لم تتوقف الحملةُ السورية على الرئيس فؤاد السنيورة لحظةً واحدة منذ أن غدا رئيس حكومة لبنان بعدَ الانتخابات. فمِن "عبد مأمور لعبد مأمور" على لسان بشار الأسد إلى التشكيك بصدقيّته واعتباره ممثلاً لتيّار سياسي فقط على لسان مَن يُسمّى رئيس وزراء سوريا ممّن لا يتذكّر أحد اسمه.. تتوالى الحملة فصولاً.
الحملة السورية على السنيورة: لماذا؟
الأسباب الكامنة وراء هذه الحملة معروفة وهي عديدة. فالسنيورة هو رئيس أول حكومة في عهد الاستقلال اللبناني الثاني بعدَ الخروج السوري من لبنان. وهو من "المدرسة" السياسية التي أسّسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي قال يوماً وفي ظلّ الوصاية السورية على لبنان أن البلد لا يُحكم ضد سوريا لكنه لا يُحكم من سوريا. والسنيورة العروبيّ حتى العظم هو لبناني بالدرجة الأولى. ولطالما كان البعثُ الحاكم في دمشق شديدَ الانزعاج من العروبيين الذين يتحدّثون بـ"اللبناني"، لا بل أكثر انزعاجاً من هذا الصنف منه من لبنانيين لا يعطون عروبتهم حقّ قدرها.. والتجربة خلال أكثر من ثلاثة عقود خير برهان. وللمعلومات هنا، فإن النظام البعثي في سوريا حفظَ للرئيس الراحل رياض الصلح أنه لبناني استقلالي فكان قرارُه معاقبة "سلالة" هذا الرجل بمن فيهم الرئيس الراحل تقي الدين الصلح.. قبل أن تعود العلاقة مع بعض "السلالة" في وقت لاحق متأخّر من مدخل "أميري" و"شركات قابضة". والرئيس السنيورة الصادق في إعلان توق لبنان الى علاقات طبيعية مع سوريا وفي إقامتها على أساس الندّية والاحترام المتبادل، صريحٌ في كشف "الكلفة" التي دفعها لبنان بسبب الوصاية المخابراتية.
مشكلة دمشق مع "شتيمة عبد مأمور لعبد مأمور"
كل هذه الأسباب وغيرها، معروفة. غير أن ما باتَ مكشوفاً في الأيام والأسابيع الماضية هو أن النظام السوري يهدف من الحملة على السنيورة إلى القول أن "هذا" الرئيس للحكومة اللبنانية غير "مؤهل" لاستعادة العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى صيغة طبيعية، وبالتالي توظيف أزمة العلاقات في إطار عملية تغيير حكومي في لبنان، لتأتي حكومة قادرة برئيسها على معالجة الأزمة!
والذين يعكسون مناخاً سورياً معيّناً في هذه الأيام يقولون إن لدى قيادة النظام في دمشق نيّة "صادقة" لمعالجة أزمة العلاقات مع بيروت، لكنهم يسألون: هل يستطيع الرئيس السوري وقد وصف السنيورة بأنه "عبد مأمور لعبد مأمور" أن يتراجع؟ ويقولون ـ ربما تلميحاً الى هدف سياسي معيّن ـ أن الأزمة بعد الانسحاب السوري من لبنان بدأت عندما تسلّم السنيورة رئاسة الحكومة، في حين حصل تعاون سوري ـ لبناني حتى بعد الانسحاب، مع الرئيس نجيب ميقاتي وحكومته الانتقالية بين أيار وتموز 2005.
هكذا بالمنطق السوري، تصبحُ الشتيمة الموجّهة من الأسد إلى رئيس وزراء لبنان و"المدرسة" التي ينتمي إليها، مشكلة لبنانية بدلاً من أن تكون مشكلة سورية، وبدلاً من أن تتراجع سوريا عن شتائمها(!).
إذاً يستدلّ على نيّة النظام السوري تحويل مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى سبب لتغيير حكومي في لبنان، مِن المواقف السورية نفسها سواء من أركان النظام أو عبر الإعلام الرسمي. لكن يستدلّ على هذه النيّة السورية أيضاً مِن المواقف التي يُطلقها حلفاء سوريا في لبنان.
حلفاء سوريا
شهران ونيّف انقضيا على المقرّرات التي اتخذها مؤتمر الحوار الوطني بالإجماع، وتتعلّق بالمطالب اللبنانية مِن سوريا، سواء العلاقات الديبلوماسية أو ترسيم الحدود أو مسألة السلاح الفلسطيني خارجَ المخيّمات. وكانت المواقف السورية الرسمية معروفة، وعبّر عنها مسؤولون سوريّون عديدون مِن الأسد نفسه الى وزير خارجيّته الى مندوبه في نيويورك، وهي مواقف سلبية. و"فجأة" يطلّ الجنرال ميشال عون أول من أمس ليعلن أن الحكومة حوّلت مقرّرات الإجماع المتّصلة بالعلاقات اللبنانية ـ السورية الى حرب على سوريا(!). و"فجأة" أيضاً صار "حزب الله" على ألسنة قادته ومسؤوليه يحمّل رفض سوريا الاستجابة للمطالب اللبنانية إلى الأكثرية وإلى الحكومة.
وفيما بدا الرئيس نبيه بري ونوّاب كتلته أكثر اعتدالاً في مقاربة هذا الموضوع، فإنهم مع ذلك تحدّثوا عن "مناخ" ينبغي توفيره لتسهيل زيارة الرئيس السنيورة إلى دمشق ولتمكين البحث في الملف السوري ـ اللبناني من التقدّم، وهم يضمرون أن توفير "المناخ" يجب أن يأتي من الجانب اللبناني.
هذه مواقف "الحلفاء"، أما "الأبواق" فحدّث ولا حرج. ولا يخفى أن المقصود هو الوصول إلى طاولة الحوار اليوم، للتنصّل مما تمّ التوافق بشأنه، ونقل البحث من "أزمة الرئاسة" الى "أزمة الحكومة".
تغيير الحكومة من مدخلَي الشارع والعلاقات
مِن هنا، لا بد من توقّع أن تتّخذ الحرب السورية على الأكثرية النيابية ـ الشعبية وعلى الحكومة صيغتين متلازمتين. الأولى تتمثّل بمواصلة "محاولات" النزول إلى الشارع بعناوين مختلفة، والثانية وتحت عنوان الاستعداد لمعالجة الأزمة في العلاقات، تحويل هذه المسألة إلى عامل ضغط لتغيير حكومي. والغاية هنا واضحة: إلى جانب إبقاء إميل لحود في رئاسة الجمهورية، تغيير الحكومة وتسلّم رئاستها عبر شخصية تحاول الإيحاء بـ"الوسطية"، والسيطرة تالياً على السلطة التنفيذية وشلّ الفاعلية النيابية للأكثرية.
مقرّرات الإجماع: مرجعية ثابتة
بيدَ أن هذه الخطة السورية تواجه عدداً مِن العوائق الأساسية.
في مقدّم العوائق، أنّ ما تقرّر بالإجماع تحديداً للمشكلة مع سوريا، لا يستطيع أي من حلفاء سوريا التراجع عنه، بدليل أن هؤلاء الحلفاء يخوضون معركتهم تحت عنوان أن فريق 14 آذار "لم يسهّل" وضع المقرّرات موضع التنفيذ وليس تحت عنوان أن المطالب الإجماعية غير ذات قيمة. ومعنى ذلك أن المقررات المذكورة ستبقى، حتى لو انتهى الحوار، مرجعية تتمّ العودة إليها في أي مبادرة سياسية في المدَيين القريب والأبعد.
الموقفان الدولي
والعربي
غير أن أهم ما تواجهه الخطة السورية، يتمثّل في أن مقرّرات الإجماع اللبناني غدَت مطالب دولية من دمشق، سوف يتضمّنها أي قرار دولي جديد، بل أكثر من ذلك قد تعرّض سوريا نفسها في وقت من الأوقات وفي حال إصرارها على الرفض الى عقوبات لأنها تعيق استعادة لبنان استقلاله وسيادته التامّين.
وما تجدرُ الإشارة إليه، هو أن الموقف العربي آخذ في التطوّر إيجاباً لصالح لبنان. فقد راقبت الدول العربية بدقّة ما حصل في لبنان خلال الأسابيع الماضية. قَبِلَ فريق 14 آذار بالدخول الى الحوار. فصلَ بين التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبين العلاقة بدمشق. أجاب عن السؤال العربي: ماذا تريدون مِن سوريا؟. طلب رئيس الحكومة اللبنانية زيارة سوريا لبحث ما تمّ التوصل إليه لكن النظام السوري رفض. الحملةُ من الجانب السوري كانت أكبر من مواقف الاعتراض اللبناني على التدخّلات السورية. "تصالح" فريق 14 آذار مع المساعي العربية بعدَ فترة قصيرة من "سوء التفاهم"، فيما راحت دمشق تناور وتسوّف مبديةً اهتمامها بالعلاقة مع إيران وليس بالعلاقات العربية.
جنبلاط ورعاية الجامعة لمفاوضات ثنائية
قام الرئيس السنيورة بزيارات عدّة الى عواصم عربية ودولية. وكذلك فعل رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري. لكن الأكثر حركةً على الصعيد العربي في الآونة الأخيرة كان رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الذي زار المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والكويت وخرجَ من لقاءاته مع قادة هذه الدول بقناعة بأن ثمة عدم ارتياح عربياً حيال السلوك السوري مع لبنان، وبأن ثمّة تفهماً عربياً متصاعداً للوضع اللبناني وبأن أي مبادرة عربية ستكون مقررات الإجماع اللبناني أساسُها.
واقترح وليد جنبلاط على عدد ممّن التقاهم، وعلى الجامعة العربية اقتراحاً مهماً يقضي بأن ترعى الجامعة على مستوى رفيع مفاوضات ثنائية لبنانية ـ سورية، لتكون هذه المفاوضات تحت نظر الجامعة فتكون الجامعة على بيّنة من الأمور كافة، ويتمّ "توثيق" المفاوضات عربياً. وعندما سئل مَن يكون المفاوض اللبناني؟ لم يتردّد جنبلاط في القول أن رئيس حكومة لبنان فؤاد السنيورة هو المفاوض باسم لبنان ولا بديل منه.
فريق 14 آذار: المواجهة
إذاً، في وقت يسعى النظام السوري الى تحويل أزمة العلاقات اللبنانية ـ السورية الى واحد من مدخلَين لإحداث تغيير حكومي في لبنان، من الواضح أنه في طريقه الى مواجهة ضغط دولي إذ أدى سلوكه حيال لبنان الى استدعاء تدويل لـ"الملف"، ومن الواضح أيضاً أنه يسير عكس الاتجاه العربي الحريص على استقرار لبنان على قاعدة استقلاله وسيادته وحريّته. والجديد هنا، هو أن الخطاب الاستقلالي اللبناني بعدَ أن جرت إعادة صوغه على نحوٍ يؤكّد أن لا تناقض بين استقلالية لبنان وانتمائه العربي، بدأ يفعل فعله في الوضع العربي غير الرسمي أيضاً، حيثُ يحصل تفهّم عربي ـ غير رسمي ـ لما يطلبه لبنان في مقابل "البروباغندا" السورية التي صوّرت لفترة أن لبنان يتحوّل الى "قاعدة" للتآمر على سوريا.
على أن ما تواجهه الخطة السورية من معوّقات، بالإضافة الى كل ما تقدّم ذكره، هو قرار فريق 14 آذار رفض التسليم بما يحيكه النظام في سوريا وفضحه، وعدم تمكين مَن "يغطس" مِن حلفائه في لبنان من "العوم" مجدداً.. وهو قرار مواجهة مشروع ضرب ما تحقّق من إنجازات استقلالية.. أي القرار الذي سوف لن تتأخر ترجمته بعد أن عكفَ خلال الأيام الأخيرة على صوغ برنامجها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.