8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بعد منتصف حزيران محطة أخرى في المعركة حول الرئاسة

عندما أخفق المتحاورون في الجولات السابقة في الاتفاق على تنحية رئيس التمديد السوري إميل لحود وفي الاتفاق على حصول تغيير رئاسي تالياً، استنتج فريق 8 آذار على طاولة الحوار ـ والذي يضم العماد ميشال عون فعلياً ـ أن البحث في المسألة الرئاسية أقفل نهائياً وأن إميل لحود باقٍ في بعبدا في ما تبقى له من ولايته الممددة.
لم تكن تلك وجهة نظر فريق 14 آذار. فقد جادل أركانه كثيراً في صيغة الإعلان عن عدم الاتفاق على التغيير الرئاسي، ورفضوا بإصرار استخدام تعبير "إقفال" البحث. وفي ذهنهم إذ رفضوا هذا التعبير، أمران: الأول هو أن القول بـ"إقفال" الملف يعني بشكل ما إلغاء الاتفاق الذي بدأ مؤتمر الحوار الوطني به على أن ثمة أزمة رئاسة والثاني هو أن عدم الاتفاق على التغيير الرئاسي الآن مرتبط بظروف، وأن العودة إلى بحث هذا الموضوع ممكنة في ظروف متغيرة، في مرحلة لاحقة.
لم يكن فريق 14 آذار يجادل في المخرج اللغوي لما سماه ا لخصوم مأزق استعجال حركة 14 آذار لإسقاط لحود، كما لم يكن في صدد ربط نزاع حول الموضوع، ولا في مجال الإعلان عن احتفاظه بـ"حقه" في متابعة المعركة ضد لحود، منفرداً. كل هذه الأسباب واردة، ووارد "نظرياً" احتمال أن يبقى لحود خلال هذه الفترة، وبقاؤه مأخوذ على أنه أسوأ الاحتمالات. غير أن ما كان 14 آذار يسلط الضوء عليه منذ ذلك الحين هو اقتناعه بأن عملية إنهاء ولاية لحود بدت بحاجة الى مرحلة إضافية أو الى محطات إضافية.
المحطة المقبلة: تقرير براميرتس
وفي هذا المجال، يبدو واضحاً ان ثمة محطة مقبلة غير بعيدة للمعركة حول الرئاسة.
فبعد القرار الدولي الجديد رقم 1680 الذي وردت في "متنه" إشارة الى عدم حصول انتخابات رئاسية حرة إنفاذاً للقرار 1559 الصادر مطلع أيلول 2004، وذلك في سياق استعراض القرار الجديد لما لم يتم تطبيقه من القرار السابق، تتجه الأنظار الى التقرير الثاني لرئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي سيرج براميرتس في الخامس عشر من حزيران المقبل. وما يقال في الأروقة الديبلوماسية، هو أن تقرير براميرتس الذي يتزامن مع قرب الاتفاق اللبناني ـ الدولي على تشكيل المحكمة الدولية ويتزامن مع اقتراب الاتفاق على تعيين مدع عام دولي، لا بد له ـ أي تقرير براميرتس ـ أن يكون متضمناً ما يؤشر الى التقدم في التحقيق، وما يتناسب مع التقدم في عملية الانتقال باتجاه المحكمة الدولية التي يفترض أن يكون أمامها ملف واضح، يزداد وضوحه تباعاً مع استمرار التحقيق.
واشنطن وموسكو: تأكيد لجدية نتائج التحقيق
وفي هذا الإطار، كان الموقفان الأميركي والروسي واضحين تماماً خلال الأيام الأخيرة. ففي واشنطن سمع وفد 14 آذار من المسؤولين الأميركيين الذين التقاهم، لا سيما من المندوب الأميركي في الأمم المتحدة جون بولتون، كلاماً جازماً وحازماً بشأن التحقيق الدولي. في الجانب "الجازم" أن تحقيقات براميرتس وصلت الى الاستنتاجات نفسها التي كان سلفه الألماني ديتليف ميليس وصل اليها حول مسؤولية النظام الأمني السوري ـ اللبناني عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. أما في الجانب "الحازم" من الكلام الأميركي فتأكيد على السير حتى النهاية في المحاكمة الدولية وعلى معاقبة القتلة، وعلى إجبار المعنيين على "التعاون".
أما في موسكو، فقد كان لافتاً وعلى مسافة قريبة من موعد تقرير براميرتس، أن المسؤولين الروس أكدوا لرئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري إصرارهم على معرفة الحقيقة في جريمة إغتيال الرئيس الحريري وموافقتهم الحاسمة على قيام المحكمة الدولية، تماماً كما كان لافتاً الاستقبال الذي أحيط به الحريري والمواقف الروسية الرسمية المنتقلة الى استخدام مفردات غير مألوفة سابقاً لدى مقاربة المسألة اللبنانية من مثل "التحالف الاستراتيجي" بين روسيا ولبنان.
المحقق الدولي يعيد الاعتبار الى احتمال التفجير "تحت الأرض"
إذاً، في العاصمتين، تأكيد لجدية التحقيق الذي يقوم به براميرتس، واطمئنان في واشنطن خصوصاً الى الخلاصات التي يتوقع أن يصل اليها تقرير 15 حزيران المقبل. واللافت في هذا المجال أن ذلك كله يتزامن مع قيام رئيس فريق التحقيق الدولي بـ"إعادة الاعتبار" بقوة الى احتمال حدوث التفجير في موكب الرئيس الشهيد من تحت الأرض في 14 شباط المشؤوم من العام 2005، وهو الاحتمال الذي لو جرى تأكيده أدى الى حسم الجهة أو الجهات المنفذة للجريمة.
التوتر السوري في كلام سليمان فرنجية
على أن ثمة جانباً آخر من "الصورة" يمكن ـ ويجب ـ النظر اليه من هنا أي من لبنان. فليس خافياً على أحد أن تصاعد الهجوم السوري على لبنان تزامن مع بدء بحث لجنة التحقيق الدولية مع الجانب السوري في تحديد موعد لها لـ"مقابلة" الرئيس بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع، وقد ارتفعت وتيرة التصعيد بعد "المقابلتين".
وواكب الفريق الموالي للنظام السوري التصعيد الآتي من دمشق بمواقف ذات دلالة واضحة.
أطل النائب السابق سليمان فرنجية إعلامياً بعد أيام قليلة فقط من عشاء غير سري الى مائدة الأسد. و"تميزت" تلك الإطلالة الإعلامية لسليمان فرنجية بأنها كانت حملة حاقدة على الرئيس الشهيد وعلى آل الحريري، هدفها خدش صورة الرئيس الحريري التي اكتسبت "قدسية" الاستقلال خلال العام الماضي، وإعادة الرئيس الى حلبة الجدل ولو شهيداً. و"تميزت" الإطلالة الإعلامية لفرنجية أيضاً بحملة على المحاكمة الدولية من مدخل الحديث عن النفقات التي سيتكبدها لبنان من أجل قيام المحكمة، فأشار الى كلفة ستقارب المليار دولار وستثقل كاهل لبنان الغارق في دين عام مرتفع (!). واللافت ان هذه "الحجة المالية" تكررت على لسان العماد ميشال عون في مقابلة تلفزيونية، واستعارها وئام وهاب أيضاً. وبما أن سليمان فرنجية عرف بـ"مهارة" وحيدة هي الإفصاح عما يطلب الأسد منه قوله، فمن الطبيعي أن يكون فرنجية استمع الى توجيه من الأسد بشأن الهجوم على الشهيد.
ودافع فرنجية بعد لحود، ومع آخرين من بينهم عون، عن الضباط الأربعة الموقوفين والمشتبه بضلوعهم في جريمة الاغتيال، وطالبوا بإطلاقهم.
"الجبهة" الموالية لدمشق
أما في الجانب "السياسي" من المواكبة، فبرز التحضير لإطلاق "الجبهة" الموالية للنظام السوري، والتي يتضح تباعاً أن الشخصيات التي تحفظ كرامتها والتي لا تريد إنهاء دورها السياسي لن تنضم اليها. وما يجمع بين الأسماء المتداولة في هذه "الجبهة" أو "اللقاء السياسي" كما سمّاه الرئيس عمر كرامي، هو أنها جميعاً أسماء لمتضررين من التحقيق الدولي بمعنى أنها كانت في موضع مساءلة عن معلوماتها حول الجريمة بحكم وجودها في موقع المسؤولية عند حصولها.
إذاً، يستدل على أن ثمة محطة مقبلة بعد 15 حزيران المقبل، في الفترة بين نهاية حزيران ومطلع تموز، انطلاقاً من تقرير براميرتس، من معطيَين: المعطى الدولي حيث تأكيد من العواصم الدولية على جدية التحقيق وتقدمه واستنتاجاته، والمعطى المحلي حيث التوتر المصاحب للتصعيد السوري في لبنان على خلفية التحقيق.
15 حزيران وأسئلته
لا شك بناء على ما تقدم، أن موضوع الرئاسة سيعود الى الواجهة بعد منتصف حزيران. ذلك أن التقرير عن التحقيق والذي يفترض أن يغدو بعد ذلك في عهدة ادعاء عام دولي ومحكمة دولية، لا بد أن يعيد تحريك الموضوع الرئاسي سواء من زاوية المسؤولية السياسية، أو من زاوية مسؤولية الموقع، أو المسؤولية الأدبية والأخلاقية، أو مسؤولية فريق مقرب أو غيرها من المسؤوليات.
ولا يمكن تصور صدور تقرير جديد عن التحقيق الدولي، يخاطب الرأي العام الخارجي والدولي، ويخاطب اللبنانيين، ويتجه نحو محكمة دولية بخطى حثيثة، بدون انتظار تحرّك جديد للمسألة الرئاسية. وأكثر من ذلك يتوقع عديدون أن يؤدي التقرير عن التحقيق الدولي بالمواصفات المذكورة الى احتدام الصراع حول المسألة الرئاسية لا بل الى نوع من المنازلة السياسية الكبرى حول الرئاسة.
ماذا سيكون موقف الجنرال عون بعد التقرير، وماذا سيكون دفاعه عن مقام الرئاسة، وهل سيندد بـ"افتراق" الرئيس فؤاد السنيورة عن إميل لحود في شرم الشيخ؟.
ماذا سيكون موقف "حزب الله" بعد التقرير، وهل ستبقى صورة لحود "بطلاً مقاوماً"، وهل سيستمر في تنظيم الوفود الى بعبدا للإشادة بقاطن القصر؟.
أسئلة كثيرة يمكن طرحها منذ الآن، والأجوبة عنها لن تتأخر في الظهور.
البطريرك
بيد أن ما يجدر التوقف عنده بمعزل عن التحقيق الدولي وتقرير براميرتس، هو ما أدلى به البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير في باريس من مواقف تتعلق برئاسة الجمهورية توصيفاً لواقع الرئاسة الحالية وفقدانها هيبتها ومضمون دورها، وتعييناً لمواصفات الرئيس العتيد. فبعض من أصحاب النظر القصير لم يروا في ما قاله البطريرك جديداً لكن عديدين وجدوا في هذه المواقف تمهيداً معيناً لمرحلة متغيرة آتية.
على أي حال، لا شك في أن ثمة محطة جديدة مقبلة بالنسبة الى رئاسة الجمهورية. وتوقيت المحطة بعد منتصف حزيران ليس توقيتاً اختيارياً، بل هو متصل باستحقاق على صعيد التحقيق الدولي. وموقع الرئاسة الحالي سيصاب بمزيد من الاهتزاز لكن لا داعي لتحديد مواعيد لـ"نهاية" المعركة وتواريخ لسقوط لحود. فبعد منتصف حزيران محطة أخرى وليس بالضرورة موعد أخير حتى لو كانت هذه المحطة أساسية وحاسمة في أمور كثيرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00