروسي مع سوريا يهدف الى فكّ ارتهانها الى إيران من ناحية وإلى استعادتها الى الأسرة الدولية تحت سقف تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، ما يتعلق منها بالتحقيق الدولي والمحكمة الدولية وما يتعلّق منها باستقلال لبنان وسيادته وحريّته.. من ناحية ثانية.
لبنان بين سوريا وإيران
وفي هذا الإطار، وإذ تشدّد موسكو على دعمها للبنان المستقلّ، فإنها ترى أن ثمة ارتباطاً للوضع في لبنان بإيران وسوريا، أي أن "الحل" في لبنان محكومٌ الى حدّ معيّن بانتظار ما ستؤول إليه التطورات مع طهران ودمشق، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أنها تضيف نفسها الى الدول الأخرى المساندة للقضية اللبنانية، وأنها ستعمل على الصعد كافة لا سيما في إطار مجلس الأمن الدولي، من أجل مساعدة لبنان. ولذلك فهي تنصح اللبنانيين ببعض "الصبر"، وتشدّد على أهمية استمرار الحوار الوطني باعتباره الإطار الوحيد في انتظار اتضاح الصورة الإقليمية ـ الدولية في الأسابيع المقبلة، وهذا ما حدا مسؤولاً روسياً رفيعاً الى القول "استمرّوا في الحوار الى الأبد".
"حزب الله" و"الحل الإقليمي"
وفي امتداد هذه القراءة الروسية للوضع اللبناني بعلاقته مع الوضع الإقليمي ـ الدولي، كان لافتاً خلال محادثات زعيم "تيّار المستقبل" أو "زعيم الأكثرية" كما سمّاه الرئيس فلاديمير بوتين، أن أياً من المسؤولين الروس لم يسأل عمّا يسمّى "الحل اللبناني" لموضوع سلاح "حزب الله"، أي أن أياً منهم لم "يشغل" نفسه في الاستفسار عن الاقتراحات المتداولة في هذا الخصوص.
ولم يكن خافياً أن إغفال الإشارة الى هذا الأمر ليس سهواً، إنما يعكس قناعة روسية على ما يبدو بأن الموضوع لا حلّ له خارج الإطار الإقليمي، ولا حسم فيه إلاّ بـ"حل إقليمي" في نهاية المطاف.
في ضوء ما تقدّم، من الواضح أن ما سمّي جديداً روسياً هو في حقيقة الأمر تطوّر في السياسة الروسية مبنيّ على قراءة للأخطار في المنطقة، تؤدي ـ القراءة ـ الى تعديل في الأولويات. والحال أن هذا التطوّر المنطلق من الشعور بـ"الخطر الإيراني" النووي، يقود الى انسجام على مستوى القرار الدولي أو الى نوع من "التناغم". ومما لا شك فيه أن في ذلك فائدةً للبنان ولمساره الاستقلالي والديموقراطي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00