بعيد اغتيال الشهيدين في "الجهاد الإسلامي" محمود ونضال المجذوب في صيدا الجمعة الفائت، سارعت أطراف فلسطينية موالية لدمشق إلى تكرار ما دأبت على تكراره في الأسابيع الأخيرة لجهة ان للسلاح خارج المخيمات الفلسطينية وظيفةً لم تنتهِ ولن تنتهي ما استمر الصراع مع إسرائيل، وإلى تأكيد ان هذا السلاح هو الذي يحمي الفلسطينيين ويشكّل لهم الضمانة. واعتبرت هذه الأطراف ان عملية الاغتيال الأخيرة تعطي موقفها قوة وتمنحه الحجة وتزيده صدقية.
من جهته، جاهر "حزب الله" بتغطيته بقاء السلاح خارج المخيمات. قبل الاغتيال، ركّز خطاب الحزب على أن لا شيء اسمه نزع السلاح خارج المخيمات بل حوار "مديد" للتوصل إلى حلّ "متكامل" للموضوع الفلسطيني في لبنان. وبعد الاغتيال، وإذ اعتبره خرقاً إسرائيلياً للسيادة اللبنانية، أكد الحزب ان الاغتيال يثبت ان إسرائيل تشكّل مصدر تهديد مستمر للبنان ويثبت أن لا ضمانات دولية تردع العدوان الإسرائيلي.
على ان التطورات التي تلت الاغتيال في صيدا، لا سيما اطلاق صواريخ "فلسطينية" على العمق الإسرائيلي، وقيام الطيران الإسرائيلي المعادي بتوجيه ضربات جوية إلى مواقع فلسطينية خارج المخيمات، تطرحُ مجموعة من الملاحظات والأسئلة الرئيسية.
الترسانة الفلسطينية
بداية، وكي يكون النقاش منطقياً وجدياً، لا بدّ من التشديد على ما هو مسلّم به سلفاً، أي ان إسرائيل هي مصدر الاعتداءات وانها مصدر الخطر، الأمر الذي يتطلب وجود خطة دفاعية تواجه الخطر والعدوان الإسرائيليين.
بيد ان التطورات خلال الساعات الماضية، أظهرت مجموعة من الوقائع التي لا يمكن المرور بها سريعاً.
أظهرت التطورات ان "الجهاد الإسلامي" التي لم يكن قبل الآن ثمة معلومات عن امتلاكها أسلحة "استراتيجية"، تمتلك أسلحة خارج المخيمات فيما كان الظنّ انّها تركّز على الداخل وليس على الحدود اللبنانية.
لكن التطورات أظهرت في الواقع ان المنظمات الفلسطينية الموالية للنظام السوري ـ ولإيران ـ تمتلك على الأرض اللبنانية ترسانة من الأسلحة، أي انها تشكل "جيوشاً" خارج المخيمات الفلسطينية مما يتيح لها التصرّف وقت تشاء ومن دون حساب لسياسة لبنان ولقدراته.
ثلاث جهات ـ دول على أرض لبنان
وأكثر من ذلك، ظهر لبنان أمس في مشهدٍ "مريب" حيث ثمة ثلاث جهات تتساوى في حق اتخاذ القرار على الأرض اللبنانية، لا بل إن أقل الجهات قدرة على ممارسة القرار هي الدولة اللبنانية. ظهر إذاً ان الدولة جهة وان المقاومة ـ مقاومة "حزب الله" ـ جهة ثانية، وأن الفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا جهة ثالثة. والحال، ان ذلك لا يمثّل فقط انتقاصاً "نظرياً" من سيادة القرار اللبناني، انما يعني ان ثمة ثلاث استراتيجيات على الأقل على أرض لبنان.
غير ان ما يقتضي طرحه في ضوء الأحداث الأخيرة وتطوراتها، هو موقف "حزب الله". فإذا كان من نافل القول ان الحزب غطّى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات حتى الآن، ولم يُدِن الاعتداء الذي تعرّض له الجيش في البقاع، وإن كان "أسف" لما حصل، فإن ما يلفت مؤخراً هو ان الحزب يرتضي على ما يبدو "تجاور" السلاح الفلسطيني خارج المخيمات مع جواره، حتى ان معلومات تحدثت في الفترة السابقة عن إقامة قواعد عسكرية فلسطينية في مناطق عمليات "المقاومة الإسلامية". وهنا، ثمة استنتاجان: فإما ان "حزب الله" موافق على هذا "التجاور" وينسّق معه، وعندئذٍ يكون ما جرى أمس منسّقاً معه، وإما ان هذا التجاور مفروض عليه ويحشره، وفي الحالتين هو مطالب بتوضيحات كافية، لا سيما ان البلد كان حتى الأمس القريب أمام سلاح وحيد خارج الدولة، معترف له بدور ووظيفة هو سلاح "حزب الله".
ماذا يعني إعلان جبريل التنسيق مع "حزب الله"؟
ولما كان الأمين العام لـ"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" أحمد جبريل واضحاً في مقابلته مع الزميلة "البلد" أمس في القول ان ثمة تنسيقاً بين جبهته و"حزب الله" وان ثمة عمليات مشتركة بين الجانبين ضد اسرائيل، فان احتمال ان يكون تجاور السلاحَين مفروضاً يغدو احتمالاً ساقطاً لمصلحة كون التجاور هذا خياراً منطلقاً من حسابات العلاقات السورية والايرانية للحزب.
المشهد الحالي على أرض لبنان مرفوض
المشهد الحالي على أرض لبنان يعني عدم سيادة الدولة وقرارها. وهو مرفوض من زاوية أن أي وظيفة للسلاح خارج المخيمات لم تعد قائمة منذ انتقال الصراع الفلسطيني مع اسرائيل الى الداخل. وهو مرفوض من زاوية ان هذا السلاح يؤدي دوراً مطلوباً من النظام السوري لمنع استقرار لبنان.. وهو مرفوض لأنه يعطي لاسرائيل ذريعة نقل الصراع مع الفلسطينيين الى لبنان، ويضع لبنان في موقع ضعف سياسي حيال اسرائيل، إذ بدلاً من أن يكون لبنان في موقع "المشتكي" يغدو في موقع "المشتكى عليه". والأخطر من كل ذلك، هو تحويل لبنان لحسابات اقليمية الى ساحة مجدداً.
لماذا قطع نصر الله الطريق على الجيش؟
وهنا يبرز سؤال ملح: عن أي استراتيجية دفاعية يتحدث "حزب الله"، خاصة في ضوء أحداث الساعات الماضية؟.
لقد استمع المشاركون في مؤتمر الحوار الوطني الى عرض للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حول الاستراتيجية الدفاعية. وسمع اللبنانيون الأسبوع الماضي السيد نصر الله يشرح محاور هذه الاستراتيجية التي عاد وقال إنها مبنية على ما هو قائم الآن.
قدم نصر الله حيثيات عديدة لـ"استراتجيته". ومع انه أعلن استعداده للحوار حول بدائل منها، فإنه سارع الى قطع الطريق على هذه البدائل. قال إن الضمانات الدولية مرفوضة وان اتفاقية الهدنة مرفوضة، وفي جلسات ضيقة أبدى رفضه لـ"النموذج السوري" في الجولان القائم على الاحترام المتبادل السوري والإسرائيلي لخطوط وقف اطلاق النار المرسومة منذ العام 1974. غير أن المرجع الأول في الحزب بادر الى تسديد ضربة الى البديل الأكثر صدقية أي الجيش، جيش الدولة.
ما الحاجة إلى "حرب عصابات" بعد التحرير؟
اعتبر نصر الله ان الجيش ضعيف، وأن وضعه في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية ضربٌ من المغامرة، ورأى أنه الى حين قيام الدولة القوية والجيش القوي، لا بديل من بقاء المقاومة وسلاحها الى جانب الجيش.
لم يكتف الأمين العام لحزب الله بالقول ان عدم موافقته على تولي الجيش استراتيجية الدفاع عن لبنان يعود الى أن النموذج النظامي للمواجهة مع اسرائيل لا ينفع في مقابل نموذج "حرب العصابات". لم يكتف بذلك مع أنه حتى في هذا العنوان لم يشرح الحاجة الى "حرب عصابات" بعد التحرير، ولم يقل للبنانيين لماذا لا يتحقق "توازن الردع" أو "توازن الرعب" من خلال جيش مقتدر.
.. ولماذا اعتبار الجيش ضعيفاً؟
ولم يشرح لماذا "اكتشف " بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من عملية بناء الجيش و"التغني" بوطنيته وبـ"حمايته" للمقاومة، أن هذا الجيش ليس مؤهلاً للدفاع عن لبنان؟. ولم يوضح لماذا إذا انضمت فعالية المقاومة ـ خبراتها وتسليحها ـ الى الجيش، لا يكون هذا الجيش قوياً؟ وهل فعلاً أن الجيش غير قوي أو أن إمكان أن يصير قوياً غير متوافر؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها، أي أن "حزب الله" يتعاطى مع الجيش لسبب ما أو لعدة أسباب على أنه "خصم"؟. وأكثر ما يلفت في خطاب الحزب هو أنه يتحدث كثيراً عن مشروع الدولة وعن بناء الدولة، في حين أنه ـ بالممارسة ـ لا يُخلي أحد أهم "معالم" الدولة للدولة، أي السيادة على الأرض والسلاح بعد انجاز التحرير.
ثم، يبدو من الملح تماماً بعد تطورات الساعات الأخيرة، أن يشرح "حزب الله" علاقة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات بالاستراتيجية الدفاعية عن لبنان وموقع هذا السلاح من هذه الاستراتيجية. ذلك أن ما حصل أمس، إذ كشف حجم التسلح الفلسطيني، يكشف في الوقت نفسه الخطر على الاستراتيجية الدفاعية نفسها، لأن الموضوع لم يعد مرتبطاً بـ"حدود" لبنان ومصالحه، بل غدا موضوعاً متصلاً بتحويل لبنان الى "ساحة" استراتيجية "أمام" سوريا وجزء من الفلسطينيين.
ما علاقة السلاح الفلسطيني بالاستراتيجية الدفاعية؟
هكذا إذاً يتبين ان النقاش مع "حزب الله" ليس نقاشاً في كون اسرائيل عدواً للبنان أو لا، وليس نقاشاً في ما إذا كان لبنان بحاجة إلى امتلاك استراتيجية دفاعية "حقيقية" أم لا، انما هو نقاش في أية استراتيجية للبنان في موقع "الدفاع" عن نفسه، ونقاش في ما إذا كانت الاستراتيجية "لبنانية" أو بالنيابة عن آخرين.
على كل حال، اختتم السيد نصرالله خطابه في عيد التحرير، بإعلان الإصرار على متابعة الحوار وقال كلاماً دقيقاً ومهماً في العديد من العناوين لا سيما في مجال تأكيده على رفض الثنائيات والثلاثيات الطائفية. وعلى هذا الأساس ـ أي استمرار الحوار ـ من المفترض أن ينتظر الأمين العام لحزب الله في الثامن من حزيران المقبل أسئلة سياسية كثيرة حول ما طرحه في موضوع الاستراتيجية الدفاعية قبل أن يسمع الأجوبة والاقتراحات. وفي مقدّم الأسئلة، ما يتعلق بتحديد موقف واضح من السلاح خارج المخيمات الفلسطينية، وما يتعلق بوجود استراتيجية فلسطينية ـ سورية في لبنان، وبالتنسيق الذي قال أحمد جبريل انه قائم مع "حزب الله".
ولا شك ان ما جرى أمس، بقدر ما يستدعي إدانة لبنانية للاعتداءات والغارات الإسرائيلية، يستدعي تأكيد الموقف اللبناني بضرورة سحب السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الذي تمتلكه فصائل موالية لمحور دمشق ـ طهران، ولا يخفى ان "حزب الله" يتحمّل المسؤولية سياسياً عن "تغطية" هذا السلاح الذي يضرّ بقاؤه بالقضية الفلسطينية كما بالقضية اللبنانية.
وإذا كان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة باشر تحركاً عربياً حول هذه المسألة، فالمطلوب دعم التحرك بدلاً من اتهام "حزب الله" للسنيورة باستدراج مفاوضات مع إسرائيل، لأن ربط "حزب الله" لمقاومته بالسلاح الفلسطيني تضرّ أول ما تضرّ بالمقاومة نفسها. باختصار، يجب وضع القرار الذي اتخذه مؤتمر الحوار بالإجماع حول سحب السلاح الفلسطيني، موضع التنفيذ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.