القرار الأميركي بعدم تمكين إيران من امتلاك القنبلة النووية مأخوذ و"حاسم" على ما تؤكد مصادر ديبلوماسية غربية تضيف ان ثمة قناعة أميركية بأن إنتاج طهران للطاقة النووية يهدف الى إنتاج السلاح الذري في مرحلة لاحقة قد لا تكون بعيدة، والى "تسييج" الجمهورية الإسلامية كقوة عظمى. ولا تريد واشنطن الوصول مع ايران الى الحالة الكورية الشمالية حيث تملك بيونغ يانغ إمكانية توجيه ما يسمى "الضربة الأولى".
عزل ايران في المدارَين العربي والإسلامي
لذلك تؤكد المصادر ان المواجهة الأميركية ـ الغربية مع ايران آتية حكماً في صيغة من الصيغ. بيدَ أن الولايات المتحدة وقبلَ حلول المواجهة، تقوم في الفترة الراهنة بـ"عمل سياسي" مكثّف هدفه عزل ايران عربياً وإسلامياً، أي إسقاط الخطة الايرانية التي تعتمد على "الإدعاء" في المدارَين العربي والإسلامي بأن قوة الجمهورية الإسلامية هي قوة للعرب والمسلمين، وبأن طاقتها النووية هي في خدمتهم وفي خدمة تطورهم وبأنها من أجل تعديل التوازن الاقليمي المختل حالياً لصالح إسرائيل.
وبالفعل، لمست الإدارة الأميركية خلال الشهور الماضية أن ثمة شعوراً غالباً في العديد من الدول العربية بالخطر من سير طهران الحثيث نحو امتلاك الامكانيات النووية، وأن ثمة شعوراً مماثلاً في العديد من الدول الإسلامية أيضاً. في الاطار العربي، بدا ان مصدر الشعور بالخطر الآتي من ايران هو الخوف من أن تغدو المنطقة العربية بين مطرقتين غير عربيتين: إسرائيل من جهة وايران الفارسية من جهة ثانية، الأمر الذي من شأنه أن يخضع العرب لوضع شديد الاختلال في المرحلة المقبلة. أما في الإطار الاسلامي، فقد بدا ان ثمة خوفاً إسلامياً سنياً من تنامي امبراطورية نووية بلون شيعي مع ما يمكن أن يؤدي اليه ذلك من انعكاسات على جوار ايران.
وإذ تلمّست الولايات المتحدة هذا المعطى، أي الشعور بـ"الخطر الايراني" عربياً وإسلامياً، أبدت ارتياحها الى أن ثمة "كتيبة" أمامية عربية ـ إسلامية قيد التشكل، يعني تشكلها ان المشكلة النووية الايرانية مشكلة عربية ـ إسلامية قبل أن تكون أميركية ـ غربية. وعليه شجعت الإدارة في واشنطن هذا التوجه المبني على المخاوف المذكورة وباشرت تنفيذ سياسة العزل.
استئناف العلاقات الأميركية ـ الليبية
بأفق المواجهة مع طهران
في هذا الإطار، تدعو المصادر الديبلوماسية الى قراءة التطور الأخير في العلاقات الأميركية ـ الليبية، في ضوء القرار الأميركي بإسقاط إسم ليبيا عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب وباستئناف التبادل الديبلوماسي بين واشنطن وطرابلس الغرب. فقد ارتكز القرار الأميركي باستئناف علاقات طبيعية مع نظام معمر القذافي الى ضرورة منع عزلة النظام في "الجماهيرية" من أن تقوده الى الوصل مجدداً بطهران، والى الحؤول دون وجود اختراق ليبي لـ"الإجماع" العربي ـ الإسلامي حيال الخطر الذي يمثله إمتلاك ايران للطاقة النووية، وارتكز الى ضرورة تفكيك أي قناة اتصال عربية ـ إفريقية ـ إسلامية بإيران.
وبحسب المعطيات المتوافرة، فان النظام الليبي وافق على الصفقة القاضية بمنحه فرصة العودة الى "المجتمع الدولي" والخروج من العزلة في مقابل انضمامه الى "المعسكر" الذي يخشى الخطر الآتي من ايران، ويمكّنه من أن "يعود" الى الخطاب "القومي" العروبي ضد "الفارسية".
وعليه، فان التطور الأخير في العلاقات الأميركية ـ الليبية، يقع في سياق البناء الأميركي لمشروع المواجهة مع ايران تأسيساً على عملية عزل متوالية فصولاً للجمهورية الإسلامية في المدارين العربي والإسلامي.
النظام السوري في اليد الايرانية
غني عن القول في ضوء هذه المقدمات، ان المعطيات الإقليمية المذكورة تدخل في حساب التعاطي الأميركي ـ العربي (والدولي) مع سوريا والنظام فيها، وتنعكس على لبنان ايضاً.
ففي ظل هذه الخارطة الاقليمية حيال ايران النووية، وبوجود القرار الأميركي بـ"بناء" المواجهة مع طهران أي تحضيرها، من الواضح ان النظام في سوريا اختار العلاقة بايران، أو بالأحرى اختار أن يكون ورقة ايرانية. وثمة من يقول هنا ان هذا الخيار السوري ذو جذر تاريخي، يعود الى زمن وقوف الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بجانب الجمهورية الإسلامية، وحيداً من بين العرب خلال الحرب العراقية ـ الايرانية. غير أن الفارق كبير بين العلاقة السورية ـ الايرانية زمن حافظ الأسد وبين هذه العلاقة اليوم. ففي ذلك الزمان كانت ايران بحاجة الى سوريا، وكانت سوريا دولة مصنّفة "إقليمية"، وكان العالم معسكرَين.. وكان العرب أنفسهم محورَين ليس بالنسبة الى الحرب العراقية ـ الايرانية لكن في الانحيازات الدولية وعلى مستوى "الخطة" حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وبكلام آخر، لم يكلف موقف الأسد الأب سوريا عزلة بينما يشكل موقف الأسد الإبن من ايران واحداً من أبواب عزلة سوريا عربياً ودولياً.
واشنطن تبني المواجهة مع ايران وتطارد دمشق
المهم، في ظل القرار الأميركي بـ"بناء" المواجهة مع طهران، ان ثمة تعاطياً أميركياً مع دمشق يأخذ في الاعتبار عدداً من الأمور من بينها ان سوريا تمثل الحلقة الأضعف في الحلف السوري ـ الايراني، وان لسوريا ملفات عديدة مفتوحة أمام المجتمع الدولي، أهمها ملفها اللبناني او ملفها في لبنان، بالاضافة طبعاً الى الملفات في المسألتين الفلسطينية والعراقية.
لذلك، وفي موازاة سيرها في عملية بناء المواجهة مع طهران، بالاستناد الى "كتيبة" عربية ـ إسلامية أمامية أو شبكة أمان عربية ـ إسلامية تعزل ايران، من الواضح ان الأداء الأميركي حيال النظام في دمشق يسير في اتجاهين متلازمين. الأول هو "مطاردة" دمشق بسلسلة من القرارات الدولية بشأن علاقتها بلبنان، والثاني هو انتظار وقوع النظام السوري في قبضة نتائج التحقيق الدولي في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
والحال أن القرارات الدولية حول لبنان وبشأن علاقة سوريا بلبنان من القرار 1559 في العام 2004 الى القرار 1680 أول من أمس اتُخذت امّا بالاجماع أو بامتناع بعض الدول عن التصويت من دون استخدام "الفيتو"، في حين أن القرارات حول التحقيق الدولي اتخذت بالاجماع وبعضها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وإذا كانت القرارات الدولية التي تحاصر سوريا في موضوع تدخلها المستمر في الشؤون اللبنانية لم تنفذ بكاملها حتى الآن، فمما لا شك فيه انها زادت من عزلة سوريا دولياً، وهي مطالبة عربياً بتنفيذها. أما ما يتعلق بالتحقيق الدولي، فلن يكون ثمة مهرب للنظام في دمشق من النتائج، حيث تؤكد المعطيات المتوافرة لدى المصادر الديبلوماسية ان القاضي سيرج براميرتس سيصل في تقريره الشهر المقبل الى النتيجة التي توصل اليها سلفه القاضي ديتليف ميليس، أي دور النظام السوري في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، مع فارق ان المحكمة الدولية على الأبواب هذه المرة.
ورقة العلاقة السورية بحزب الله
في هذه الأجواء بين التحضير الأميركي للمواجهة مع ايران وبين القرارات الدولية التي تحاصر سوريا، من الواضح ان النظام في دمشق محشور، وان ما تؤكده واشنطن لجهة عدم وجود صفقة على حساب لبنان، صحيح.
في ظل حشرته، من الواضح أيضاً أن النظام السوري يستخدم في لبنان أوراقاً عدة، تبقى اهمها على الاطلاق ورقة العلاقة بحزب الله. استخدم ورقة الحدود اللبنانية ـ السورية ويستخدمها، ويستخدم ورقة السلاح خارج المخيمات الفلسطينية ويدفع باتجاه مواجهة بين الفصائل التابعة له والجيش اللبناني ويستقدم لها التعزيزات. واستخدم ويمكن ان يستخدم في أي وقت الورقة الأمنية، أي التخريب الأمني والاغتيالات.
غير أن العلاقة بحزب الله تبقى الأهم على الاطلاق. وفي "لحظة" معينة، لا سيما على تقاطع سوري ـ ايراني، يمكن تحريك "الخط الأحمر" جنوباً أي تصعيد التوتر على الحدود اللبنانية الجنوبية.
نصر الله: نظرية التوازن الاستراتيجي
تحلّ مكان نظرية الحماية؟
في هذا الإطار، يلفت عدد من المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني الى أن العرض الذي قدمه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حول سلاح المقاومة و"الاستراتيجية الدفاعية" اشتمل على نقاط عدة. فقد تحدث عن القدرات العسكرية الكبيرة التي تمتلكها المقاومة وعن الخبرات التي حصّلتها من تجربتها في الصراع مع اسرائيل. وتحدث عن توازن الرعب الاستراتيجي الذي استطاعت مقاومة "حزب الله" أن تبنيه مع اسرائيل. وتناول مكامن القوة مشدداً على أن المقاومة تستطيع ان تضرُب بينما ضربُها معقد لأن مقاتليها وعتادها ليسوا مكشوفين. ولم يشر مرة واحدة الى الفترة الزمنية التي يتصورها لبقاء السلاح في يد "حزب الله" مستقلاً عن الدولة. ولم يحدد الرقعة التي سوف يستمر حمل السلاح لأجلها. وانتهى في حديثه عن المنظومة الدفاعية الى ضرورة بقاء المقاومة الى جانب الجيش أي بقاء السلاح.
هذا العرض فهم منه عدد من المشاركين أن لا مدى جغرافياً وزمنياً للسلاح وان الأمر مفتوح، وانه مرتبط بعناوين أبعد من الأرض اللبنانية التي لا تزال محتلة وأبعد من الأسرى في السجون الاسرائيلية. فهموا أو قد يكون السيد نصرالله أراد لهم أن يفهموا ان لمسألة السلاح بعداً اقليمياً لا يقتصر على مواجهة الاحتلال الاسرائيلي لأرض وطنية، ولا على الصراع مع اسرائيل، بل يتجاوزه الى مواجهة "مشروع السيطرة الأميركية" من بوابة تشكيل "توازن ردع" مع اسرائيل.. اي أن البحث في عنوان "الاستراتيجية الدفاعية" ابتدأ من كيف يُحمى لبنان من الاعتداءات والأطماع الاسرائيلية في اطار الدولة وصار في مكان آخر يتعلق بكيف يساهم لبنان في مواجهة المشروع الأميركي باسم انه لا ينفصل عن اسرائيل.
على أي حال، أن النقاش على طاولة الحوار مستمر. لكن بمجرد أن يتكوّن "الانطباع" المشار اليه، فمعنى ذلك أنّ ثمة نقطتَي انطلاق على الأقل.
لبنان في دائرة الخطر
إذاً، بين التحضير الأميركي للمواجهة مع طهران من ناحية وحصار دمشق بالقرارات الدولية من ناحية أخرى، لا يخفى أن التطورات الأخيرة في لبنان بما في ذلك انتقال السلاح خارج المخيمات من كونه مطروحاً للنزع الى كونه مهاجِماً للدولة، تشي بأن النظام السوري في صدد تنفيذ مشروع تخريبي في لبنان. حتى "حزب الله" الذي أبدى في مرحلة أولية من الحوار الوطني استعداده للمساعدة على تنفيذ قرار الحوار بالنسبة الى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، تراجع عن هذا الاستعداد، وعاد على ما يبدو الى شعار التمهّل حياله.
"القضية اللبنانية" بخير بمعنى أن التوازن اللبناني في صالحها، وانّ الموقفَين العربي والدولي ايجابيان بشأنها. بيدَ أنّ الوضع اللبناني لا يزال في قلب الخطر في ظل صراع خيارَي الاستقلال والسيادة والتحصين، والدفاع عن مشاريع لا مصلحة للبنان فيها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.