8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ثنائيّة المقاومة والجيش تعني أحادية المقاومة

أنهى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله العرض المطوّل الذي قدّمه أمام مؤتمر الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية وسلاح المقاومة باقتراح عملي وحيد هو "التنسيق" بين المقاومة والجيش. هذا ما أكده مشاركون في الحوار استمعوا الى السيّد نصرالله فـ"اكتشفوا" أنه في واقع الأمر لم يعرض جديداً وأنه يكرّر الدعوة الى قيام نوع من الثنائية بين المقاومة والجيش، وهي، أي الثنائية، صيغةٌ كانت قائمة حتى الآن، علماً أن اليد الطولى فيها هي لحزب الله.
هكذا تغدو الاستراتيجية الدفاعية على لسان نصرالله مرادفة لثنائية المقاومة ـ الجيش. ومَن يستمع الى قادة "حزب الله" خلال الأيام الأخيرة، وتأسيساً على كلام السيّد، حيث يغيب الحديث عندهم عن الجيش، لا يساوره الشك في أن الثنائية تُخلي مكانها لـ"أحادية" المقاومة، بحيث تُختصر الاستراتيجية الدفاعية بالمقاومة.
ما هي الأهداف اللبنانية بعد مزارع شبعا؟
غنيّ عن القول في هذا المجال أن الاقتراح المشار إليه يشكو من عدد لا يُستهان به من "الهِنات الهيّنات".
فبالإضافة الى أنه يعني ـ نظرياً وعملياً ـ بقاء الوضع على ما هو عليه، أي بقاء المقاومة وسلاحها الى "ما شاء الله"، فإن ما يلفت في "الاقتراح"، هو أن "حزب الله" لا يربط استمرار المقاومة بسلاحها كإطار مستقلّ، بأهداف واضحة ومقنعة. ذلك أن للمقاومة ـ أية مقاومة ـ هدفاً أو مجموعة أهداف إن هي تحقّقت انتفت الحاجة الى استمرارها. لذلك، كان مفهوماً مثلاً أن يُقال أن المقاومة مستمرة، وأن يجري الحديث عن ثنائية المقاومة والجيش، لو ربطَ هذا الأمر بتحرير مزارع شبعا ـ وتلال كفرشوبا ـ وباستعادة الأسرى من السجون الإسرائيلية، لكن التمسّك ببقاء المقاومة وسلاحها في إطار مستقلّ على نحو "مفتوح" يثير أكثر من تساؤل وعلامة استفهام.
من هنا، فإن أول ما يشكو منه عرض "حزب الله" ليس الإصرار على بقاء المقاومة وسلاحها الى أن تتحرّر مزارع شبعا ويستعاد الأسرى، بل الإصرار على استمرار المقاومة والسلاح بشكل مفتوح ومن دون تحديد الأهداف. ولذلك، كان يتوجّب على "حزب الله" وقائده أن يقولا للبنانيين متى تنتهي وظيفة المقاومة وسلاحها "المستقلّ".
النقاش حول استمرار وظيفة المقاومة أو انتفائها
ولا يخفى على "حزب الله" أن "المقاومات" في التاريخ انتهت عندما تُنجز تحرير الأرض، أرضها الوطنية، وغالباً ما تنتهي لصالح دولها الوطنية بعد التحرير، فتعود تلك المقاومات الى مجتمعاتها المدنية وإلى الدول. كما لا يخفى على "حزب الله" أن النقاش في لبنان حول وظيفة المقاومة ـ إستمرارها أو انتفاؤها ـ بدأ مباشرة بعد التحرير في العام 2000، ودار هذا النقاش "غير المتكافئ" يومَها بين وجهتي نظر رئيسيّتين: الأولى إعتبرت منذ ذلك التاريخ أن وظيفة المقاومة انتهت بتحقق إنجاز التحرير، وإن استمرارها بعد ذلك يعني أن المقاومة تتحوّل من مقاومة لبنانية الى مقاومة إقليمية، أما وجهة النظر الثانية، وهي وجهة نظر "حزب الله" أساساً فقالت أن التحرير غير ناجز وطالما أن ثمة أرضاً لبنانية محتلّة فإن المقاومة ستستمرّ. وليس خافياً على "حزب الله" أيضاً أن "انتصار" وجهة نظره في تلك الحقبة لم يكن انتصاراً للحجّة بل كان ناجماً عن توازن قوى ضد وجهة النظر الأولى وأصحابها، وأن "ضمّ" المزارع الى الأرض الوطنية شكّل المظلّة.
عندما لبنن "حزب الله" المزارع لتستمرّ المقاومة
على أن اللافت في تلك الفترة، وعلى الرغم من عدم رجحان وجهة النظر القائلة بانتهاء وظيفة المقاومة بعد تحرير العام 2000، هو أن "حزب الله" وكي تنتصر وجهة نظره القائلة بالاستمرار، اضطرّ الى إدراج مقاومته في سياق لبناني، أي أنه "لبننها" عبر "لبننة" مزارع شبعا. ويمكن الآن ـ بمفعول رجعيّ ـ فهمُ أن "لبننة" المزارع من قبل الحزب ـ بالتفاهم مع دمشق ودولة الوصاية في لبنان ـ لم تكن تُخفي رهاناً معيّناً على أن هذه "اللبننة" لا تلزمُ المجتمع الدولي بالاعتراف بلبنانية مزارع شبعا، وأن هذه "اللبننننة" لا تُلغي واقع ارتباط المزارع بالجولان السوري المحتلّ بحسب المجتمع الدولي، وأن المقاومة وسلاحها يمكن تالياً أن يبقيا الى فترة طويلة. كذلك، يمكن الآن فهم لماذا "ينتفض" الحزب على كل الاقتراحات التي قدّمت لإثبات لبنانية المزارع وتحديدها أمام المجتمع الدولي. ذلك أن هذا الإنزعاج من قِبله هو نوعٌ من الاحتجاج على توازن القوى المستجّد الذي يرجـّح وجهة النظر المغايرة، والذي لا يغطّي التباساً يوظّف باتجاه نوع من الاستمرار "المفتوح".
إذاً، مِن وجهة نظر كثيرين، يشكو العرض المقدّم من "حزب الله" مِن عدم تحديد متى تنتهي وظيفة المقاومة لبنانياً، ومِن عدم تحديد الأسباب الداعية الى استمرار المقاومة كإطار مستقلّ بعد مزارع شبعا واستعادة الأسرى، ويشكو من إبقاء الغموض حول المرحلة التالية.
لماذا خارج الدولة أو بالتوازن معها؟
على أن أهم ما يشكو منه الطرح إذ يستبقي جيشاً موازياً لجيش الدولة بعد التحرير، هو عدم اعترافه بـ"الدولة". فالحديثُ عن استراتيجية دفاعية للبنان تحميه من الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية بعد الإنجاز "الكامل" للتحرير، لا يستقيمُ مع الحديث عن "تنسيق" بين "إطارَين" أو "صعيدين"، أحدهما ـ أي المقاومة ـ خارج الدولة. ولا يمكن أن يكون ثمّة التزامٌ بقيام الدولة في مجال، والتحلّل من هذا الالتزام في مجال آخر.. فإما أن الحزب جزء من عملية تأسيس الدولة وإمّا أنه خارج هذه العملية. فلا استراتيجية دفاعية خارج الدولة، وحتى لو وافقت الدولة ـ بتوازن قوى معيّن ـ على وجود حالة عسكرية موازية لها ومنسّقة معها، فلن تكون هذه الحالة الموازية جزءاً من شرعية الدولة. والاستراتيجية الدفاعية هي التي يصوغها الأطراف المشاركون في الدولة لتلتزم بها بأدواتها، وليست تلك التي يأخذ الأطراف "امتياز" تنفيذها. بكلام آخر، إن الاستراتيجية الدفاعية هي سياسة الدولة وتنفّذها الدولة. أما كيف تنضمّ المقاومة الى الدولة أو كيف تُضمّ إليها وبأي صيغة، فذلك نقاشٌ آخر.
أسئلة حول الأبعاد الإقليمية
ثمّة قناعةٌ لدى القسم الأكبر من المشاركين في مؤتمر الحوار ممّن استمعوا الى عرض السيد نصرالله وشروحه، بأن ما جرى عرضُه يهدفُ الى "تأبيد" المقاومة وسلاحها، حتى بانتهاء الهدف بعد إنجاز التحرير. وإذا كان جرى، في ما تقدّم، تبيانُ الداعي الأساسي الى تخوّف شطر رئيسي من اللبنانيين حيال اقتراحات "حزب الله"، بما هو "التوازي" مع الدولة وليس الاندراج ضمنها، فإن ثمّة عوامل أخرى تثير مخاوفهم.
العامل أو المعطى الأول، هو أن ثمة فرصة تاريخية هي الأولى منذ انتهاء الحرب اللبنانية وإقرار إتفاق الطائف، لتحقيق مشروع الدولة، تماماً لأن لبنان تحرّر من الاحتلال الإسرائيلي واستعاد استقلاله من الوصاية السورية. وبهذا المعنى، فإن ما يطرحه "حزب الله" بعيدٌ جداً عن منطق قيام الدولة.
المعطى الثاني، هو أن الإصرار على بقاء المقاومة وسلاحها بالتوازي مع الجيش ـ جيش الدولة ـ مع عدم تحديد الدوافع وراء التمسّك بالوجود "المستقلّ"، أمرٌ يدفع عن التساؤل عن الأبعاد الإقليمية التي "تحكم" رؤية "حزب الله"، وما إذا كان يتصرّف بوصفه "إحتياطياً" لبنانياً لمحور إقليمي، هو في ذهن عديدين المحور السوري ـ الإيراني، أو ما إذا كان يعدّ نفسه لـ"مهمّات" إقليمية لا يُفصح عنها الآن ويستبطنها وتقتضي منه الاحتفاظ بما هو قائم.
.. وحول بقاء السلاح في يد الشيعة
أما العامل الثالث الذي يثير مخاوف قسم كبير من اللبنانيين، فهو أن احتفاظ "حزب الله" تحت أي عنوان من العناوين، بكيانه وهيكليّته العسكريّين وبسلاحه، يعني بالنسبة إليهم أن طائفة بعينها ـ أو قسماً رئيسياً منها ـ تحتفظ بالسلاح دون سائر الطوائف الأخرى، في وقت يعتبر هذا القسم الكبير من اللبنانيين أن الطائفة الشيعية ليست بحاجة الى هذا السلاح، وأن السلاح في يدها أو يد فريق أساسي منها، لا يشكل ضمانةً لها، لأن لا ضمانة لكل الطوائف إلاّ بالدولة العادلة.
هكذا إذاً، إن ما رشَح عن خلاصة مداخلة السيد حسن نصرالله حول الاستراتيجية الدفاعية في مؤتمر الحوار، يثير نقاشاً واسعاً ويطرح أسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة، ويطلق هواجس ومخاوف كثيرة، لا يردّ عليها الاستحضار "المبسّط" لنظرية المؤامرة على المقاومة، ولا تردّ عليها الاتهامات التي يكاد "حزب الله" يوجّهها الى كل من لا يسلّم باقتراحاته أو يشهر معارضةً ما لها.
وما رشَح عن خلاصة مداخلة السيد نصرالله حول الاستراتيجية الدفاعية، يطرح استفهامات تكاد لا تنتهي عن الربط الذي يُدفع إليه لبنان بينه وبين الصراع الإقليمي ـ الدولي في المنطقة وليس بينه وبين مقتضيات الالتزام بالصراع العربي ـ الإسرائيلي.
أداء "حزب الله" في الحوار متناقض
وما يحرّك الأسئلة والاستفهامات الكثيرة، هو أن أداء "حزب الله" في مؤتمر الحوار بدا متناقضاً الى حدّ كبير. فإذ لا ينسى قسمٌ كبير من المناقشين أن الحزب وافق، خلال بعض جولات الحوار، على مطالب لبنانية، فإنهم يستغربون في الوقت نفسه أن يحيط موقفه في موضوع الاستراتيجية بقليل من الاعتبار لفكرة الدولة ولـ"اللبننة".
وافق "حزب الله" على قيام علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا. ووافق على تحديد الحدود اللبنانية ـ السورية. ووافق على تثبيت لبنانية مزارع شبعا وتحديدها على الرغم من أنه عاد وأوضح أنه ليس مع ترسيمها في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي.. عدا عن موافقته على المحكمة ذات الطابع الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتوسيع صلاحيّات لجنة التحقيق الدولية. وبكلام آخر، وافق الحزب على عناوين "لبنانية" صرفة، وهو لم يتراجع عنها، وحتى لو قرّر التراجع فإن موافقته مسجّلة. ومع أن "حزب الله" يشنّ في هذه الأيام حملةً على فريق 14 آذار ويتّهمه بإفشال ما تمّ الاتفاق عليه، فقليلون هم الذين يعتبرون أن الحزب وافق على المطالب اللبنانية على أساس أن يقوم النظام السوري برفضها وينتهي الأمر، بل كثيرون يعتقدون أن "حزب الله" ما كان مجبراً على إعطاء موافقته على البنود المشار إليها لولا أنه اقتنع بها، خصوصاً أن أحداً من المشاركين على طاولة الحوار لا يستطيع التنصّل مما تمّ الاتفاق عليه.
لماذا هذا التناقض؟ سؤال يطرحه كثيرون على "حزب الله".. إلاّ إذا كان الطرح المتعلّق بالاستراتيجية الدفاعية قد قدّم على أساس رفع السقف في بداية "السوق" للوصول الى ما هو أدنى لكن بعدَ إزالة ما يرى الحزب ضرورة إزالته من أفكار على الطريق!
وعلى أي حال، سيكون على "حزب الله" وأمينه العام السيد حسن نصرالله الاستعداد لتقديم أجوبة عمّا يثار من أسئلة واستفهامات، على طاولة الحوار وخارجها، والأجوبة المنتظرة ليست السهلة والمبسّطة والجاهزة منها.. أي التخوين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00