8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

النظام السوري في عزلة عربية يردّ عليها باستهداف لبنان والجوار

يتزامن الضغط الدولي على النظام السوري على خلفية "ملفّه" في لبنان، وآخر تعبيرات هذا الضغط يتجسد في القرار 1680 الصادر الأسبوع الماضي، مع عزلة غير مسبوقة على الصعيد العربي.
العرب ومحاولة دمشق إسقاط نظام لبنان
ذلك ان الدول العربية الأكثر علاقة بما يجري في لبنان والأكثر متابعة له، تنطلق في مقاربتها لـ "المسألة" اللبنانية ـ السورية من اعتبارات رئيسية أهمها الآتي:
ترى هذه الدول العربية بداية أن الاعتراض الذي أبدته في مرحلة مبكرة حيال مشاريع إسقاط النظام في سوريا وتغييره، لا يعني اعتراضاً من جانبها على القرارات الدولية المتصلة بالوضع في لبنان وبالعلاقات اللبنانية ـ السورية، وتعتبر أن هذه القرارات الدولية يجب أن تنفذ تأكيداً لسيادة لبنان واستقلاله.
وتلاحظ الدول العربية المعنية أيضاً أن النظام في دمشق حاول استغلال موقف الاعتراض العربي على إسقاطه وتغييره، بعد أن حرض ضدّ تورط لبناني مزعوم في محاولة إسقاطه بالتواطؤ مع دول القرار الدولي، الغربية منها بشكل خاص، فقام بالانتقال علناً الى محاولة إسقاط النظام السياسي اللبناني قيد التشكل بعد الانسحاب السوري "الرسمي" من لبنان.
.. والعلاقة السورية ـ الايرانية
والأهم من ضمن الاعتبارات التي تنطلق منها الدول العربية، ان النظام السوري أدار ظهره للعلاقات العربية ليغدو ليس فقط حليفاً لايران بل أداة في يد الجمهورية الإسلامية الايرانية تنسب اليهما ـ أي إلى دمشق و طهران­"اعمال إرهابية" هادفة إلى هز الاستقرار في جوارها العربي .. أي ان علاقة النظام في سوريا تتطور على حساب العلاقات العربية من جهة وفي وقت تتحول ايران الى "مشكلة داخلية" في العديد من الدول العربية من جهة ثانية. بكلام آخر، لم يعد الهاجس العربي ـ والاسلامي ـ حيال ايران مقتصراً على المخاوف التي يثيرها الملف النووي الايراني المفتوح على امتلاك طهران للسلاح النووي في مرحلة لاحقة، بل أن هذا الهاجس يزداد ويرتفع حيال تدخلات ايرانية "مكشوفة" في عدد من "الدواخل" العربية، بعضها يتم على خلفيات "مذهبية".
مصر والكويت: الإنزعاج من دمشق
ويبدو أن النظام السوري تلمّس في الآونة الأخيرة واقع الانزعاج العربي من أدائه الاجمالي، لبنانياً واقليمياً، فبادر الى محاولة التقرب مجدداً من العواصم العربية المتذمرة.
فبعد محاولات فاشلة من جانبه لعقد قمة عربية مصغرة، ثلاثية سورية ـ مصرية ـ سعودية سعى نظام دمشق في الآونة الأخيرة الى استجداء زيارة يقوم بها الرئيس المصري حسني مبارك الى العاصمة السورية. لكن المعلومات المتوافرة تفيد أن مبارك قال لمن سأله عن ذلك ان هناك قرارات دولية على دمشق أن تنفذها، وإن لم يكن ثمة جديد سوري على هذا الصعيد، فلماذا أذهب الى سوريا أو ماذا سأقول للحاكم السوري؟.
كذلك، تردد بقوة أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم ألحَّ خلال زيارته الى الكويت قبل أيام، في طلب زيارة لأمير الدولة الشيخ صباح الجابر الأحمد الصباح الى دمشق، لكنه لم يسمع جواباً مرضياً. وأكثر من ذلك، ذكرت معلومات موثوقة أن صندوق النقد الكويتي الذي يموّل مشاريع ضخمة في دول عربية عدّة، تحفّظ عن تمويل مشاريع طلبتها سوريا من الصندوق تبلغ قيمتها عدداً من مليارات الدولارات.
هذه المعطيات ـ المعلومات ـ تفيد على نحو واضح ان العزلة الدولية التي فرضتها قرارات الأمم المتحدة على النظام السوري، تترافق في الفترة الأخيرة مع عزلة عربية، وذلك وسط إعادة اكتشاف الإدارة الأميركية أن شعارها بتغيير "قواعد السلوك السوري" بديلاً من تغيير النظام السوري نفسه، لا يحقق تقدماً ولا يحقق أهدافه.
وإذا كان لا بد من تلخيص للمقدمات الآنفة، يمكن القول أنه على أهمية الوضع اللبناني واستقراره بالنسبة الى الدول العربية، فانه في الدرجة الثانية قياساً الى "المسألة الايرانية" وعلاقة النظام السوري بها. بمعنى آخر، أن وعي الدول العربية بمشكلة لبنان مع السياسة
السورية، تعمّق في الآونة الأخيرة من "المدخل" الايراني.
النظام السوري والمسألة الفلسطينية مع الأردن
غير أن ما يقتضي تسليط الضوء عليه، يتعلق بـ"تزامن" سعي النظام في سوريا الى فك عزلته العربية مع إثارته للمشكلات مع جواره. فبالإضافة الى أدائه المعروف في العراق دعما للمجموعات المصنفة "إرهابية"، فإن أداءه في المدار الفلسطيني يثير الريبة العربية. فصحيح أن المشكلة في هذا المجال أخذت طابع مشكلة مع بلد عربي آخر هو الأردن بعد الإعلان عن اكتشاف عملية واسعة لتهريب الأسلحة من سوريا الى الأردن ومنه الى الأراضي الفلسطينية لصالح حركة "حماس"، بيد أن المشكلة "الأكبر" هي أن "المشروع الفلسطيني" للنظام السوري ليس سوى "مشروع" حرب أهلية فلسطينية، وهو "مشروع" تتردد معلومات كثيرة عن تمويل ايراني له.
.. وفي لبنان
أما في لبنان، فقد سجلت في الأيام الماضية معطيات دالّة على السلوك السوري في السياق نفسه.
فبعد "التزامات" قطعها النظام السوري أمام عدد من القادة العرب في فترة من الفترات بوقف مسلسل هز الاستقرار في لبنان بما في ذلك مسلسل الاغتيالات إذ أبلغه قادة عرب أن أي إغتيال في لبنان سيُحسب على دمشق وستُعد مسؤولة عنه، فتح النظام السوري مؤخراً الباب أمام استئناف السلاح الموالي له خارج المخيمات لدوره.
وليس خافياً في هذا الإطار أن الأحداث التي شهدها البقاع الأسبوع الفائت، من اعتداءات على الجيش اللبناني، ومن تعزيزات بشرية وقتالية لمواقع "فتح الانتفاضة" في هذه المنطقة، انما تمت ـ أي الأحداث ـ بقرار سوري، لا يزال النظام عبره يعلن استمرار سياسة التخريب على الاستقرار اللبناني. وإذا ا ختار السلاح خارج المخيمات مدخلاً هذه المرة، فلكي يعلن انقلاباً على ما قرره مؤتمر الحوار الوطني في هذا المجال، وليضرب الإجماع اللبناني حول هذا الموضوع، وليصيب الجيش.. ولـ"يشاغل" الوضع اللبناني بموضوع يسهل فتحه لكن إغلاقه "قد"
يكون صعباً.
على أن إعادة "تشغيل" السلاح الفلسطيني خارج المخيمات من جانب النظام السوري، ليس هدفها
لبنانياً فقط، بل هو يصيب الفلسطينيين والعلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية في طريقه. ذلك انه ليس صدفة أن تتم إعادة "تشغيل" السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، في وقت تشهد العلاقة بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية تطورات سياسية عدة أبرزها اعادة فتح مكتب المنظمة في بيروت، وفي وقت يعود أحد فرقاء الحوار اللبناني الى الدعوة الى تأجيل الاستحقاق المتعلق بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، تحت عنوان أن هذا الموضوع قد يكون سبباً لاقتتال فلسطيني ـ فلسطيني في لبنان.
خلاصة القول هنا، ان النظام السوري الذي يواجه عزلة عربية تتزامن مع ضغط القرارات الدولية، انما يعمق بـ"سياسته" الموالية لايران من جهة والمستهدفة لاستقرار لبنان والجوار من جهة أخرى، هذه العزلة ويُثقل ملفه عربياً ودولياً.

لقاء جنبلاط ـ موسى: الموقف العربي أدنى من "مبادرة"
ان هذا التطور المتمثل في العزلتين الدولية والعربية اللتين يعاني منهما نظام دمشق، يمكن أن يكون في آن ايجابياً لصالح لبنان أي مزيد من التضامن الدولي والعربي معه، لكنه في المقابل يفيد ـ التطور ـ أن لبنان سيكون ساحة لانتهاكات سورية تهدف الى اسقاط "النظام اللبناني" من المداخل كافة.
على أن الموقف العربي المتطور سلباً حيال النظام السوري وإيجاباً حيال لبنان و"عقلانيّة" التعاطي اللبناني مع "المسألة السورية"، لم يرتق حتى الآن الى صيغة مبادرة عربية محددة، وإن كان ثمة تحركات عربية مواكِبة لمؤتمر الحوار اللبناني.
يقول رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط انه التقى خلال زيارته الأخيرة الى القاهرة قبل أيام قليلة، الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. وفي هذا اللقاء، اقترح جنبلاط أن تتأسس مبادرة عربية على المقررات التي اتخذها مؤتمر الحوار بالإجماع، أي تلك المتعلقة بالعلاقات الديبلوماسية والحدود بين لبنان وسوريا، وبتثبيت وتحديد لبنانيّة مزارع شبعا، وبالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات. لم يحدد موسى موقفاً مباشراً من الدعوة الى مبادرة عربية محددة، لكنه "تمنى" أن يقوم رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بإرسال هذه المقررات "الخطية" اليه.. وفي المعلومات ان الرئيس السنيورة أرسلها بالفعل.
الحريري فصل العلاقات عن التحقيق: استحالة فصلها عن المسألة الايرانية؟
لكن، من الواضح أن ثمة تمهلاً في المبادرة. والعوامل "الفاعلة" في هذا التمهل عديدة. ولا شك ان العامل الأول هو أن القرارات الدولية الصادرة، من القرار 1559 الى القرار 1680 وما بينهما، لا تترك مجالاً للشك في أن ليس ثمة أفق لـ"تساهل" دولي مع دمشق، وما عليها الا الامتثال لهذه القرارات. أما العامل الثاني فهو الآتي: على الرغم من مبادرة رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري مؤيَّداً في ذلك من حلفائه في 14 آذار ومن الدول العربية، الى فصل العلاقات اللبنانية ـ السورية عن التحقيق الدولي في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فان هذه العلاقات بقيت مربوطة سورياً بمسألة التحقيق وباستهداف النظام في دمشق للنظام في لبنان بأمل العودة الى ممارسة النفوذ والوصاية في لبنان. وهذا الأمر، يعني أن دمشق التي أفشلت عملية فصل العلاقات عن التحقيق، ستفشل بالقدر نفسه فصل العلاقات اللبنانية ـ السورية عن العلاقات السورية ـ الايرانية والعربية ـ الايرانية، أي فصل العلاقات بين لبنان وسوريا عن الصراع الاقليمي ـ الدولي المحتدم حول ايران.
من هنا، يستنتج عديدون من ذوي التجربة والحنكة السياسيتين أن الوضع اللبناني "محكوم" بأن "ينتظر" ما ستؤول اليه التطورات إقليمياً ودولياً بشأن ايران من ناحية وتطورات التحقيق الدولي في جريمة إغتيال الرئيس الحريري من ناحية أخرى.
هذا "الانتظار" له إسم آخر عند وليد جنبلاط هو الصمود الذي يؤكد جنبلاط أن له برنامجاً سياسياً ـ "تنظيمياً" يُفترض ان يرى النور قريباً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00