في مطلع شباط الماضي، عندما وقّع وثيقة "التفاهم" مع "التيار الوطني الحر"، بدا "حزب الله" مراهناً على ان للعماد ميشال عون نفوذاً لا يُقهر في البيئة المسيحية، وعلى ان هذا النفوذ العوني يمكن أن يشكّل له ضمانة مسيحية كبيرة يستطيع الحزب بواسطتها الاستغناء عن آخرين وما يمثّلونه.
عون قدّم التحالف مع الحزب على أنه حماية للمسيحيين
من الواضح اليوم ان حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر. لماذا؟
في الفترة التي تم فيها توقيع "وثيقة التفاهم"، كان الجنرال عون لا يزال قادراً على تمويه انتقاله الفعلي من "معسكر" الاستقلال والسيادة إلى "المعسكر" السوري، وكان لا يزال قادراً على نفي تورطه ضمن المعسكر الأخير، وكان الجمهور المسيحي "العريض" لا يزال داعماً للجنرال بنسبة "عالية" ومقتنعاً بأن المعركة التي يخوضها فريق 14 آذار مع عون ليست معركة للجم تورطه سورياً أو لاستعادته إلى مسيرة استكمال الاستقلال بل هي معركة لمنع وصوله إلى رئاسة الجمهورية.
وإذا كانت القدرة على التمويه تمثّل السبب الأول لـ"مرور" وثيقة التفاهم في تلك الفترة، فإن سبباً جوهرياً يُعتقد على نطاق واسع انه "خربط" الحسابات.
في الأصل ثمة إشكالية مسيحية عميقة مع استمرار "حزب الله" في حمل السلاح، وثمة هاجس مسيحي "عام" حيال هذا الموضوع، وهناك ما هو أهم ويتعلق بـ"المزاج اللبناني" عند المسيحيين، أي الميل إلى عدم ربط لبنان باعتبارات وظروف وحسابات إقليمية. بيد ان الجنرال أضاف إلى هذه الإشكالية عنواناً آخر. فقد قدّم "وثيقة التفاهم" والتحالف الذي أنتجته على انهما السبيل الأفضل لـ"حماية المسيحيين"، وقال ذلك في بعض خطابه السياسي العلني لكنه قاله أكثر في مجالسه.
.. فعمّق الإشكالية
ولا شك ان تقديم الوثيقة والتحالف على هذا النحو "السلبي" أدى إلى تعميق الإشكالية "الأصلية". فالقول ان الوثيقة والتحالف يمثلان السبيل إلى "حماية المسيحيين" عنى بالنسبة إلى الجمهور المسيحي "العريض" ان عون يعرض الحماية من خطر فعلي، أي انه وفي معرض دفاعه عن موقعه في هذا "المستجدّ"، أكد وجود خطر معلِناً انه يحاول تجنّبه بهذه الطريقة.
إذاً، صارت علاقة الجنرال بـ"الخطة السورية" كلما انكشفت أكثر في "الوعي المسيحي" ترتبط أكثر فأكثر بعلاقته بحزب الله، وترابطَ الموقف المسيحي السلبي من الخطة السورية مع موقف سلبي من التفاهم والتحالف مع "حزب الله".
وبرزت النتيجة على نحوٍ صارخ الأربعاء الماضي في تظاهرة "المواجهة" مع الحكومة. لم يستطع العنوان المطلبي ـ الاجتماعي أن يستُر "الموقع" الذي يُراد للمسيحيين أن يساقوا إليه، وقد اصطدمت الدعوة إلى التظاهرة، في الإطار المسيحي، برفض الجمهور المسيحيّ النزول إلى الشارع لتغطية موقع مستجدّ يراد لهم أن يكونوا فيه. ومكابرٌ تالياً من لا يعترف بأن العلاقة السلبية للمسيحيين بتظاهرة الأربعاء الفائت شكّلت عنواناً لأزمة كبيرة بين عون وتياره من ناحية وبين عون والجمهور من ناحية ثانية.
لا يعني الاعتراف بوجود أزمة كبيرة أن ثمة انهياراً للتيار العوني في البيئة المسيحية. فالحديث عن انهيارات، مبالغةٌ في غير محلها تماماً كما رفض الاعتراف بالأزمة في غير محلّه. لكن الأزمة تعني ان عون لم يكن يستطيع ولا هو اليوم يستطيع أن يحمّل الجمهور المسيحي ما لا طاقة له به، أو أن يسيّره في خيار سياسي "غير طبيعي". والأزمة تعني أن هناك ضمن التيار العوني من جهة وعلى مستوى الجمهور من جهة أخرى، مَن يناقش، مَن يعبّر، عن إحباطه، من يرفضُ.
خطأ الحساب
وبهذا المعنى فإن أزمة الجنرال مسيحياً تعنيه أولاً لكنها تعني "حزب الله" أيضاً. وبقدر الصدمة التي "يفترض" أن تكون أصابت الجنرال بسبب عدم تلبية المسيحيين له، يُفترض أن يكون "حزب الله" مصدوماً أيضاً بما حصل مع حليفه أو لحليفه.
وعندما يُقال ان حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر بالنسبة إلى "حزب الله"، فمعنى ذلك أن ثمة خطأ سياسياً فادحاً ارتكبه الحزب، إذ قدّر أنه يمكن إسقاط أي عنوان من العناوين على الواقع التمثيلي للتيار العوني بين المسيحيين فتكون النتيجة إيجابية.. فإذا بالعكس يظهر.
على أن الأمر لو كان مجرّد حساب خاطئ "موضعياً" لأمكن البحث فيه وربما تجاوزه. غير أن الخطأ السياسي شمل مجالات عدة ولم يبقَ ضمن حدود العلاقة بين طرفين.
فخلال الفترة السابقة التي تلت توقيع "وثيقة التفاهم" وإعلان التحالف بين "الحزب" و"التيار"، تصرّف "حزب الله" ـ ولو بتغطية من عون ـ على أنه طرف متدخّل في البيئة المسيحية وتمثيلها السياسي، فناصب قوى مسيحية عدة الخصومة، فاستبعد أي علاقة بقوى مسيحية أخرى. وأكثر من ذلك، وإذ مارس الحزب سياسة الدفاع عن بقاء إميل لحود في الرئاسة حتى انتهاء الولاية الممددة سورياً بالقهر، وإذ بدا مدافعاً عن عون.. إنما أحرج عون نفسه من ناحية لكنه أعاد طرح أكثر الأسئلة المسيحية "قوة" من ناحية أخرى.
طرح الاستتباع الشيعي للمسيحيين
لم ينتبه الحزب ـ ولا الجنرال طبعاً ـ إلى ان التيار العوني كسب بعضاً مهماً من شعبيته من التحريض على المسيحيين الآخرين بأنهم أتباع للزعامات الإسلامية وبأن السنّة والدروز يريدون "تعيين" النواب المسيحيين ويريدون "تعيين" رئيس الجمهورية. ولذلك فقد برز السؤال القوي: إذا كنا ـ المسيحيون ـ رفضنا الاستتباع السني والدرزي للمسيحيين والموارنة، فكيف ولماذا نقبل استتباعنا شيعياً؟ ولماذا نسير في حلف ماروني ـ شيعي وما الضمانات التي يقدّمها لنا هذا التحالف؟
علاقة "حزب الله" بالطائفتين الدرزية والسنيّة
بالتوازي مع هذا "التدخل" في البيئة المسيحية بالمعنى المشار إليه آنفاً، اتّسم سلوك "حزب الله" بالتدخل أيضاً في الطوائف الأخرى.
درزياً، كان "حزب الله" حتى في مرحلة التفاهم مع "الحزب التقدمي الاشتراكي" ورئيسه وليد جنبلاط، يرعى العداوات الدرزية لجنبلاط، ويحمي بكل السبل الأقلية السياسية الدرزية الموالية للنظام السوري ويمنح منابره كافة لرموز هذه الأقلية السياسية، ويلعب داخل هذه الطائفة لعبة خطيرة.
وفي الوقت نفسه لم تخلُ علاقته بالطائفة السنيّة من تأزمات. ففي موازاة علاقته بـ"تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري، وعلاقته بـ"الجماعة الإسلامية"، لم يتخلَّ الحزب عن علاقاته ليس بقيادات سنيّة قد تكون لها حيثية معينة في هذه المنطقة أو تلك، بل برموز مخابراتية، واحتضن خصومات سياسية ـ وانتخابية ـ لـ"المستقبل". وفي هذا المناخ من "اللعب" داخل الطائفة السنيّة وتمثيلها السياسي، لم يبدر من "حزب الله" ما هو أكثر من الحرص على استمرار العلاقة بـ"المستقبل".. وبدرجة أقل بكثير بـ"الجماعة الإسلامية"، فيما لم يقدّم الحزب في إطار العلاقة مع "تيار المستقبل" أي تنازلات.
وإذا كان "صاحب الشأن" أي سعد الحريري، لم يفصح عن الاتفاقات التي توصل اليها مع الأمين العام السيد حسن نصرالله في مرات عدة منذ أن بدأت اللقاءات "الماراتونية" بينهما، وإذا كان سعد الحريري اكتفى قبل مدة وجيزة بالإشارة إلى تفاهمات حصلت لكنها لم تنفذ من جانب "حزب الله"، فإن ما يمكن قوله هو ان "السياسة" التي اعتمدها الحزب حيال الطوائف الأخرى، لم تكن مثمرة بل ولّدت "استنفارات" لا مصلحة له فيها بالتأكيد.
حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر بالنسبة إلى "حزب الله": وصلت العلاقة بعون والتيار العوني إلى أزمة كبيرة مسيحياً، خسر العلاقة بقوى مسيحية أخرى، تلاعَبَ سياسياً داخل الطوائف الأخرى ولم يؤسس لثقة متينة... فيما استمر في "إغلاق" الوضع الشيعي حيث حتى العلاقة بحركة "أمل" فيها قدر لا يستهان به من الإشكاليات.
هذاكله مطروح برسم "حزب الله" علّه يدرك مبلغ الخسائر السياسية التي أصيب بها. وبكلام آخر، إن النتائج التي قادت اليها سياسة الحزب تعيده اليوم إلى ما كان عليه في 8 آذار وقبل 14 آذار 2005، أي إلى العلاقةالمأزومة مع الطوائف وقوى تمثيلها السياسي وبيئاتها "الشعبية".. في حين كان يُفترض أن يتمسك بما تحقق له من انفتاح من قبل قوى 14 آذار من مختلف الطوائف باتجاهه، وأن يسعى لـ"توسيع" رقعة العلاقات. فبدلاً من أن يبني على التحالف مع عون فرضيّات في غيرمحلّها بدليل النتائج التي تفيد أن أموراً مخالفة للطبيعة لا تولّد معطيات طبيعية، يبدو أنه كان عليه أن يسلك درباً مختلفاً.
لقاء صفير ـ الحريري: النِّصاب
في المقابل، وإذ تطرحُ هذه القضايا برسم "حزب الله" علّه يراجعها، لا يخطئ النظر في ملاحظة أن نصاب 14 آذار يعود إلى مكانه.
وأهم ما في المشهد مما تجدر ملاحظتُه، هو اللقاء الذي جمع في باريس أول من أمس زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، وهو أول لقاء بينهما منذ ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، حيث كان لسيّد بكركي احتجاج مدوٍّ على قانون الانتخاب.
اللقاء بين صفير والحريري طبيعي جداً. لكنه يكتسب اليوم مغزى كبيراً إذ يعيد "الاعتبار" لهذه العلاقة الإسلامية ـ المسيحية، بين الكنيسة التي قادت مسيحياً معركة الاستقلال وبين وريث بطل الاستقلال إسلامياً الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وأكثر من ذلك، إن اللقاء ـ برمزيته وعلى الأرجح بمضمونه ـ يعلن عن دور متجدد للبطريركية ليس فقط على صعيد المرجعية المسيحية بل على صعيد الشراكة في المعركة المستمرة استكمالاً للاستقلال. ولكم كان معبّراً، إعلان سعد الحريري بعد اللقاء أن "لا مشكلة لدينا في أي قانون انتخاب وسنقف دائماً على خاطر البطريرك في هذا المجال". كان ذلك معبّراً لأنه يُفترض أن يطوي سبب مشكلة صيف العام 2005 أي قانون الانتخاب ليؤسس الشراكة الوطنية من جديد.
إن البطريرك هو من يُعطي مسيحياً الغطاء والمظلة اللازمين للمعركة الوطنية ولأي تحالف، وهو الذي يعبّر عن "المزاج المسيحي" الفعلي، لانه لا يدخُل في السياسة "السياسيّة" بل يدخل مباشرة إلى "السياسة الوطنية".
نصابُ 14 آذار يعود إلى ما كان عليه إذاً. ويحصل ذلك إذ تعود الأقلية أقلية سياسية وتعود الأكثرية أكثرية سياسية حقيقية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.