لم يكن اللقاء الذي جمع رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري والبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير في باريس السبت الماضي مجرد اجتماع تشاوري في قضايا الوضع الراهن. فالأصح القول أن الحريري حمل إلى اللقاء "مبادرة" بالمعنى الدقيق للكلمة وتم بحثها على مدى ساعة من الوقت.
ماذا في هذه المبادرة؟
بيان المطارنة الموارنة الأخير ـ وقانون الـ 2000
ذهب سعد الحريري إلى لقاء باريس وفي ذهنه كلام لم يمضِ عليه الوقت قاله مجلس المطارنة الموارنة في بيانه الشهري مطلع أيار الجاري، فيه استنكار لما سماه المجلس استئثار طائفة من الطوائف بوظائف الدولة في إشارة غير مباشرة إلى الطائفة السنية. لكن الحريري ذهب إلى باريس، إلى أول لقاء بينه وبين البطريرك منذ ما قبل الانتخابات النيابية العام الماضي، وفي ذهنه أن تلك الانتخابات شكلت سبباً في أزمة متعددة الأبعاد، إسلامية ـ مسيحية ومسيحية ـ مسيحية، وكان للبطريرك موقف "حاد" من القانون الذي جرت على أساسه، أي قانون العام 2000، فأطلق صرخة مدوّية ضد التشويه الذي يلحق بالتمثيل المسيحي.
توجه الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" إلى اللقاء، يحفّزه وعي عميق لواقع أن بيان المطارنة الموارنة بالنسبة إلى مسألة الوظائف في الدولة بقدر ما استند إلى معطيات "جزئية" إلى حد ما وإن كانت صحيحة، انما كان في جانب مهم منه صدى لحملة ضد "المستقبل" وضد الحكومة من ناحية وفتحَ الباب أمام استعار حملة تحريض طائفي قام بها أدعياء الحرص على مصالح المسيحيين من ناحية ثانية. كذلك، لم يكن غائباً عن وعي الحريري ان النظام الأمني و"جناحه" السياسي حرّض في ربيع العام 2005 ضد فريق 14 آذار عموماً وضد الحريري تحديداً لـ"إلباس" قانون العام 2000 إلى هذا الفريق واتّهامه باستتباع المسيحيين، فيما الهدف كان واضحاً وهو إسقاط 14 آذار في الانتخابات.
الشقّ الأول من المبادرة: لا مساس بالتوازن الوطني
كل ما تقدم كان حاضراً في ذهن الحريري قبل موعد اللقاء. وكان همّه كيفية طمأنة سيد بكركي إلى أن ما يشكو منه يلقى آذاناً صاغية ولا بد من معالجته. وفي وقت قصير رفع سعد الحريري العنوان الذي ميز مسيرة والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أي التوازن الوطني، مستذكراً "فلسفة" الرئيس الشهيد لاتفاق الطائف، "فلسفة" الشراكة الوطنية على قاعدة التوازن، وهي التي حدت بالزعيم الراحل إلى القول أن المناصفة باقية حتى لو تراجع عدد المسيحيين في لبنان إلى نسب دراماتيكية.
أبلغ الحريري البطريرك الماروني أنه مؤمن بالشراكة الوطنية وملتزم بها، وأنه مؤمن بالتوازن الوطني وملتزم به. وعلى هذا الأساس ستتم المحافظة على المراكز المسيحية أو المراكز التي تعود للمسيحيين في الدولة. وأكد له أن أي خلل حصل في هذا المجال سيصار إلى تصحيحه بدون تلكؤ. ولفته إلى أن أي خلل قد يكون حصل، لا يعكس "سياسة" هادفة إلى المس بحقوق الطوائف، إنما قد يكون حصل في بعض المجالات من قبل أشخاص يدعون الحرص على مصالح الحريري. وشدد أمامه على أنه لن تكون سيطرة لفئة على فئة، وأن الأخطاء ستعالج فوراً.
اللقاء التاريخي الأخير
بين الرئيس الشهيد وصفير
وانتقل سعد الحريري إلى العنوان الثاني، أي قانون الانتخاب. تذكّر مع البطريرك الذي ليس بحاجة إلى تذكير، اللقاء التاريخي الذي جمع رأس الكنيسة والرئيس رفيق الحريري في بكركي، أسابيع قليلة قبل استشهاده، عندما خرج من اللقاء ليعلن، بعد أن استأذن البطريرك، اتفاقهما على اعتماد القضاء دائرة انتخابية، ما خربط حسابات النظام الأمني آنذاك، فراح يفتش عن صيغ شتى للحؤول دون قيام تحالف بين الرئيس الحريري والمسيحيين من جهة ولـ"قصقصة" نفوذ الرئيس الشهيد من جهة أخرى. ولم ينسَ سعد ولا البطريرك كما لم ينسَ اللبنانيون جميعاً أن وزير داخلية النظام الأمني المشترك سليمان فرنجية هدد ـ بالمعنى الفعلي للكلمة ـ المسيحيين بأن القضاء لن يكون دائرة انتخابية إذا هم تحالفوا مع الرئيس الحريري.
تفنيد "الكذبة"
إذاً في لقاء باريس الأخير، أعاد سعد الحريري الموضوع إلى أصله. وأصله أن الرئيس الشهيد وافق على اعتماد القضاء دائرة انتخابية، وان المسيحيين ردوا "الجميل" بمثله عندما تضامنوا مع الرئيس الحريري ضد تقسيمات لحود ـ فرنجية ـ جميل السيد ـ رستم غزالي لبيروت. والأصل أيضاً، أن الحريري الوالد كان في اقترابه من المسيحيين يومئذ من مدخل قانون الانتخاب، إنما يؤسس لـ"تحالف" يقود البلد ـ على قاعدة أكثر صيغ التمثيل السياسي عدالة ـ باتجاه الاستقلال عن الوصاية السورية. والأصل كذلك أن رفيق الحريري دفع الثمن استشهاداً من أجل ان يستقل لبنان من مدخل انتخابات نزيهة وديموقراطية على أساس قانون يؤمن أوسع مشاركة شعبية في الانتخابات وأصدق تمثيل ممكن بما ينعكس مجلساً نيابياً استقلالياً. والأصل أخيراً، أن رفيق الحريري عندما وافق على القضاء، كان على قناعة راسخة بأن لا مشكلة "خاصة" له مع قانون القضاء، وبأن الأكثرية التي ستنتج عن انتخابات على أساس القضاء ستكون حتماً أكثرية استقلالية، وكان على إيمان كبير بأن الشراكة الوطنية هي الأساس الذي يصنع التوازن الوطني.
هذا كله، استذكره سعد الحريري مع البطريرك في لقاء باريس. أما "الكذبة" التي تقول إن فريق 14 آذار "تآمر" لتمرير قانون العام 2000، فقد تهاوت مع الوقت وإن كانت اقتضت تذكُّراً للضغط الذي واجهه فريق 14 آذار يومذاك، بين أن تجري الانتخابات على أساس قانون الـ2000 وفي موعدها، وبين أن يأخذ تغيير القانون وقتاً وتتأجل الانتخابات إلى أجل غير مسمّى، مما كان سيعطل العملية السياسية برمّتها.
والأهم ان سعد الحريري عندما التقى البطريرك صفير قال له أن لا مشكلة لديه في أي قانون انتخاب يرضيه، وأنه مستعد لتأييد قانون القضاء. قال سعد ذلك وهو مدرك للوقائع التاريخية من جهة وهو مدرك لحقيقة أن لا مجال بعد اليوم لاستبقاء قانون الـ2000 من جهة ثانية... ومدرك أخيراً لحقيقة أن الانتخابات على أساس قانون عادل عندما تجري في بلد كامل الاستقلال والسيادة لن تكون فيها أي مشكلة من جهة ثالثة.
"مشهد" 14 آذار يتجدّد
المبادرة التي عرضها الحريري على البطريرك تتكون إذاً من محورين ينطلقان من أساس واحد هو التوازن الوطني. غير أن ما هو أهم من المبادرة في حد ذاتها، هو ما نتج عنها سياسياً وما يمكن أن ينتج عنها تباعاً.
غني عن القول أن النتيجة الأولى هي سحب فتيل التحريض الطائفي، وإسقاط إحدى أوراق الهجوم المضاد الذي يقوده النظام السوري عبر حلفائه ضد الأكثرية.
والنتيجة الثانية هي أن إعادة تأسيس العلاقة بين الحريري والبطريرك على قاعدة التفاهم حول التوازن والشراكة الوطنيين انما يعيد الاعتبار لـ"مشهد" 14 آذار بما هو تحالف لا يقوم على استتباع أحد لأحد، وبما هو تحالف يدافع فيه الشريك المسلم عن حلفائه المسيحيين والعكس بالعكس.
عون وحلفاؤه... وقانون القضاء
أما النتيجة الثالثة، فهي أن المبادرة إذ "تعزز" الفريق المسيحي في 14 آذار، انما تنقل الكرة إلى ملعب تحالف 8 آذار أي العماد ميشال عون و"حزب الله".. و"أمل".
سيكون مطلوباً من عون تحديد موقفه من القضاء دائرة انتخابية. وسيكون مطلوباً منه أن يظهر قدرته على إقناع حلفائه بقانون القضاء. وسيكون على الحلفاء كشف أوراقهم حيال حليفهم عون. وستظهر بدقة طبيعة المعادلة التي تحكم التحالف الثلاثي هذا، أي مَنْ يراعي مَنْ، في وقت ملأ الجنرال الدنيا ضجيجاً في انتخابات العام الماضي حول التحالف الرباعي الذي استتبع المسيحيين وأدى مع القانون المعتمد، إلى تهميش المسيحيين وتمثيلهم السياسي بحسب مقولاته.
ردة الفعل الأولى للجنرال، كانت محاولة التذاكي، إذ افترض أن ما أعلنه الحريري بعد لقائه صفير لا يعدو كونه مناورة، فدعا الحريري إلى ترجمة أقواله، لكنه لم يعلن موقفه من القضاء.
أما الحليفان، فإن لهما موقفاً معترضاً على القضاء دائرة انتخابية. فحركة "أمل" أعلنت في الموسم الانتخابي العام الفائت أنها مع المحافظات الخمس وقالت بالنسبية فيها. أما "حزب الله" فأعلن ميله أكثر من مرة نحو الدوائر "الوسطى". وفي الأيام الماضية جرى تذكير بهذه المواقف.
على كل حال، سيظهر في الأيام المقبلة مدى قدرة التحالف "الآخر" على الانسجام في موقف واحد من قانون الانتخاب.
المتابعة
أما سعد الحريري فلم يقل قوله ليستريح بعده. سيتابع ما أعلنه مع البطريرك نفسه، ومع الشركاء المسيحيين في 14 آذار. وسيعكس موقفه داخل "اللجنة الوطنية" وفي المجلس النيابي عندما يشرع في نقاش قانون الانتخاب. وسيتابع مع الحكومة الوعد الذي قطعه في لقاء باريس بتصحيح الأخطاء في الإطار الوظيفي ضمن الدولة.
المهم أن 14 آذار في ضوء لقاء باريس عاد إلى نصابه. وفي الأساس كان البطريرك والرئيس رفيق الحريري يعملان من خلف الستار أحياناً وفي الواجهة أحياناً أخرى من أجل أن يكون استقلال لبنان عن الوصاية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.